
رغم التزام الولايات المتحدة في مذكرة التفاهم الموقعة مع إيران الأسبوع الماضي برفع العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، يرى خبراء قانونيون أن طهران قد لا تتمكن من الاستفادة الفعلية من عشرات المليارات من الدولارات المحتجزة في الخارج خلال المدى القريب.
تأتي هذه التوقعات في ظل تعقيدات مصرفية وتشريعية متشابكة واستمرار حالة الحذر التي تتبناها المؤسسات المالية الدولية تجاه أي تعاملات قد تثير مخاطر الامتثال للعقوبات الأميركية.
تنص مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية على مهلة تمتد 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق سلام نهائي بين الجانبين، كما تتضمن التزاماً أميركياً برفع العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، في خطوة ينظر إليها باعتبارها اختباراً لقدرة الطرفين على ترجمة التفاهمات السياسية إلى آليات مالية وتجارية قابلة للتنفيذ.
ونقل موقع AGBI عن ثلاثة محامين متخصصين في العقوبات الأميركية أن تحرير هذه الأصول قد يستغرق أشهراً عدة حتى في حال صدور الموافقات الرسمية من واشنطن، نظراً للتعقيدات التنظيمية والمصرفية المرتبطة بإعادة دمج الأموال الإيرانية في النظام المالي العالمي.
بحسب تقديرات نشرتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تمتلك إيران نحو 37 مليار دولار من الأصول المجمدة أو المقيدة في عدد من الدول، من بينها قطر واليابان والعراق، إضافة إلى ما يتراوح بين 20 و50 مليار دولار أخرى في الصين، وهي أموال تراكمت من عائدات صادرات الطاقة والكهرباء.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لوسائل إعلام محلية الأحد أن نحو 6 مليارات دولار من الأصول الإيرانية المجمدة في قطر سيتم الإفراج عنها بموجب مذكرة التفاهم.
في المقابل، أوضح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، الاثنين، أن أي أموال تسمح وزارة الخزانة الأميركية بالإفراج عنها ستوضع في حسابات ضمان خاضعة للرقابة الأميركية، على أن تُخصص حصراً لتمويل مشتريات الغذاء والدواء والإمدادات الطبية من الولايات المتحدة.
قال جيريمي بانر، الشريك في شركة «هيوز هوبارد» (Hughes Hubbard) والمتخصص في العقوبات الأميركية، إن قدرة إيران على الوصول إلى هذه الأموال ترتبط بمكان الاحتفاظ بها وطبيعة القيود التنظيمية والقانونية المفروضة عليها.
وأوضح أن هناك فرقاً جوهرياً بين الأموال المحجوبة بموجب العقوبات الأميركية والأموال المودعة في حسابات مصرفية أجنبية قامت المؤسسات المالية بتقييدها بصورة طوعية خشية التعرض لإجراءات عقابية أميركية.
وأشار إلى أن جانباً من هذه الأموال لا يخضع لتجميد قانوني مباشر، لكنه أصبح خارج الدورة الاقتصادية نتيجة تحفظ البنوك على إعادة تنشيطه في ظل المخاطر المرتبطة بالعقوبات.
وأضاف بانر أن عملية تحرير الأصول لن تقتصر على قرار سياسي، بل ستتطلب مساراً فنياً وتنظيمياً معقداً يشمل مراجعات قانونية ومصرفية تفصيلية قبل الشروع بأي إجراءات تنفيذية.
ورجح أن تستغرق هذه العملية ما يصل إلى ستة أشهر حتى في حال تنفيذها بصورة حذرة، لافتاً إلى أن التفاصيل التنفيذية الخاصة بالعقوبات وآليات رفعها لم تُحسم بعد بشكل كامل.
من جانبه، قال تايلر كوليس، المحامي الرئيسي في «فيراري آند أسوشيتس» (Ferrari & Associates)، إن إقناع البنوك الدولية بعدم تعرضها لمخاطر قانونية أو تنظيمية جراء إعادة تفعيل الحسابات الإيرانية ظل دائماً من أكثر التحديات تعقيداً خلال فترات الانفراج السابقة بين واشنطن وطهران.
وأضاف أن قرار إدارة ترامب الأولى تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية زاد من حساسية الملف، نظراً للآثار القانونية العابرة للحدود التي ترتبت على هذا التصنيف.
وأوضح أن أي شخص أجنبي قد يواجه مساءلات قانونية داخل الولايات المتحدة إذا اعتُبر أنه قدم دعماً أو تسهيلاً لكيانات مرتبطة بالحرس الثوري.
وأشار إلى أن البنوك تجد صعوبة في تتبع أوجه استخدام الأموال بعد تحويلها إلى إيران، كما أن السلطات الإيرانية ليست ملزمة بالكشف عن كيفية توظيف هذه الموارد، ما يرفع من مستوى المخاطر المرتبطة بالامتثال والرقابة.
ورجح أن تكون الأصول الإيرانية المحتفظ بها في قطر من بين أولى الأموال المرشحة للإفراج عنها، نظراً لوجود ترتيبات رقابية أكثر وضوحاً مقارنة ببعض الولايات القضائية الأخرى.
بدوره، قال فرهاد علوي، الشريك الإداري ورئيس قسم الأمن القومي والامتثال التجاري في مجموعة «أكريفيس» (Akrivis) القانونية، إن الولايات المتحدة ستضطر على الأرجح إلى إصدار إعفاءات رسمية تطمئن المؤسسات المالية إلى أنها لن تواجه عقوبات نتيجة إعادة تنشيط الحسابات الإيرانية المجمدة.
وأشار التقرير إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في الإفراج عن الأموال بصورة تدريجية، بحيث تتم إعادة تفعيل الأصول على مراحل متتابعة بدلاً من إتاحتها دفعة واحدة.
وأوضح بانر أن الجزء الأكبر من هذه الأموال سيُوجَّه على الأرجح لتمويل مشتريات إنسانية تشمل الغذاء والأدوية والمعدات الطبية، بدلاً من السماح بتحويلها بحرية إلى داخل الاقتصاد الإيراني.
وأضاف أن عملية الإفراج ستكون مجزأة على أساس كل معاملة وكل مؤسسة مالية على حدة، ما يجعل وتيرة الاستفادة منها بطيئة من منظور طهران.
رغم ذلك، يرى الخبراء أن حصر استخدام هذه الأموال في المشتريات الإنسانية فقط قد يطرح تحديات عملية، بالنظر إلى الحجم الكبير للأصول المجمدة.
في هذا السياق، أشار بانر إلى إمكانية توظيف جزء من هذه الموارد في مشاريع بنية تحتية واسعة النطاق، مثل المستشفيات أو محطات معالجة المياه، من خلال التعاقد مع شركات وشراء المواد الخام من الدول التي تحتفظ بالأصول الإيرانية.
وقال علوي إنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هناك آليات مالية فعالة تتيح إعادة هذه الأموال إلى الداخل الإيراني حتى في حال السماح بذلك، خاصة أن إيران لا تزال إلى حد كبير خارج نطاق نظام «سويفت» (SWIFT) العالمي للمدفوعات.
وأضاف أن أي ترتيبات مالية مستقبلية ستستلزم عمليات مقاصة معقدة وإجراءات تدقيق ورقابة أميركية واسعة النطاق، مستبعداً حدوث إفراج كامل وغير مشروط عن هذه الأموال.
يرى علوي أن التحديات اللوجستية لا تقل أهمية عن العقبات القانونية، حتى في حال سارعت الولايات المتحدة إلى إصدار تراخيص تسمح باستيراد وتصدير السلع مع إيران.
وأوضح أن الشركات الأميركية الراغبة في الدخول في صفقات تصدير واسعة النطاق ستسعى للحصول على ضمانات واضحة بشأن الجهات المستفيدة من هذه السلع وآليات نقلها وامتثالها للمتطلبات التنظيمية.
وأشار إلى أن مهلة الستين يوماً المنصوص عليها في مذكرة التفاهم تبقى قصيرة للغاية بالنسبة للشركات الدولية الكبرى لاتخاذ قرارات تجارية أو استثمارية طويلة الأجل، خاصة في ظل احتمالات تعديل الإعفاءات أو عدم تمديدها مستقبلاً.
وحذر من أن المؤسسات العالمية الكبرى غالباً ما تتبنى معايير امتثال أكثر تشدداً من الحدود التي تسمح بها الحكومات، وهو ما قد يؤخر استفادة إيران من أي تخفيف للعقوبات حتى في حال دخول الاتفاق حيز التنفيذ.