logo
تكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي يهدد الوظائف أم يخلق اقتصاداً جديداً؟ 3 خبراء يوضحون

الذكاء الاصطناعي يهدد الوظائف أم يخلق اقتصاداً جديداً؟ 3 خبراء يوضحون
سيدة أعمال أميركية تشعر بالإحباط من استيلاء الروبوتات على الوظائف الاستشارية المصدر: «شاترستوك»
تاريخ النشر:

أثار الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي جدلاً واسعاً حول مستقبل الوظائف والاقتصاد العالمي، إذ يرى متفائلون أن التكنولوجيا تمثل فرصة تاريخية لتعزيز الإنتاجية، وخلق مجالات عمل جديدة، بينما يحذّر آخرون من تحولها إلى قوة قد تستبدل ملايين الوظائف، وتعيد تشكيل توزيع الدخل.

وفي محاولة لفهم أسباب التباين الكبير في التوقعات، نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» حواراً مع 3 من أبرز اقتصاديي سوق العمل لتحليل تداعيات الذكاء الاصطناعي على الوظائف، والدخل، ومستقبل الاقتصاد.

وشارك في النقاش ديفيد أوتور، أستاذ الاقتصاد في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، الذي يرى أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل سوق العمل دون القضاء على قيمة الإنسان، وأنطون كورينيك، أستاذ الاقتصاد في جامعة  فيرجينيا، الذي يحذّر من تحول اقتصادي جذري قد يقلل الاعتماد على العمل البشري، ومارثا غيمبل، مديرة «مختبر الميزانية» في جامعة ييل، التي تقدم رؤية وسطية بشأن سرعة وحجم التغيير.  

أخبار ذات صلة

موظفون يعملون على أجهزة الكمبيوتر في مكتب في لندن، بريطانيا، 13 نوفمبر 2025

الذكاء الاصطناعي وراء فقدان 28 ألف وظيفة في المال والمعلومات شهرياً

ثورة صناعية جديدة أم تحول تدريجي؟

قال كورينيك إن «الذكاء الاصطناعي قد يقود إلى نموذج اقتصادي جديد يشبه الثورة الصناعية»، موضحاً أن «العمل أصبح، منذ القرن التاسع عشر، المورد الأكثر ندرة، ما ساهم في ارتفاع الأجور في الاقتصادات المتقدمة بنحو 20 ضعفاً».

وأضاف أن «ظهور أنظمة قادرة على أداء المهام المعرفية والجسدية بمستوى قريب من البشر قد يعني أن العمل لم يعد مورداً نادراً»، متوقعاً انخفاض حصة العمال من الدخل، التي تبلغ، حالياً، نحو 60%، إلى أقل من 50% خلال حياة الجيل الحالي، وربما إلى مستويات أقل.

في المقابل، رفض أوتور فكرة اقتراب العالم من «نهاية عصر الوظائف»، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي سيغيّر طبيعة العمل أكثر مما سيقضي عليه. 

وأوضح أن «التكنولوجيا تقوم بثلاثة أدوار رئيسة: أتمتة بعض المهام، دعم العاملين، وخلق تخصصات ووظائف جديدة»، مضيفاً أن «الحكم البشري، والقدرة على التفكير الأخلاقي، والتعاطف، والخبرة العملية ستظل ذات قيمة اقتصادية».

أما غيمبل، فأشارت إلى أن «المدافعين عن الذكاء الاصطناعي يقللون من أهمية التفاعل البشري»، موضحة أن «كثيراً من الوظائف الواقعية أكثر تعقيداً من الوظائف التقنية، ومن الصعب تحويلها إلى معايير قابلة للتحسين بواسطة الآلات».  

أخبار ذات صلة

أكثر من مليار شخص في العالم يستخدمون الذكاء الاصطناعي التخاطبي أسبوعياً

أول تقرير علمي مستقل يضع في الميزان فوائد ومخاطر الذكاء الاصطناعي

هل ترتفع البطالة بسبب الذكاء الاصطناعي؟

وعن تأثير الذكاء الاصطناعي على معدل البطالة خلال العقد المقبل، قال أوتور إن «إدارة المرحلة الانتقالية بشكل جيد قد تمنع ارتفاع البطالة بشكل كبير»، مشيراً إلى «احتمال انخفاض عدد الأشخاص الراغبين في العمل، وهو ما قد ينعكس على التوترات السياسية والاجتماعية».

ورأت غيمبل أن التأثير يعتمد على سرعة انتشار التكنولوجيا وسرعة ظهور وظائف جديدة، مشيرة إلى «أن العوامل الاقتصادية الكلية قد تلعب دوراً مهماً في تحديد معدلات البطالة».

أما كورينيك فقال إن «التطورات السريعة في الذكاء الاصطناعي تجعل من الصعب حتى التنبؤ بمستقبل سوق العمل خلال عام أو عامين»، مضيفاً أن «الذكاء الاصطناعي العام قد يؤدي خلال 10 سنوات إلى تغيير جذري في شكل الاقتصاد، حيث تصبح مستويات التوظيف أو البطالة غير قابلة للتوقع». 

وظائف جديدة في عصر الذكاء الاصطناعي 

رفض أوتور فكرة أن كل الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ستختفي، مشيراً إلى أن استخدام الحواسيب لم يقضِ على العمل، بل أدى إلى ظهور وظائف جديدة، مثل علماء البيانات، التي لم تكن موجودة قبل الثورة الرقمية، ودعا إلى التركيز على كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لمعالجة احتياجات كبيرة في مجالات مثل الرعاية الصحية والتعليم. 

أخبار ذات صلة

يستفيد مطورو الذكاء الاصطناعي من مفاهيم فلسفية تعود إلى آلاف السنين.

لماذا تتسابق شركات الذكاء الاصطناعي على توظيف طلاب الفلسفة؟

لكنه حذَّر من مخاطر استخدام التكنولوجيا في نشر التضليل، وزيادة الفوضى السياسية، معتبراً أن تأثيرها على الديمقراطية قد يكون أحد أكبر التحديات.

وقالت غيمبل إن «التاريخ يظهر أن البشر قادرون على ابتكار وظائف جديدة»، مشيرة إلى أن «الثورات التكنولوجية السابقة لم تنتهِ بعدد أقل من الوظائف».

لكن كورينيك رأى أن «الاعتماد على بيع قوة العمل قد يصبح أكثر صعوبة على المدى الطويل، ما قد يتطلب تطوير أنظمة جديدة لتوزيع الدخل لا تعتمد بالكامل على قيمة العمل في السوق». 

الوظائف الأكثر عرضة للخطر

قال كورينيك إن «الوظائف المكتبية، أو ما يعرف بوظائف الحاسوب المحمول، ستكون الأكثر تعرضاً للضغوط، خاصة في قطاعات، مثل: القانون، والتمويل، والمحاسبة، والاستشارات».

أما أوتور فأشار إلى «أن العاملين في الوظائف المعتمدة على المعلومات دون تدريب متخصص بدرجة عالية، مثل موظفي مراكز الاتصال، قد يكونون أكثر عرضة للاستبدال»، موضحاً «أن المترجمين، وبعض المديرين المتوسطين، والرسامين، وكتَّاب الإعلانات، قد يواجهون تحديات متزايدة بسبب قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على إعادة استخدام المحتوى الفكري». 

أخبار ذات صلة

جيف بيزوس، مؤسس أمازون، يشير بيده أثناء حديثه خلال النسخة العاشرة من معرض فيفا تيك للشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا والابتكار في باريس، فرنسا، في 17 يونيو 2026.

مؤسس «أمازون»: الذكاء الاصطناعي سيخلق نقصاً بالعمالة وليس بطالة

من جهتها، قالت غيمبل إن «العمال الأكبر سناً قد يواجهون صعوبات أكبر في التعافي إذا فقدوا وظائفهم، مقارنة بالعمال الأصغر سناً الذين يمتلكون قدرة أكبر على التكيف مع الأدوات الجديدة».

ما الذي قد يحد من انتشار الذكاء الاصطناعي؟

ترى غيمبل أن الوظائف التي تعتمد على العلاقات الإنسانية قد تكون أكثر مقاومة للأتمتة، مشيرة إلى أن الناس لا يبحثون فقط عن الكفاءة، بل عن التواصل البشري.

وقالت إن «الروبوتات قد تصبح أكثر تطوراً، لكنها لا تستطيع بسهولة استبدال الرعاية الإنسانية أو العلاقات الشخصية».

وأشار كورينيك إلى «أن الذكاء الاصطناعي لا يزال أقل قدرة من البشر في بعض المجالات، خصوصاً التعلم الديناميكي والوظائف الجسدية، مثل رعاية كبار السن».

أما أوتور فأكد «أن بعض المهن، مثل التعليم، ستبقى بحاجة إلى العنصر البشري، لأن التعلم لا يعتمد فقط على نقل المعلومات، بل على التحفيز والتفاعل». 

هل يمكن للبشر اختيار حياة أقل اعتماداً على التكنولوجيا؟

قال أوتور إن بعض الناس سيستمرون في تقدير المنتجات والخدمات المصنوعة بشرياً، فيما وصفه بـ«اقتصاد إتسي»، لكن هذا الاتجاه لن يكون كافياً لتوفير وظائف لمعظم السكان. 

أخبار ذات صلة

مبنى البنك المركزي الإيطالي في وسط مدينة ميلانو، 25 نوفمبر 2011

المركزي الإيطالي متخوف من مخاطر الذكاء الاصطناعي على القطاع المالي

ورأى كورينيك أن المجتمعات قد تختار الإبقاء على بعض الوظائف حتى لو أصبحت قابلة للأتمتة، لتجنب اضطرابات اجتماعية واسعة.

أما غيمبل فقالت إن «وفرة المحتوى الرقمي قد تزيد قيمة التجارب الحية، مثل المسرح والفنون، لأن الناس سيواصلون تقدير مشاهدة البشر وهم يؤدون أعمالاً إبداعية». 

خلاف الخبراء حول المستقبل

قال كورينيك إن «النماذج الاقتصادية التقليدية قد تفقد قدرتها على تفسير المستقبل إذا انتشر الذكاء الاصطناعي العام على نطاق واسع».

أما أوتور فحذَّر من التركيز المفرط على قدرة التكنولوجيا على استبدال البشر، مؤكداً أن «الإنسان يختلف عن الآلات لأنه يمتلك القدرة على اتخاذ القرارات، وتحديد المسار».

وختمت غيمبل بالقول إن «الاقتصادات أثبتت تاريخياً قدرتها على الصمود أمام الصدمات الكبرى، وإن البشر يجدون دائماً طرقاً جديدة لدفع النشاط الاقتصادي إلى الأمام».

ويبقى السؤال الرئيس: هل سيكون الذكاء الاصطناعي ثورة تفتح باباً لعصر اقتصادي جديد، أم قوة تعيد توزيع الثروة والوظائف بطريقة غير مسبوقة؟.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف