
تتجه كلفة التجارة العالمية نحو ارتفاع هيكلي ومستدام مع انتقال الاختناقات البحرية من حوادث جغرافية محدودة إلى شبكة ضغط مترابطة تمتد عبر مضائق «هرمز» و«ملقا» و«باب المندب» و«قناة السويس»، ما يرفع في وقت واحد أسعار الطاقة وعقود الشحن وبوالص التأمين، ويضيف طبقة تضخمية متزايدة على الاقتصاد العالمي.
وأظهرت بيانات صادرة عن جهات متخصصة في تتبع التدفقات البحرية أن هذا التزامن لا يؤدي فقط إلى ارتفاع التكاليف المباشرة، بل يعيد تشكيل آليات التسعير في التجارة الدولية، حيث لم تعد الكلفة مرتبطة بالمسافة أو الوقود فقط، بل بدرجة التعرض الجغرافي لنقاط الاختناق.
لم يعد اضطراب ممر مائي واحد كافياً لتفسير تحركات الأسواق، إذ أظهرت بيانات تشغيلية نقلها خبراء سلاسل الإمداد في «جامعة ملبورن» (The University of Melbourne) أن تزامن الضغوط عبر عدة نقاط اختناق أصبح العامل الحاسم في رفع الكلفة التشغيلية.
ويمر نحو 90% من التجارة العالمية بحراً، فيما تتركز ثلاثة أرباع هذه التدفقات في عدد محدود من الممرات الحيوية، ما يجعل النظام التجاري شديد الحساسية لأي تعطيل، حتى لو كان محدوداً جغرافياً.
وفي هذا السياق، أوضح تحليل الخبراء أن هذا التركز لا يسمح بامتصاص الصدمات داخل النظام التجاري، بل يعيد توزيعها فوراً على بقية الممرات. فبدلاً من تخفيف الضغط، يؤدي تحويل السفن إلى نقل الاختناق من نقطة إلى أخرى، وهو ما يولد ما يشبه «ازدحاماً متحركاً» في شبكة التجارة العالمية.
كما أظهرت البيانات أن هذه الديناميكية تدفع الشركات إلى تسعير المخاطر استباقياً، ما يؤدي إلى ارتفاع في عقود الشحن الآجلة وعلاوات التأمين حتى قبل حدوث تعطيل فعلي، وهو ما يفسر سرعة انتقال التأثير إلى الأسواق.
يبقى «مضيق هرمز» نقطة التأثير الأكثر حساسية في أسواق الطاقة، حيث تعبره نحو 20.9 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات، وفق بيانات «إدارة معلومات الطاقة الأميركية» (EIA)، وهو ما يمثل قرابة خُمس الإمدادات النفطية المنقولة بحراً.
يجعل هذا الحجم أي تهديد للملاحة كفيلاً برفع الأسعار فوراً، حتى دون حدوث نقص فعلي في المعروض، عبر ما يعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية، التي تدخل مباشرة في تسعير النفط.
وتشير تحليلات لخبراء القانون الدولي في «الجامعة الوطنية الأسترالية» (ANU) إلى أن طرح فرض رسوم عبور أو قيود تنظيمية أحادية الجانب قد يفتح الباب أمام إعادة تسعير قانوني للممرات الدولية، وهو ما قد يمتد إلى مضائق أخرى، ويغير قواعد التجارة البحرية طويلة الأجل.
في المقابل، تبقى البدائل محدودة من حيث القدرة الاستيعابية، إذ لا تستطيع خطوط الأنابيب أو المسارات البرية تعويض هذه التدفقات بالكامل، ما يجعل «هرمز» العامل الأكثر تأثيراً في تحديد سقف الأسعار العالمية للطاقة.
مع تصاعد المخاطر قرب «هرمز»، تحول جزء كبير من تدفقات النفط إلى «مضيق ملقا»، الذي أصبح يحمل الكثافة الأعلى عالمياً. وأظهرت بيانات «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» (CSIS) أن التدفقات عبره بلغت 23.2 مليون برميل يومياً في النصف الأول من 2025، أي نحو 29% من النفط المنقول بحراً.
ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل التجاري نحو آسيا، حيث تعتمد الصين بشكل كبير على هذا الممر لتأمين وارداتها من الطاقة، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير مباشر على سلاسل الإنتاج الصناعية.
غير أن قدرة المضيق على استيعاب هذا الضغط تبقى محدودة، نظراً لضيقه وارتفاع كثافة الحركة فيه، ما يرفع احتمالات الحوادث والاختناقات. كما أن تحويل السفن إلى مسارات أطول حول الجزر الإندونيسية يزيد من استهلاك الوقود ويطيل زمن الرحلات، ما ينعكس على تكاليف الإنتاج والتجارة.
وبذلك، يتحول «ملقا» من ممر بديل إلى نقطة ضغط إضافية، بدل أن يكون أداة لتخفيف الاختناقات العالمية.
يمثل محور البحر الأحمر، الممتد من «باب المندب» إلى «قناة السويس»، الرابط الأساسي بين آسيا وأوروبا، حيث تمر عبره نحو 10% من التجارة البحرية العالمية.
وعند اضطراب هذا المحور، بحسب البيانات الصادرة عن معهد «تشاتام هاوس» (Chatham House)، تضطر السفن إلى الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح، ما يضيف في المتوسط نحو 14 يوماً إلى زمن الرحلة. هذا الامتداد لا يرفع الكلفة فقط، بل يعيد تشكيل زمن التجارة، ويؤثر في كفاءة سلاسل الإمداد.
وأظهرت تقارير لوجستية أن هذا التحول يؤدي إلى اختلال في جداول التسليم، حيث تصل السفن إلى الموانئ في أوقات غير متوقعة، ما يسبب تكدس الشحنات في بعض النقاط وتأخرها في أخرى.
كما يؤدي ذلك إلى تضخم ما يُعرف بتأثير «السوط»، حيث تتضاعف الاضطرابات كلما تحركت عبر مراحل التوريد، ما يخلق نقصاً مؤقتاً في بعض الأسواق وفائضاً في أخرى، وهو ما يزيد تقلبات الأسعار.
تدفع هذه البيئة التشغيلية المعقدة الشركات إلى إعادة التفكير في نماذجها اللوجستية، حيث لم يعد الاعتماد على المسارات الأقل تكلفة كافياً لضمان استمرارية الإمدادات.
وبدلاً من ذلك، تتجه الشركات إلى تنويع طرق الشحن، وزيادة المخزون الاحتياطي، والاعتماد على أكثر من مورد، في محاولة لتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية.
غير أن هذه الاستراتيجيات ترفع التكاليف التشغيلية بشكل دائم، إذ إن استخدام مسارات أطول والاحتفاظ بمخزون أكبر يتطلب استثمارات إضافية تنعكس تدريجياً على الأسعار النهائية.
وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن هذا التحول يمثل انتقالاً فعلياً من نموذج الإمداد «في الوقت المناسب» إلى نموذج «في الوقت الآمن»، وهو نموذج أكثر مرونة لكنه أعلى كلفة.
تكشف اختناقات الممرات البحرية عن تحول هيكلي في الاقتصاد العالمي، حيث لم تعد هذه الممرات مجرد قنوات نقل، بل أصبحت عنصراً مباشراً في تحديد كلفة التجارة والطاقة.
ومع تزامن الضغوط في أكثر من نقطة اختناق، تنتقل الأسواق إلى بيئة أعلى كلفة وأكثر تعقيداً، حيث تصبح إدارة المخاطر جزءاً أساسياً من نموذج الأعمال، وليس عاملاً ثانوياً.
ولا تعكس الأزمة الحالية اضطراباً مؤقتاً، بل بداية مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة خريطة التجارة العالمية، على أساس المرونة الجغرافية بدل الكفاءة التشغيلية، وهو ما سيحدد اتجاهات الأسعار والنمو في السنوات المقبلة.