logo
اقتصاد

العجز التجاري في لبنان.. كيف يمكن تقليص فجوة الـ17 مليار دولار؟

العجز التجاري في لبنان.. كيف يمكن تقليص فجوة الـ17 مليار دولار؟
منظر عام يظهر الميناء البحري اللبناني في العاصمة بيروت، يوم 1 نوفمبر 2023.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

مع اتساع العجز التجاري في لبنان إلى أكثر من 17 مليار دولار خلال عام 2025، يعود أحد أعمق الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد اللبناني إلى الواجهة، في ظل استمرار ضعف الإنتاج المحلي واعتماد البلاد الكبير على الاستيراد، مقابل محدودية القدرة على تعزيز الصادرات.

هذه الأرقام تطرح سؤالاً اقتصادياً يتجاوز قيمة العجز نفسها: هل يملك لبنان الأدوات الكفيلة بتقليص فجوته التجارية، أم أن استمرار الأزمات الاقتصادية والمالية، إلى جانب احتمالات تشديد العقوبات الأميركية على حزب الله، سيجعل خفض العجز هدفًا أكثر صعوبة خلال المرحلة المقبلة؟ فبينما يرى خبراء اقتصاد تحدثوا لـ«إرم بزنس» أن زيادة الصادرات وإنشاء مناطق حرة وإعادة تنشيط التمويل تمثل ركائز أساسية لمعالجة الخلل، فإن تحقيق ذلك يبقى مرهوناً بقدرة الاقتصاد على استعادة الإنتاج وجذب الاستثمارات.

أخبار ذات صلة

صور لافتات أمام مصرف لبنان في بيروت، لبنان، يوم 19 يناير 2024.

هل يعرقل صندوق النقد إصلاح المصارف في لبنان أم يفرض شروط التعافي؟

أرقام الجمارك تكشف حجم العجز التجاري في لبنان العام 2025

ووفق إحصاءات إدارة الجمارك اللبنانية، فإن قيمة فاتورة الاستيراد، في 2025، بلغت 21.076 مليار دولار، في حين بلغت قيمة فاتورة التصدير 3.640 مليار دولار، أي بعجز تجاري كبير بلغ 17.436 مليار دولار.

وارتفعت قيمة فاتورة الاستيراد، في 2025، نحو 25% عن العام 2024، وتعد الأعلى منذ العام 2013.

فيما تُظهر بيانات إدارة الجمارك اللبنانية استمرار العجز التجاري، في 2026، إذ بلغت قيمة الواردات نحو 5.38 مليار دولار خلال الربع الأول من العام 2026، مقابل صادرات لم تتجاوز 630.7 مليون دولار، ما أدى إلى عجز بلغ 4.7 مليار دولار خلال فترة قصيرة، وبذلك، لم تغطِّ الصادرات سوى 11.7% من قيمة الواردات، فيما استورد لبنان ما يعادل 8.5 أضعاف ما صدّره، خلال الأشهر الثلاثة الأولى، من العام، ما يعكس استمرار اختلال الميزان التجاري بشكل حاد، بحسب إعلام محلي.

وزير الصناعة: لبنان يسجل أعلى عجز تجاري هيكلي عالمياً

في 24 يونيو الجاري، أكد وزير الصناعة اللبناني جو عيسى الخوري في مؤتمر صحفي أن لبنان يسجل أعلى عجز تجاري هيكلي في العالم بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي، بمعدل 34.5% سنوياً، بينما لا تتجاوز هذه النسبة في أميركا ما بين 3% و6%.

وأشار إلى أن لبنان استورد ما قيمته 21 مليار دولار، مقابل صادرات لا تتجاوز 3.5 مليارات دولار، وهو ما خلق عجزا بقيمة 17 ملياراً دولار يجبر الدولة على الاستدانة عبر سندات اليوروبوندز لتغطية فجوة ميزان المدفوعات.

وأكد وزير الصناعة اللبناني أن الحل الجذري للأزمة المالية في البلاد يكمن في تقليل الاستيراد عبر تحفيز الصناعة المحلية، وفتح أسواق تصديرية جديدة للمنتج اللبناني، مشدداً على أن دور الدولة يجب أن يقتصر على وضع القواعد، وتأمين البنية التحتية، ومكافحة الإغراق، من دون أن تكون بديلاً عن القطاع الخاص في الابتكار والاستثمار.

وفي تصريحات سابقة، توقع وزير المالية اللبناني ياسين جابر أن الاقتصاد قد ينكمش بين 7 و10% في 2026 بسبب الحرب، مع احتمال وصول الأضرار إلى 20 مليار دولار.

مدينة جونيه إحدى أشهر المدن الساحلية في لبنان، 29 يناير 2025.
مدينة جونيه إحدى أشهر المدن الساحلية في لبنان، 29 يناير 2025.المصدر: شاترستوك

أسباب تفاقم العجز التجاري وفق خبراء الاقتصاد

من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي وخبير المخاطر المصرفية في لبنان، محمد فحيلي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن المعادلة الاقتصادية واضحة تماماً، إذ إن ارتفاع الصادرات يؤدي بالضرورة إلى انخفاض العجز التجاري، شريطة ألا يرتفع مستوى الاستيراد بالنسبة نفسها أو بنسبة أكبر، موضحاً أن جولات الحرب المتكررة التي يعاني منها لبنان منذ  2023، أدت إلى تضرر الاقتصاد الوطني بشكل كبير جدا، وتسببت بتوقف الكثير من المؤسسات عن الإنتاج، مما عززت أسباب تفاقم العجز التجاري.

ونتيجة لانكماش الإنتاج الوطني، اضطر لبنان إلى التعويض عن هذا النقص عبر زيادة عمليات الاستيراد، حيث ارتفع مستوى الاستيراد في لبنان بشكل ملحوظ عما كان عليه في السابق لتلبية احتياجات السوق، مقابل تراجع التصدير فصعد العجز التجاري لما نراه حالياً، خاصة مع الحظر السعودي للصادرات اللبنانية من 2021 لمدة 5 سنوات، وفق فحيلي.

وبدأ الحظر السعودي، العام 2021، على الصادرات اللبنانية التي سجلت، العام 2020، نحو 240 مليون دولار مع إحباط تهريب مخدر الكبتاغون، مما زاد ذلك من الضغط على الاقتصاد اللبناني المنهار، الذي كان يعاني أصلاً أزمة مالية حادة العام 2019.

ومنتقلاً من الأسباب للحلول وكيفية تقليص فجوة الـ17 مليار دولار في العجز التجاري، أوضح الباحث الاقتصادي وخبير المخاطر المصرفية في لبنان، محمد فحيلي، أن الانفراجات التي طرأت، مؤخراً، بفضل قرار السعودية، ستنعكس إيجابا على الميزان التجاري اللبناني، والمنتجات الزراعية في لبنان ستكون المستفيد الأكبر من هذه الخطوة، بالإضافة إلى الصناعات المحلية التي ستجد أسواقاً حيوية لمنتجاتها.

عودة الصادرات اللبنانية إلى السوق السعودي

في 20 يونيو الجاري، أفادت قناة الإخبارية السعودية الرسمية، بانطلاق أول شحنة تصديرية من مرفأ بيروت إلى ميناء جدة تنفيذاً لتوجيه صادر، في 10 يونيو الجاري، من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان باستئناف صادرات لبنان إلى المملكة.

وقال رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام في كلمة بمرفأ بيروت: «عودة صادرات لبنان للسوق السعودي لا ينعش قطاعاً واحداً فحسب، بل يحرّك سلسلةً اقتصادية كاملة. كما أنه يساهم في خلق فرص عمل، ويؤمّن تدفّق العملات الصعبة، ويساعد في تحريك عجلة اقتصاده، وتعزيز قدرات قطاعاته الإنتاجية».

وبخلاف زيادة الصادرات المتوقع كمسار لعلاج العجز التجاري، أشار فحيلي إلى أهمية الاستفادة من إنشاء مناطق التجارة الحرة في لبنان لدعم قطاع الصادرات بشكل مباشر، بخلاف وجوب التزام لبنان بتنفيذ كافة المتطلبات التي حددتها مجموعة العمل المالي للخروج من اللائحة الرمادية» وشطب لبنان من قائمة الدول عالية المخاطر».

ولكن أمام هذا المسار تحد محتمل، وفق فحيلي، معتقداً أن أي اتفاق نهائي محتمل بين إيران والولايات المتحدة يؤدي إلى الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، مما قد يدفع بوزارة الخزانة الأميركية إلى تشديد العقوبات والرقابة على لبنان، وذلك خشية أن تجد بعض هذه الأموال المفرج عنها طريقاً إلى حزب الله، مما ستكون له انعكاسات سلبية للغاية على الاقتصاد الوطني، وعلى أي فرص لتحقيق انفراجة أو خفض للعجز التجاري. 

أخبار ذات صلة

رافعات الحاويات في مرفأ بيروت، لبنان، سبتمبر 2018

إعادة التصدير للسعودية.. لبنان إلى انتعاشة دولارية تخفف خسائر الاقتصاد

سبل الخروج من العجز التجاري

وفي أبريل 2025، كشفت إحصاءات دليل الصادرات والمؤسسات الصناعية اللبنانية أن عجز الميزان التجاري للبنان مع 21 دولة عربية بلغ نحو 8.725 مليار دولار خلال الفترة الممتدة من عام 2016 وحتى 25 مارس 2025، حيث بلغت قيمة الواردات 21.914 مليار دولار مقابل صادرات بلغت 13.188 مليار دولار.

ويشير الباحث والخبير الاقتصادي ومدير المعهد اللبناني لدراسات السوق، باتريك ماردينين، في حديث لـ«إرم بزنس»، إلى أن «العجز في الميزان التجاري في لبنان، رغم كونه كبيراً نسبياً، إلا أنه يتسم بالاستقرار، وبالرغم من الأزمات المتلاحقة التي عصفت بلبنان، لا سيما الأزمة التي بدأت في أواخر العام 2019، فإن حجم عجز الميزان التجاري لم يشهد تغيراً كبيراً».

ولفت إلى أن «عجز الميزان التجاري في حقيقته لا يمثل مشكلة كبيرة، شريطة أن يكون هذا العجز ممولاً»، موضحاً أنه «في ظل الاقتصاد المفتوح الذي يتميز به لبنان، فإن تحويلات المغتربين وقطاع السياحة يمثلان المصدرين الأساسين اللذين يسمحان بدخول العملة الصعبة إلى البلاد، مما يتيح تمويل عجز الميزان التجاري».

حلول مقترحة لخفض كلفة الإنتاج وتنشيط الصادرات

وعن سبل مواجهة ذلك العجز التجاري، يرى الخبير الاقتصادي ومدير المعهد اللبناني لدراسات السوق، باتريك ماردينين، أن «عودة الصادرات اللبنانية إلى أسواق الخليج تسمح بعودة جزء من النمو الاقتصادي، لا سيما في القطاعات المصدرة في لبنان، خاصة تصدير الفواكه والخضار، ومنتجات الصناعات الغذائية، والمجوهرات، والبلاستيك وغيرها، بجانب أهمية «إعادة التمويل حيث إنه في ظل توقف القطاع المصرفي اللبناني عن العمل حالياً، تعجز كافة القطاعات القادرة على التصدير أو الإنتاج للسوق المحلي عن الحصول على التمويل اللازم لتوسيع أنشطتها، أو جذب شركات جديدة، أو الاستثمار في المصانع، أو زيادة عدد الموظفين».

وإلى جانب زيادة الصادرات، وتوسيع التمويل المصرفي، يجب العمل على خفض الكلفة التشغيلية في البلاد، وأسعار الكهرباء، وتحسين خدمات الإنترنت، والعمل على خفض كلفة الطيران من وإلى لبنان لتنشيط قطاع السياحة، بحسب ماردينين، مؤكداً أن الحكومة الحالية تعمل جهودا «جبارة» لخفض العجز التجاري، أولها بشان الأزمة المصرفية عبر محاولات لتمرير القوانين التي تسمح بمعالجة الأزمة وإعادة إطلاق حركة القروض في البلاد، مع اهتمامات بقطاعي الكهرباء والاتصالات والطيران، مما يمكن لبنان من إعادة إنعاش الحركة الاقتصادية، وإعادة الحياة إلى القطاعات المنتجة القادرة على التصدير، وتلبية احتياجات السوق المحلي، ومواجهة العجز التجاري بشكل فعال.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف