logo
عقارات

«مدينة الشباب» في العراق.. توسع عقاري لتلبية السكن وتحريك الاقتصاد

«مدينة الشباب» في العراق.. توسع عقاري لتلبية السكن وتحريك الاقتصاد
منظر جوي لنهر دجلة الذي يقسم العاصمة العراقية بغداد يوم 12 يونيو 2025المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

يشهد العراق واحدة من أوسع موجات التوسع العقاري منذ عقود، في ظل تحركات حكومية لمعالجة أزمة سكن تقدر بنحو 3 ملايين وحدة، واستثمار الثقل الديموغرافي للبلاد في تعزيز النشاط الاقتصادي. أحدث هذه الخطوات تمثل في الإعلان عن مشروع «مدينة الشباب»، الذي يخصص لفئة عمرية بين 18 و40 عامًا بأسعار تعاونية، في مسعى لتمكين الجيل الشاب من السكن والاندماج في سوق العمل.

هذه المبادرة ليست مجرد مشروع سكني تقليدي، بل هي جزء من استراتيجية أكبر لتشييد مدن حضارية متكاملة تعيد تشكيل الخريطة العمرانية في العراق. فالسوق العقارية تشهد حالياً حراكاً كبيراً يهيمن عليه القطاع الخاص بنسبة 58% من إجمالي الاستثمارات المقدرة بنحو 27 مليار دولار، بحسب تقديرات غير رسمية، في حين تدعم الحكومة هذا الزخم عبر قروض سكنية ميسرة بلغت قيمتها 900 مليار دينار (نحو 6.84 مليون دولار) من خلال 16 ألف معاملة إقراضية خلال 2024، وفق إحصاءات رسمية.

أخبار ذات صلة

رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار، حيدر محمد مكية خلال مشاركته في ورشة العمل في بغداد، 27 أغسطس 2025.

رئيس هيئة الاستثمار العراقية: أي نهضة اقتصادية تبدأ من ترسيخ الأمن

عبد الحسن الزيادي، عضو الهيئة العامة لمجلس القطاع الخاص، يرى أن هذه الخطوة تحمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية واسعة. وقال في حديث لـ«إرم بزنس»: «تخصيص مدن للشباب بأسعار منخفضة وضخ مليارات لتشييدها سيقلص فجوة السكن، وينعش الاقتصاد عبر توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، إلى جانب جذب الاستثمارات». وأضاف أن العراق لم يشهد اهتماماً مماثلاً بالمشاريع الإسكانية منذ عقود، معتبرًا أن هذه الموجة الجديدة ستضخ دماء في شرايين الاقتصاد الوطني.

الملف السكني ظل لعقود أحد أبرز التحديات التنموية، ويمتد أثره إلى قطاعات حيوية كالتشغيل والبنية التحتية والخدمات. الخبير الاقتصادي علاء الفهد يوضح أن الأزمة تراكمت بفعل النزوح الداخلي والحروب والنمو السكاني المتسارع، ما جعل إنشاء مدن جديدة أمراً لا يقبل التأجيل. وقال لـ«إرم بزنس»: «بناء مدن سكنية متكاملة يوفر ليس فقط حلولاً للأسر الشابة، بل يخلق دورة اقتصادية نشطة تشمل الإنشاءات والخدمات والتمويل، وهو ما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الكلي».

الأرقام السكانية تعزز هذه الرؤية، فالعراق تجاوز حاجز 45 مليون نسمة، مع نسبة شباب تفوق 60% من السكان، وفق ما أكده رئيس الوزراء محمد شياع السوداني خلال اجتماع مع المجلس الأعلى للشباب. معدل النمو السنوي يتراوح بين 3 و4%، ما يعني تسجيل نحو مليون إلى مليون ومئتي ألف ولادة سنوياً، بحسب تصريحات رسمية.

هذا الواقع يفرض دخول نحو 900 ألف إلى مليون شاب سنوياً لسوق العمل، إضافة إلى 300-400 ألف خريج جامعي و600-700 ألف من الإعدادية، وفق ما كشفه علي هلال، المدير التنفيذي للمجلس الأعلى للشباب. وأوضح أن المشروع خصص له 1000 دونم كمرحلة أولى، مضيفاً: «نستهدف من خلاله شريحة واسعة من الشباب، وسنعمل على تعميم التجربة في المحافظات حال نجاحها».

مدينة الشباب ليست المبادرة الوحيدة ضمن هذا المسار؛ ففي مايو الماضي، أطلقت الحكومة مشروع مدينة الورد في بغداد، بتكلفة 7 مليارات دولار وسعة 200 ألف وحدة سكنية، في أكبر تجمع عمراني يخطط له منذ أكثر من 40 عامًا. الوزير بنكين ريكاني وصف المشروع بأنه «قفزة نوعية ستنقل العراق من فكرة الأحياء السكنية إلى بناء مدن متكاملة بمعايير حضارية».

كما كشف سالار محمد أمين، نائب رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار، أن تنفيذ «مدينة الورد» أوكل إلى شركة أورا المصرية المملوكة لرجل الأعمال نجيب ساويرس، باستثمارات تناهز 7 مليارات دولار، ما يؤكد عودة العراق بقوة إلى خريطة الاستثمار الإقليمي.

أخبار ذات صلة

رجل يسير أمام الفرع المحلي للبنك المركزي العراقي في مدينة البصرة الجنوبية، 8 ديسمبر 2023

«المركزي العراقي» يطلق خططاً لتعزيز دعم المشاريع الناشئة

وفي موازاة ذلك، تعمل الحكومة على خطة طموحة لبناء 52 مدينة سكنية متكاملة، تستهدف توفير أكثر من مليون وحدة في عموم المحافظات. وتشمل الخطة مدنًا ضخمة في البصرة (170 ألف وحدة)، بغداد (150 ألفاً)، النجف (144 ألفاً)، وصلاح الدين (113 ألفاً)، إلى جانب بابل (110 آلاف)، واسط (105 آلاف)، الأنبار (88 ألفاً)، وديالى (60 ألفاً)، وصولاً إلى نينوى وكركوك والمثنى وذي قار وكربلاء وميسان.

البرنامج الحكومي، بحسب تصريحات سابقة لمستشار رئيس الوزراء لشؤون الصناعة حمودي اللامي، يشكل تحولاً نوعياً في قطاع الإعمار والتشييد، إذ يعتمد على الشراكة مع القطاع الخاص وتقديم تسهيلات للمستثمرين، بعد أن أحيلت بالفعل خمس مدن إلى المطورين. ومن بين هذه المشاريع مدينة الغزلاني في نينوى وضفاف كربلاء والجنائن في بابل، فضلًا عن ست مدن أخرى أعلن عنها كفرص استثمارية بانتظار الإحالة قريباً.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه الخطط قد يغير ملامح السوق العقارية في العراق خلال سنوات قليلة، مع توقعات بدخول نحو مليون ونصف المليون وحدة سكنية إلى التنفيذ بحلول 2026، بحسب رئيس لجنة الاستثمار والتنمية في البرلمان حسنين خفاجي.

تحديات الملف السكني لا تزال كبيرة، لكن المؤشرات الاقتصادية تؤكد أن المشاريع السكنية للشباب ستكون رافعة أساسية للنمو، عبر تحريك قطاع الإنشاءات والصناعات المرتبطة به، واستيعاب مئات آلاف الأيدي العاملة. العراق، الذي خرج من عقود من الحروب، يسعى اليوم إلى ترسيخ معادلة جديدة: الإعمار أولاً، والشباب محرك التنمية.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف