
الخصخصة ليست بيع الدولة.. بل تحرير الاقتصاد
لا اتفاق مع صندوق النقد قبل استعادة الثقة وإعادة أموال المودعين
السلاح والفساد توأمان عطّلا الإصلاحات في لبنان.. أمّا النمو الاقتصادي الذي تشهده البلاد حالياً، فهو «اصطناعي» لا يمكن التعويل عليه في بناء الدولة.
بين الأرقام التي توحي بانتعاش محدود، والأسواق التي لا تزال تعيش على «الكاش»، يقرأ نائب رئيس الوزراء اللبناني الأسبق والنائب الحالي في البرلمان غسان حاصباني، واقع الاقتصاد اللبناني بعينين سياسيتين واقعيتين، وهو في هذا السياق يحذّر في حديث خاص إلى «إرم بزنس» من «نمو وهمي»، ما لم تستعد الدولة سلطتها كاملة وتُفتح أبواب الإصلاح البنيوي على مصاريعها.
يرى حاصباني أن لبنان يعيش لحظة ملتبسة: فالناتج المحلي الإجمالي ارتفع مجدداً إلى أكثر من 35 مليار دولار، لكن هذه الحركة «لا تصل إلى خزينة الدولة»، كما يقول، وذاك لأن «الاقتصاد الشرعي محدود، والاقتصاد النقدي يتمدّد خارج النظام المصرفي».
وعلى الرغم من أن البلاد تملك كل مقوّمات النهوض، فإنها تحتاج -كما يؤكد- إلى استقرار سياسي وأمني وتشريعي، لكي يتحول النمو إلى مستدام. فالإصلاح، برأيه، لا يكون جزئياً، بل يجب أن يشمل القطاعين العام والمصرفي معاً، لأن التركيز على أحدهما دون الآخر «مجرد ترقيع لا يغيّر الاتجاه».
يضيف حاصباني في حديثه إلى «إرم بزنس»: «نحن بحاجة إلى إدارة عامة فعّالة، ونظام ضريبي عادل، لا يمكن أن نبني اقتصاداً على معاقبة الملتزمين بالضرائب، بينما يُترك المتهربون بلا محاسبة. بهذه الطريقة نُضعف الاقتصاد الشرعي، ونوسّع اقتصاد الظل».
السلاح كان يغطي الفساد.. والفساد يغطي السلاح. هذه المعادلة عطّلت الإصلاح وأنتجت الانهيار.
يرى حاصباني أن ما جرى منذ التسعينيات خلق اقتصاداً هشّاً يعيش على الدعم والتحويلات، فيما كانت الدولة تتآكل تحت ثقل المحاصصة والزبائنية، ويصف ما شهدته تلك المرحلة بأنه «نمو اصطناعي»، قائلاً: «كنا نحذّر من الانهيار قبل وقوعه، لأن الدعم كان يُهدِر أموال المودعين ويغذّي التهريب، واللبنانيون كانوا عملياً يموّلون بضائع مدعومة تخرج إلى سوريا».
وبرأيه، فإن العوامل التي أدت إلى الانهيار لا تزال قائمة، وإن خفّ تأثيرها، من نفوذ السلاح (غير الشرعي)، مروراً باستمرار التهريب، ووصولاً إلى بطء الحكومة في استعادة زمام المبادرة. «إذا استمررنا بهذا البطء، سنعود إلى نقطة الصفر»، يقولها بوضوح.
أما عن الخصخصة، فيرفض حاصباني الصورة المشوّهة التي رُسمت حولها، فهي ليست بيعاً لأصول الدولة كما يروّج لها بعضهم، بل وسيلة لتحرير الاقتصاد من الاحتكار والفساد.
يمكن للدولة أن تبقي ملكية القطاعات الأساسية، لكنها تفتح السوق أمام شركات جديدة منافسة، وهذه ليست خصخصة، بل إصلاح طبيعي، لكننا في لبنان لم نحرّر الأسواق ولم نخصخص، فبقي كل شيء محتَكراً وخارج المنافسة.
في الشق المالي، يضع حاصباني يده على الجرح الأعمق، ألا وهو «غياب الثقة»، فالاتفاق مع صندوق النقد الدولي لا يزال معلقاً، والعائق الأكبر هو عدم استكمال قانون الفجوة المالية وإعادة الودائع. «لا يمكن الحديث عن أي انتعاش ما لم نُعِد للمودعين حقوقهم كاملة وبطريقة قانونية، ونؤمّن السيولة تدريجياً، ونعيد رسملة مصرف لبنان بمسؤولية مشتركة بين الدولة والمصارف»، بحسب حاصباني.
ويذكّر بأن لبنان لا يزال يحتفظ باحتياطي ذهب ضخم يمكن أن يشكّل دعامة أساسية لاستقرار العملة وإعادة بناء الثقة بالقطاع المالي، لكن المطلوب، برأيه، إرادة سياسية وشجاعة تنفيذية.
عن «الدولرة» (استخدام الدولار بدلاً من العملة المحلية)، يرى حاصباني أنها واقع مفروض لا يمكن إنكاره، لكن لا يجب تحويله إلى قدر دائم، ويقول: «الحل يكمن في تطوير عملة لبنانية رقمية، مدعومة بالذهب وبنظام رقابي متين، تمهيداً لاستعادة الثقة بالعملة الوطنية عندما تستعيد الدولة سيادتها، والمصرف المركزي دوره الطبيعي».
وعلى الرغم من التحديات والمصاعب التي تواجه لبنان اليوم، يبدو حاصباني متفائلاً: «لبنان بلد ديمقراطي بطبيعة بطيئة في اتخاذ القرار، وهذه ميزة بقدر ما هي عائق، لكنّ الفرصة لا تزال قائمة، التفاؤل ليس ترفاً، إنه واجب، لأن من دون الأمل لا يمكن أن نعمل ولا أن ننهض».