
يسعى المغرب إلى ترسيخ موقعه كمركز إقليمي لمراكز البيانات يخدم السوق الأوروبية، في إطار توجه أوسع لإعادة تموضع البنية الرقمية بوصفها نشاطاً تصديرياً موجهاً للأسواق الخارجية، لا مجرد خدمة محلية. ويعكس هذا المسار تحوّلاً في مقاربة الاستثمار الرقمي، حيث بات التركيز منصبّاً على بناء سعات تشغيلية كبيرة تستهدف أحمال الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية العابرة للحدود، مستفيدة من قرب المملكة الجغرافي من أوروبا وتنافسية كلفتها التشغيلية.
وتكتسب هذه الرهانات أهمية خاصة في ضوء حجم المشاريع المطروحة، إذ تشير تقديرات قطاعية، من بينها تحليلات أوردتها شركة «ماكنزي» (McKinsey)، إلى أن القدرة المركبة المخطط لها قد تقترب من 2 غيغاواط، وهو مستوى يتجاوز بكثير القدرات التشغيلية الحالية في إفريقيا، المقدّرة بأقل من 500 ميغاواط موزعة على أكبر خمسة أسواق. ويأتي هذا التوسع رغم أن الطلب المحلي على خدمات الحوسبة السحابية وأعباء الذكاء الاصطناعي لا يزال محدوداً نسبياً، مقارنة بحجم الاستثمارات المعلنة.
رغم هذه المفارقة، يواصل الاهتمام الدولي بالتزايد، مدفوعاً بعوامل الموقع الجغرافي وقرب المغرب من أوروبا، إضافة إلى اعتبارات الكلفة وسهولة الربط الشبكي، أكثر من ارتباطه بحجم الاستهلاك الداخلي. ويبدو أن المستثمرين ينظرون إلى السوق المغربية بوصفه منصة تشغيل إقليمية قادرة على استيعاب أحمال رقمية أوروبية، لا سوقاً نهائية للخدمات الرقمية.
وفي هذا السياق، تُظهر بيانات سوقية أن قطاع مراكز البيانات في المغرب واصل مسار نموه خلال عامي 2025 و2026. وبحسب تقديرات «دي سي ماركت إنسايتس» (DC Market Insights)، قُدِّر حجم سوق مراكز البيانات في المغرب بنحو 489.7 مليون دولار في عام 2025، مع توقعات باستمرار النمو خلال السنوات اللاحقة بمعدل سنوي مركب يقارب 6.9%، في ظل استمرار توسّع الاستثمار في البنية الرقمية رغم محدودية الطلب المحلي المباشر.
وتعزز هذه الصورة تقديرات أخرى تعكس طبيعة الرهان طويل الأجل. إذ تتوقع «أريزتون أدفايزوري» (Arizton Advisory) أن ينمو أحد قطاعات السوق المرتبطة بخدمات مراكز البيانات بمعدل سنوي مركب يبلغ 11.18% ليصل إلى نحو 51 مليون دولار بحلول عام 2028، في إشارة إلى أن الزخم الاستثماري لا يستند إلى الطلب الآني، بل إلى موقع المغرب ودوره المحتمل ضمن خريطة البنية الرقمية الإقليمية.
ترتكز خارطة المشاريع الحالية على ثلاث مبادرات خاصة كبرى. ففي عام 2024، أعلنت شركة «إيوزيرا» (Iozera) الأميركية، ومقرها تكساس، عن خطط لاستثمار 500 مليون دولار في مركز بيانات بقدرة 386 ميغاواط في تطوان. وبعد عام واحد، كشفت شركة «نافر» (Naver) الكورية الجنوبية عن مشروع بقدرة 500 ميغاواط في الموقع نفسه، مع توجه للشراكة مع «إنفيديا» (Nvidia) والاعتماد على طاقة متجددة مرتبطة بالبنية التحتية الطاقية الحكومية.
كما تدرس شركة «كاسافا تكنولوجيز» (Cassava Technologies)، المملوكة لرجل الأعمال الزيمبابوي سترايف ماسييوا، المغرب ضمن استراتيجيتها لإطلاق «مصانع ذكاء اصطناعي» على مستوى القارة. ويأتي ذلك بالتوازي مع إعلان المغرب عن مشروع مركز بيانات ضخم بقدرة 500 ميغاواط يعمل بالكامل بالطاقة المتجددة في الداخلة، في خطوة تؤكد محاولة مواءمة التوسع الرقمي مع أهداف الاستدامة.
تكمن جاذبية المغرب الأساسية في قربه الجغرافي من أوروبا، إذ لا تفصله عنها سوى 15 كيلومتراً عبر مضيق جبل طارق، إضافة إلى ارتباطه بعدة كابلات ألياف ضوئية بحرية. وبالنسبة للشركات الأوروبية، يوفّر ذلك خياراً قريباً ومنخفض التكلفة لاستضافة أحمال الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، مع الحفاظ على زمن استجابة قصير نسبياً.
ويعزّز هذا الرهان وجود قاعدة رقمية محلية واسعة، إذ يُقدَّر عدد مستخدمي الإنترنت في المغرب بنحو 35.3 مليون مستخدم في عام 2025، مع معدل اختراق يتجاوز 92%، بحسب بيانات منصة «داتا ريبورتال» (DataReportal) المتخصصة في تتبع المؤشرات الرقمية، ما يرفع جاهزية البيئة الرقمية، حتى وإن لم يترجم ذلك إلى طلب داخلي كثيف على مراكز البيانات فائقة الحجم.
غير أن هذه المزايا، بحسب مسؤولين في القطاع، لا تكفي وحدها لحسم المنافسة. فالتفوّق في سوق مراكز البيانات بات مرتبطاً بالقدرة على التنفيذ لا بكثرة الإعلانات. ويأتي ذلك في وقت تشير فيه تقديرات قطاعية صادرة عن منصات متخصصة في مراكز البيانات والطاقة إلى أن المغرب يستحوذ على نحو 35% من إجمالي القدرات الكهربائية المخطط إضافتها لمراكز البيانات في إفريقيا، ما يضعه في موقع متقدم إقليمياً، لكنه يرفع في المقابل سقف التحديات التشغيلية مقارنة بالأسواق الإفريقية التقليدية.
بات المطورون ينظرون إلى سعة مراكز البيانات على أنها منتج تصديري، لا مجرد خدمة محلية. ويتقاطع هذا التوجه مع استراتيجية المغرب الأوسع للارتقاء في سلسلة قيمة خدمات التعهيد، ضمن إطار «استراتيجية المغرب الرقمي 2030»، التي خصصت لها الحكومة استثمارات تقارب 11 مليار درهم خلال الفترة 2024–2026 لتحديث البنية الرقمية، تشمل الذكاء الاصطناعي، نشر الألياف البصرية، وتوسيع مراكز البيانات، وفق ما أوردته تقارير حكومية رسمية.
وتقدّر السلطات أن الخدمات الرقمية المتقدمة، بما في ذلك المعالجة والتدريب المرتبطان بالذكاء الاصطناعي، قد تدرّ ما يصل إلى 40 مليار درهم بحلول عام 2030، معظمها من عملاء في أوروبا والشرق الأوسط، مع توقعات بأن يسهم انتشار خدمات الجيل الخامس (5G) اعتباراً من أواخر 2025 في رفع الطلب على قدرات التخزين والمعالجة.
يضع توسّع مراكز البيانات في المغرب ملف الطاقة في واجهة التحديات التشغيلية. فمراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي قد تستهلك ما يصل إلى خمسة أضعاف الكهرباء التي تحتاجها مراكز الحوسبة السحابية التقليدية، وفقاً لـ«الجمعية الإفريقية لمراكز البيانات» (ADCA).
ويحذّر محللون من أن جاهزية الشبكة واستقرار إمدادات الطاقة المتجددة قد لا يبلغان المستويات المطلوبة للتشغيل واسع النطاق قبل عام 2035، ما يثير تساؤلات حول الجداول الزمنية للمشاريع. كما يشكّل استهلاك المياه لأغراض التبريد تحدياً إضافياً في بلد يعاني أصلاً من دورات جفاف متكررة.
وبناءً عليه، ورغم أن طموحات المغرب في مجال مراكز البيانات تعيد تشكيل صورة اقتصاده الرقمي وتضعه في قلب خريطة الاستثمار التكنولوجي الإفريقية، فإن محللين يحذرون من احتمال تأخر بعض المشاريع العملاقة أو تقليص أحجامها. ويبقى التوسع رهناً بتحديث سريع للبنية التحتية والالتزام الصارم بمواعيد التنفيذ. وإذا استمرت فجوات الطاقة والتبريد، فقد تتجاوز إعلانات السعة ما يمكن تحقيقه فعلياً على المدى القريب.