جاسم عجاقة: تحويلات المغتربين تخفف من حدة الانكماش بشكل محدود
بركات: استقرار سعر الصرف مرهون بمسار الحرب والهدنة

راجع بنك عودة توقعاته للاقتصاد اللبناني في 2026، بعدما كان يراهن في بدايات العام على نمو صفري إذا استقرت الأوضاع الأمنية.
اليوم، الصورة تبدلت بالكامل: إذا صمد وقف إطلاق النار حتى نهاية النصف الثاني من العام، يتوقع البنك انكماشاً بنسبة 5%.
أما إذا عادت الحرب واستمرت حتى نهاية السنة، فقد يصل الانكماش إلى 11%. وفي المتوسط، يدور التوقع بين 7% و8% سلباً خلال العام.
هذا ما أوضحه مروان بركات، كبير الاقتصاديين ورئيس قسم الأبحاث في بنك عودة، في حديثه لـ«إرم بزنس»، مشيراً إلى أن التراجع في التوقعات لا يرتبط فقط بالخسائر المباشرة للحرب، بل أيضاً بتداعياتها على الاستثمار والسياحة والاستهلاك، وهي قطاعات بقيت خلال السنوات الماضية من أهم محركات الاقتصاد اللبناني.
بحسب بركات، الفارق بين التوقع القديم والجديد يعود إلى انعكاسات الحرب المباشرة وغير المباشرة. فالدمار أصاب البنية التحتية والمنازل والقطاع الزراعي، فيما طالت الخسائر غير المباشرة مختلف مفاصل الاقتصاد، من خلال تأجيل مشاريع استثمارية وتعثر خطط إنشاء مصانع أو فنادق أو مشاريع جديدة، إلى جانب التراجع الواضح في الحركة السياحية نتيجة المخاوف الأمنية وتراجع حركة المطار.
ويضيف أن السيناريو الأكثر تفاؤلاً يفترض استمرار وقف إطلاق النار خلال النصف الثاني من العام، ما يقود إلى انكماش الاقتصاد بنحو 5% في 2026.
أما إذا عادت الحرب واستمرت خلال ما تبقى من السنة، فقد يتسع الانكماش إلى 11%. وفي سيناريوهاته الأساسية، يقدّر البنك الانكماش بين 7% و8%.
ويتقاطع هذا التقييم مع ما يقوله أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية جاسم عجاقة، الذي يشير إلى أن تراجع الطلب المحلي، وانخفاض الواردات خلال شهري مارس وأبريل، وبدء تسجيل عجز في المالية العامة، إلى جانب الرسوم والضرائب الجديدة، كلها عوامل عمّقت أثر الحرب على الاقتصاد.
كما يلفت إلى أن القطاعين الزراعي والصناعي كانا من أكثر القطاعات تضرراً، فيما لا تزال عودة الصادرات اللبنانية إلى الأسواق الخليجية تواجه تحديات لوجستية وتنظيمية.
ورغم التحسن النسبي الذي شهدته البلاد بعد اتفاق وقف إطلاق النار واتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، يرى بركات أن موسم الصيف لن يكون كافياً لتعويض الخسائر التي تكبدها الاقتصاد خلال النصف الأول من العام.
فالحركة السياحية تحسنت مقارنة بالأشهر السابقة، كما ارتفع عدد المغتربين الوافدين بعد الاتفاق، لكن الأرقام ما زالت دون مستويات صيف 2025، ما يعني أن الفجوة التي خلّفتها الحرب لم تُغلق بعد.
ويقول بركات إن السياحة كانت القطاع الأكثر تضرراً، بعدما انخفض عدد القادمين عبر مطار بيروت بنحو 60%.
وبما أن متوسط إنفاق كل مغترب أو سائح في لبنان يبلغ نحو ثلاثة آلاف دولار، فإن البلاد خسرت خلال فترة الحرب إيرادات سياحية تقدر بنحو 10 ملايين دولار يومياً، وهو ما انعكس على الفنادق والمطاعم والأنشطة المرتبطة بالقطاع السياحي. كما كان القطاع الزراعي من أكثر المتضررين، خصوصاً في جنوب لبنان، حيث تركزت الأضرار في مناطق الإنتاج الزراعي.
من جهته، يرى عجاقة أن التحويلات المالية للمغتربين وموسم الصيف يؤديان دور «وسادة امتصاص» تخفف من حدة الانكماش، لكنه يؤكد أن تأثيرهما يبقى محدوداً.
فالأموال التي يحولها اللبنانيون في الخارج تدعم الاستهلاك وتحسن ميزان المدفوعات، كما أن تحسن الحركة السياحية بعد رفع بعض قيود السفر إلى لبنان يمثل إشارة إيجابية، إلا أن الموسم الصيفي قصير زمنياً ولا يمكنه تعويض التراجع الكبير في النشاط الاقتصادي خلال الأشهر الأولى من العام. لذلك يعتبر أن الانكماش أصبح أمراً محسوماً، وأن دور هذه التدفقات يقتصر على تخفيف حدته لا أكثر.
ورغم الصورة القاتمة للنمو، لا يرى بنك عودة أن سعر صرف الليرة اللبنانية يواجه مخاطر فورية في السيناريو الحالي.
ويؤكد بركات أن استمرار الأوضاع الأمنية كما هي اليوم يبقي سعر الصرف مستقراً على المدى المنظور، بفضل السياسة النقدية التي ينتهجها مصرف لبنان وسيطرته على حجم الكتلة النقدية المتداولة بالليرة.
ويشير إلى أن حجم النقد الورقي المتداول بالليرة لا يتجاوز ما يعادل 700 مليون دولار، في حين يمتلك مصرف لبنان نحو 12 مليار دولار من احتياطيات العملات الأجنبية، وهو ما يمنحه قدرة على إدارة السيولة والحفاظ على الاستقرار النقدي في الظروف الحالية.
لكن بركات يربط استمرار هذا الاستقرار ببقاء الحرب ضمن حدودها الحالية. فالمخاطر، بحسب قوله، تبدأ إذا طال أمد المواجهات وامتدت إلى عام 2027، لأن ذلك سيؤدي إلى تراجع تحويلات المغتربين، وانخفاض الإيرادات السياحية، وتراجع الاستثمارات الأجنبية والصادرات، وهي المصادر الأساسية للعملات الأجنبية في الاقتصاد اللبناني. عندها قد يختل التوازن بين السيولة بالليرة والعملات الأجنبية، وهو ما قد ينعكس على استقرار سعر الصرف.
وفي الوقت نفسه، يشير عجاقة إلى أن لبنان دخل بالفعل مرحلة الركود التضخمي، حيث يتزامن انكماش النشاط الاقتصادي مع استمرار ارتفاع الأسعار.
ويعزو ذلك إلى عاملين رئيسيين: الأول خارجي يتمثل في ارتفاع تكاليف النقل والاضطرابات الجيوسياسية، والثاني داخلي مرتبط بزيادة الرسوم الجمركية والضرائب، ما أدى إلى ارتفاع كلفة الاستيراد والإنتاج، وبالتالي تراجع الطلب المحلي مع استمرار التضخم.
ورغم خفض التوقعات، يرى بنك عودة أن السيناريو ليس مغلقاً، وأن تحسين الأداء الاقتصادي يبقى ممكناً إذا شهدت مؤشرات النشاط الحقيقي تحسناً خلال الأشهر المقبلة.
ويكشف بركات أن البنك يعتمد نموذجاً للاقتصاد الكلي يراقب بصورة مستمرة مؤشرات مثل رخص البناء، وتسليمات الإسمنت، وحركة مطار بيروت، ونشاط المرافئ. وإذا أظهرت هذه المؤشرات تحسناً ملموساً، فقد يعيد البنك النظر في توقعاته للنمو خلال العام.
وفي القطاع المصرفي، يشير بركات إلى أن الودائع الجديدة ارتفعت إلى أكثر من 5.1 مليارات دولار، مع استمرار تدفقها بمعدل يقارب 120 مليون دولار شهرياً، وهو المستوى نفسه تقريباً الذي سجله القطاع خلال عام 2025.
إلا أنه يؤكد أن هذه الودائع وحدها لا تكفي لإعادة المصارف إلى دورها الطبيعي في تمويل الاقتصاد، لأن استئناف الإقراض يتطلب إقرار قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي، ومعالجة الفجوة المالية، بما يسمح بإطلاق دورة ائتمانية جديدة تعيد للمصارف دورها الأساسي في الوساطة المالية وتحفيز النمو ورفع دخل الأفراد.
وفي حال عادت الحرب، يتوقع بركات أن يكون قطاعا السياحة والزراعة الأكثر تضرراً، نظراً لاعتمادهما المباشر على الاستقرار الأمني، مع امتداد التأثير بطبيعة الحال إلى التجارة والصناعة وبقية القطاعات الاقتصادية، وإن بدرجات متفاوتة.
أما الطريق نحو التعافي الحقيقي، فلا يختصره بركات بوقف الحرب وحده. فهو يرى أن استعادة مستويات النشاط التي سبقت أزمة عام 2019 تتطلب إقرار القوانين المالية الأساسية، وفي مقدمتها قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي وقانون معالجة الفجوة المالية، إلى جانب التوصل إلى اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي.
ويؤكد أن الدول والمؤسسات المانحة تربط أي برنامج واسع لدعم لبنان بوجود هذا الاتفاق، الذي يمكن أن يتيح تمويلاً مباشراً من الصندوق يتراوح بين 4 و5 مليارات دولار، إضافة إلى أكثر من 10 مليارات دولار من الدول المانحة، بما يوفر نحو 15 مليار دولار قادرة على دعم التعافي الاقتصادي وتحسين الأوضاع المعيشية والاجتماعية تدريجياً.
ويتفق عجاقة مع هذه الرؤية، مؤكداً أن وقف الحرب يبقى الشرط الأول لأي تعافٍ اقتصادي، لكنه لا يكفي بمفرده.
فاستعادة النمو، بحسب قوله، تتطلب تنفيذ إصلاحات هيكلية، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، والخروج من الاقتصاد النقدي، إلى جانب توفير بيئة آمنة تجذب الاستثمارات وتمويل إعادة الإعمار.
ويشدد على أن غياب هذه الإصلاحات سيبقي الاقتصاد اللبناني في دائرة الانكماش، حتى وإن تحسنت الظروف الأمنية مؤقتاً.