
تسعى الصين إلى ابتكار حلول غير تقليدية لمعالجة أزمة الارتفاع الهائل في استهلاك الطاقة الناتج عن توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية. يتمثّل أحدث هذه الابتكارات في مشروع فريد من نوعه، يقضي بإنشاء مراكز بيانات تحت سطح البحر قبالة سواحل شنغهاي، في خطوة تهدف إلى تقليل استهلاك الطاقة والحفاظ على البيئة. وبينما يراها البعض قفزة تكنولوجية رائدة نحو مستقبل مستدام، يثير المشروع تساؤلات ومخاوف عدة.
ففي خطوة جديدة نحو مستقبل أكثر استدامة في قطاع التكنولوجيا، أعلنت شركة صينية عن مشروع طموح يتمثل في إنشاء مراكز بيانات تحت البحر قبالة سواحل شنغهاي حيث يستمر العمل على كبسولة ضخمة باللون الأصفر، ستُغمر قريباً في البحر لتضم خوادم بيانات تعمل في بيئة مائية طبيعية، بدلاً من الاعتماد على أنظمة التبريد الهوائي المكلفة والمستهلكة للطاقة.
تشير شركة Highlander، المتخصصة في المعدات البحرية، إلى أن تبريد الخوادم بواسطة تيارات المحيط يوفّر ما يصل إلى 90% من الطاقة المستخدمة في التبريد مقارنة بالمراكز التقليدية على اليابسة. وتعد هذه المبادرة جزءاً من خطة حكومية صينية تهدف إلى خفض البصمة الكربونية لمراكز البيانات، في ظل الزيادة الهائلة في الطلب على الطاقة الناتجة عن توسّع تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ولهذه الغاية، تعاونت Highlander مع شركات إنشاءات مملوكة للدولة لتطوير المشروع، الذي من المقرر أن يبدأ العمل به منتصف أكتوبر 2025، ويخدم عملاء مثل China Telecom وشركات حوسبة ذكاء اصطناعي حكومية.
ورغم الطموح الكبير، تواجه هذه المشاريع تحديات تقنية معقدة، بدءاً من بناء الكبسولات المعدنية المقاومة للصدأ والمياه المالحة، وصولاً إلى إنشاء وصلات إنترنت مستقرة بين الخوادم البحرية واليابسة.
وأوضح تشو جون من فريق Highlander أن عملية الإنشاء «كانت أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً»، مضيفاً أن الكبسولة تم بناؤها على اليابسة قبل تركيبها في البحر، وأنها ستعتمد بشكل شبه كامل على الطاقة المولَّدة من مزارع الرياح البحرية، ما يجعلها من أكثر مشاريع البيانات استدامة في الصين.
ولضمان المتانة، استخدمت الشركة طلاءً خاصاً يحتوي على رقائق زجاجية لحماية الكبسولة الفولاذية من التآكل. كما تم تصميم مصعد خاص يربط الجزء المغمور بالمياه بهيكل علوي يطفو على السطح لتسهيل عمليات الصيانة الدورية.
رغم الحماس الكبير للفكرة، لا تزال الآثار البيئية لهذه المراكز موضع جدل بين العلماء. ويحذر خبراء الأحياء البحرية، مثل أندرو وانت من جامعة هال البريطانية، من أن الحرارة المنبعثة من هذه المراكز قد تؤثر في النظم البيئية البحرية، حيث يمكن أن تجذب بعض الكائنات وتُبعد أخرى. وأكد أن «هذه الجوانب ما زالت غير مفهومة بالكامل، إذ لا توجد دراسات كافية حتى الآن».
من جانبها، أشارت (Highlander) إلى أن تقييماً مستقلاً أجري عام 2020 لمشروع تجريبي قرب مدينة تشوهاي أظهر أن درجة حرارة المياه بقيت ضمن الحدود الآمنة بيئياً.
لكن الباحث شاولاي رين من جامعة كاليفورنيا نبه إلى أنه مع توسّع حجم المراكز سيزداد كذلك مقدار الحرارة الناتجة، داعياً إلى دراسة أعمق لمسألة التلوث الحراري البحري.
يرى الخبراء أن المرافق البحرية لن تحل محل مراكز البيانات التقليدية، لكنها قد تشكل خياراً مكمّلاً يخدم قطاعات محددة تتطلب حلولاً مبتكرة لتقليل الطاقة والانبعاثات.
وبينما تواصل الصين الاستثمار في هذه التقنية، يبدو أن العالم يراقب من كثب تجربة شنغهاي، التي قد تمثل بداية فصل جديد في علاقة التكنولوجيا بالطبيعة، حيث تلتقي أعماق البحر عالم الحوسبة الحديثة.
وبين الطموح التكنولوجي والقلق البيئي، تمثل تجربة الصين في مراكز البيانات تحت البحر اختباراً حقيقياً لقدرة الإنسان على التوفيق بين التقدّم الرقمي والحفاظ على صحة الكوكب. فبينما تعد هذه الخطوة بتقليل استهلاك الطاقة والانبعاثات الكربونية بشكل غير مسبوق، تبقى الأسئلة مفتوحة حول آثارها البيئية طويلة المدى وإمكانية تعميمها عالمياً.