
أثار الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي جدلاً واسعاً حول مستقبل الوظائف والاقتصاد العالمي، إذ يرى متفائلون أن التكنولوجيا تمثل فرصة تاريخية لتعزيز الإنتاجية، وخلق مجالات عمل جديدة، بينما يحذّر آخرون من تحولها إلى قوة قد تستبدل ملايين الوظائف، وتعيد تشكيل توزيع الدخل.
وفي محاولة لفهم أسباب التباين الكبير في التوقعات، نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» حواراً مع 3 من أبرز اقتصاديي سوق العمل لتحليل تداعيات الذكاء الاصطناعي على الوظائف، والدخل، ومستقبل الاقتصاد.
وشارك في النقاش ديفيد أوتور، أستاذ الاقتصاد في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، الذي يرى أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل سوق العمل دون القضاء على قيمة الإنسان، وأنطون كورينيك، أستاذ الاقتصاد في جامعة فيرجينيا، الذي يحذّر من تحول اقتصادي جذري قد يقلل الاعتماد على العمل البشري، ومارثا غيمبل، مديرة «مختبر الميزانية» في جامعة ييل، التي تقدم رؤية وسطية بشأن سرعة وحجم التغيير.
قال كورينيك إن «الذكاء الاصطناعي قد يقود إلى نموذج اقتصادي جديد يشبه الثورة الصناعية»، موضحاً أن «العمل أصبح، منذ القرن التاسع عشر، المورد الأكثر ندرة، ما ساهم في ارتفاع الأجور في الاقتصادات المتقدمة بنحو 20 ضعفاً».
وأضاف أن «ظهور أنظمة قادرة على أداء المهام المعرفية والجسدية بمستوى قريب من البشر قد يعني أن العمل لم يعد مورداً نادراً»، متوقعاً انخفاض حصة العمال من الدخل، التي تبلغ، حالياً، نحو 60%، إلى أقل من 50% خلال حياة الجيل الحالي، وربما إلى مستويات أقل.
في المقابل، رفض أوتور فكرة اقتراب العالم من «نهاية عصر الوظائف»، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي سيغيّر طبيعة العمل أكثر مما سيقضي عليه.
وأوضح أن «التكنولوجيا تقوم بثلاثة أدوار رئيسة: أتمتة بعض المهام، دعم العاملين، وخلق تخصصات ووظائف جديدة»، مضيفاً أن «الحكم البشري، والقدرة على التفكير الأخلاقي، والتعاطف، والخبرة العملية ستظل ذات قيمة اقتصادية».
أما غيمبل، فأشارت إلى أن «المدافعين عن الذكاء الاصطناعي يقللون من أهمية التفاعل البشري»، موضحة أن «كثيراً من الوظائف الواقعية أكثر تعقيداً من الوظائف التقنية، ومن الصعب تحويلها إلى معايير قابلة للتحسين بواسطة الآلات».
وعن تأثير الذكاء الاصطناعي على معدل البطالة خلال العقد المقبل، قال أوتور إن «إدارة المرحلة الانتقالية بشكل جيد قد تمنع ارتفاع البطالة بشكل كبير»، مشيراً إلى «احتمال انخفاض عدد الأشخاص الراغبين في العمل، وهو ما قد ينعكس على التوترات السياسية والاجتماعية».
ورأت غيمبل أن التأثير يعتمد على سرعة انتشار التكنولوجيا وسرعة ظهور وظائف جديدة، مشيرة إلى «أن العوامل الاقتصادية الكلية قد تلعب دوراً مهماً في تحديد معدلات البطالة».
أما كورينيك فقال إن «التطورات السريعة في الذكاء الاصطناعي تجعل من الصعب حتى التنبؤ بمستقبل سوق العمل خلال عام أو عامين»، مضيفاً أن «الذكاء الاصطناعي العام قد يؤدي خلال 10 سنوات إلى تغيير جذري في شكل الاقتصاد، حيث تصبح مستويات التوظيف أو البطالة غير قابلة للتوقع».
رفض أوتور فكرة أن كل الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ستختفي، مشيراً إلى أن استخدام الحواسيب لم يقضِ على العمل، بل أدى إلى ظهور وظائف جديدة، مثل علماء البيانات، التي لم تكن موجودة قبل الثورة الرقمية، ودعا إلى التركيز على كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لمعالجة احتياجات كبيرة في مجالات مثل الرعاية الصحية والتعليم.
لكنه حذَّر من مخاطر استخدام التكنولوجيا في نشر التضليل، وزيادة الفوضى السياسية، معتبراً أن تأثيرها على الديمقراطية قد يكون أحد أكبر التحديات.
وقالت غيمبل إن «التاريخ يظهر أن البشر قادرون على ابتكار وظائف جديدة»، مشيرة إلى أن «الثورات التكنولوجية السابقة لم تنتهِ بعدد أقل من الوظائف».
لكن كورينيك رأى أن «الاعتماد على بيع قوة العمل قد يصبح أكثر صعوبة على المدى الطويل، ما قد يتطلب تطوير أنظمة جديدة لتوزيع الدخل لا تعتمد بالكامل على قيمة العمل في السوق».
قال كورينيك إن «الوظائف المكتبية، أو ما يعرف بوظائف الحاسوب المحمول، ستكون الأكثر تعرضاً للضغوط، خاصة في قطاعات، مثل: القانون، والتمويل، والمحاسبة، والاستشارات».
أما أوتور فأشار إلى «أن العاملين في الوظائف المعتمدة على المعلومات دون تدريب متخصص بدرجة عالية، مثل موظفي مراكز الاتصال، قد يكونون أكثر عرضة للاستبدال»، موضحاً «أن المترجمين، وبعض المديرين المتوسطين، والرسامين، وكتَّاب الإعلانات، قد يواجهون تحديات متزايدة بسبب قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على إعادة استخدام المحتوى الفكري».
من جهتها، قالت غيمبل إن «العمال الأكبر سناً قد يواجهون صعوبات أكبر في التعافي إذا فقدوا وظائفهم، مقارنة بالعمال الأصغر سناً الذين يمتلكون قدرة أكبر على التكيف مع الأدوات الجديدة».
ترى غيمبل أن الوظائف التي تعتمد على العلاقات الإنسانية قد تكون أكثر مقاومة للأتمتة، مشيرة إلى أن الناس لا يبحثون فقط عن الكفاءة، بل عن التواصل البشري.
وقالت إن «الروبوتات قد تصبح أكثر تطوراً، لكنها لا تستطيع بسهولة استبدال الرعاية الإنسانية أو العلاقات الشخصية».
وأشار كورينيك إلى «أن الذكاء الاصطناعي لا يزال أقل قدرة من البشر في بعض المجالات، خصوصاً التعلم الديناميكي والوظائف الجسدية، مثل رعاية كبار السن».
أما أوتور فأكد «أن بعض المهن، مثل التعليم، ستبقى بحاجة إلى العنصر البشري، لأن التعلم لا يعتمد فقط على نقل المعلومات، بل على التحفيز والتفاعل».
قال أوتور إن بعض الناس سيستمرون في تقدير المنتجات والخدمات المصنوعة بشرياً، فيما وصفه بـ«اقتصاد إتسي»، لكن هذا الاتجاه لن يكون كافياً لتوفير وظائف لمعظم السكان.
ورأى كورينيك أن المجتمعات قد تختار الإبقاء على بعض الوظائف حتى لو أصبحت قابلة للأتمتة، لتجنب اضطرابات اجتماعية واسعة.
أما غيمبل فقالت إن «وفرة المحتوى الرقمي قد تزيد قيمة التجارب الحية، مثل المسرح والفنون، لأن الناس سيواصلون تقدير مشاهدة البشر وهم يؤدون أعمالاً إبداعية».
قال كورينيك إن «النماذج الاقتصادية التقليدية قد تفقد قدرتها على تفسير المستقبل إذا انتشر الذكاء الاصطناعي العام على نطاق واسع».
أما أوتور فحذَّر من التركيز المفرط على قدرة التكنولوجيا على استبدال البشر، مؤكداً أن «الإنسان يختلف عن الآلات لأنه يمتلك القدرة على اتخاذ القرارات، وتحديد المسار».
وختمت غيمبل بالقول إن «الاقتصادات أثبتت تاريخياً قدرتها على الصمود أمام الصدمات الكبرى، وإن البشر يجدون دائماً طرقاً جديدة لدفع النشاط الاقتصادي إلى الأمام».
ويبقى السؤال الرئيس: هل سيكون الذكاء الاصطناعي ثورة تفتح باباً لعصر اقتصادي جديد، أم قوة تعيد توزيع الثروة والوظائف بطريقة غير مسبوقة؟.