
خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، وتحديداً يوم 28 مايو، استهدفت ضربة إسرائيلية ضاحية بيروت الجنوبية للمرة الأولى منذ أسابيع، بعدما كانت إسرائيل قد أعلنت في اليوم الذي سبقه أن منطقة واسعة جنوب نهر الزهراني تمتدّ على نحو ألفي كيلومتر مربع، أصبحت «منطقة قتال»، في ظل تقارير تشير إلى ارتفاع عدد النازحين إلى أكثر من 1.2 مليون نازح منذ بدء التصعيد في مارس.
يأتي هذا التطوّر قبل موسم الصيف مباشرة، وهو يعتبر في العادة الفترة الأهم للاقتصاد اللبناني، حيث يعود المغتربون وترتفع حجوزات الفنادق، ويزداد الإنفاق في المطاعم، كما تكون هناك تحويلات أكبر للأسر من أبنائها العاملين في الخارج. كل ذلك بات مهدداً اليوم، في وقت يقول وزير المالية ياسين جابر إنّ الاقتصاد قد ينكمش بين 7 و10% في 2026 بسبب الحرب، مع احتمال وصول الأضرار إلى 20 مليار دولار.
كان لبنان قد سجّل نمواً حقيقياً بنحو 3.5% في 2025 وفق «البنك الدولي»، مدفوعاً بعودة جزئية للسياحة وتحسّن الاستهلاك بفضل التحويلات وزيادة «دولرة» الأجور. لكنّ البنك نفسه وصف هذا التعافي بأنّه «هشّ»، وخفّض تقديره بسبب موسم سياحي أضعف من المتوقع.
لقد قلبت الحرب المعادلة، فبدلاً من البناء على هذا النموّ المتواضع، بات المطلوب الآن احتواء انكماش قد يصل إلى 10%. والفارق بين نمو متوقّع وانكماش بهذا الحجم ليس فجوة إحصائية فقط، بل يعني موسماً سياحياً أضعف، ووظائف أقل، ودولارات أقل تدخل الاقتصاد.
في بلد شديد «الدولرة» منذ أزمة 2019، يعتمد الاستقرار اليومي على مصادر خارجية للدولار. وفي هذا السياق تضع أحدث بيانات للبنك الدولي التحويلات الشخصية عند نحو 33.3% من الناتج المحلي في 2023، وهي نسبة تكشف مدى ارتباط ميزانيات الأسر بالدخل القادم من الخارج.
وزير المالية كان أشار أيضاً في أحدث تصريحاته إلى القلق من تراجع التحويلات القادمة من الدول الخليجية تحديداً. فإذا تعرّض العاملون اللبنانيون في دول الخليج لضغط دخل بسبب الحرب الإقليمية، فإن الأثر يظهر مباشرة لدى الأسر: إيجارات، أقساط تعليم، طبابة، واستهلاك غذائي.
يُذكر أن مصرف لبنان يعتمد منذ عام 2024 سعر منصّة رسمياً عند 89,500 ليرة للدولار. لكن هذا الاستقرار يحتاج إلى استمرار تدفق الدولار. وإذا تراجعت السياحة والتحويلات معاً وزادت تكلفة النزوح والإنفاق الطارئ، تصبح المحافظة على سعر الصرف أكثر صعوبة، حتى لو بقي الرقم الرسمي ثابتاً.
يؤكد جاسم عجاقة، أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية هذا الأمر بالقول في اتصال مع «إرم بزنس»، إن المحافظة على استقرار مستدام للعملة «سيكون صعباً إذا تراجعت التحويلات والإيرادات السياحية، لأن الاستقرار الحالي يستند إلى تدفقات الدولار القادمة من الخارج».
ويضيف أن أي انخفاض في هذه التدفقات سيؤدي إلى ضغوط على ميزان المدفوعات وارتفاع الطلب على الدولار، خصوصاً أن الجزء الأكبر من الاستهلاك في لبنان يعتمد على السلع المستوردة، وكذلك، فإن مصرف لبنان يعتمد حالياً على تدفقات العملات الأجنبية لامتصاص السيولة بالليرة والمحافظة على التوازن النقدي، وبالتالي فإن «تراجع هذه التدفقات قد يضعه أمام خيارين صعبين: إما استخدام الاحتياطات للتدخل في السوق، أو ترك السوق يواجه نقصاً في الدولار وما يرافقه من ضغوط على سعر الصرف والنشاط الاقتصادي».
بحسب عجاقة، فإن أي استقرار طويل الأمد لليرة يتطلب إصلاحات اقتصادية ومالية شاملة، تشمل إعادة هيكلة القطاع المصرفي ومعالجة الفجوة المالية، «لأن قوة العملة تبقى مرتبطة بقدرة الاقتصاد على توليد النمو والثروة».
لا تعتبر السياحة في لبنان قطاعاً فاخراً منفصلاً عن بقية الاقتصاد. صحيح أنها من أسرع القنوات التي تُدخل الدولار النقدي، إلا أنه حين تتراجع الحجوزات أو تصبح أكثر حذراً، لا تتأثّر الفنادق وحدها، بل تتأثر فئات واسعة من اللبنانيين، بدءاً من سائق التاكسي، والمطاعم، ومحلّات التجزئة، ومورّدي الغذاء، وصولاً إلى العمالة الموسمية التي تعيش على دخل الصيف.
أما التحويلات من جهة أخرى، فهي لا تمثّل فقط دخلاً إضافياً بالنسبة إلى الكثير من الأسر اللبنانية، بل هي بديل جزئي عن نظام مصرفي لا يزال متعثراً، وعن أجور محلية فقدت كثيراً من قيمتها. وبالتالي، فإن تراجع التحويلات يظهر فوراً في الإنفاق الشهري على الأساسيات.
وعلى صعيد سوق العمل، فإنّ انكماشاً بهذا الحجم يعني قرارات دفاعية من الشركات، تبدأ بتقليل ساعات العمل، ولا تنتهي بتأجيل التوظيف، وخفض الدوام، أو دفع جزء أكبر من الأجور بالليرة في اقتصاد يسعّر كل شيء بالدولار. والقطاعات الأكثر تعرّضاً ستكون من دون شك، المطاعم والفنادق والنقل والتجزئة.
وفي ظل الأوضاع القائمة، يجد المواطن اللبناني نفسه أمام أزمة اقتصادية ومعيشية متفاقمة بسبب مجموعة من العوامل المتداخلة، بحسب كاسترو عبدالله، رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان، في مقدمتها تداعيات الحرب الإسرائيلية المستمرة وما تسببت به من أضرار للبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، بما يشمل الزراعة والصناعة والتجارة والنقل والسياحة.
يقول عبدالله لـ«إرم بزنس» إن لبنان يعاني أساساً من أزمة مالية ونقدية مستمرة منذ عام 2019، تفاقمت بعد تجميد ودائع المواطنين والمؤسسات في المصارف، ما أدى إلى استنزاف القدرات المالية للأسر والشركات والنقابات والهيئات المهنية. ويضيف أن تراجع الإيرادات السياحية شكّل ضربة إضافية للاقتصاد اللبناني، في وقت كانت السياحة تمثل أحد أهم مصادر تدفق العملات الأجنبية إلى البلاد، لافتاً إلى أن الأوضاع الأمنية وعدم الاستقرار أثّرا بشكل مباشر على حركة الزوار والاستثمارات والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بهذا القطاع.
مع استمرار الحرب الدائرة اليوم، فإن خسائر لبنان لا تقتصر على الموسم السياحي وحده. وأكثر ما يجعل هذه الفترة حرجة، هي أنّ الحرب تضرب في وقت كان فيه مسار الإصلاح قد بدأ يتشكّل بصعوبة.
ذكر «صندوق النقد الدولي» في فبراير الماضي أن لبنان أظهر بعض المتانة بفضل السياحة التي يقودها المغتربون، لكنه شدّد على أن استعادة النمو المستدام تحتاج إلى إصلاحات شاملة، خصوصاً إعادة هيكلة القطاع المصرفي وإعادة هيكلة الدين السيادي. غير أن الحرب تجعل هذه المعادلة أكثر صعوبة، خصوصاً أنها تؤدي إلى زيادة الإنفاق الطارئ، وخفض الإيرادات، كما أنها تضعف السياحة، وتزيد الاعتماد على المنح والقروض.
وقد خصّصت الحكومة 50 مليون دولار من الأموال العامة لمساعدة أكثر من مليون نازح، لكن وزير المالية يقول إن الدعم الإنساني لا يغطّي كامل الاحتياجات. وبالتالي، فإن لبنان في ظل هذه الظروف لا يخسر موسم تعافٍ فقط، بل قد يخسر نافذة إصلاح كانت قد بدأت تتشكّل.
في هذا السياق، يقول عجاقة إن تراجع تحويلات المغتربين يعتبر الخطر الأكبر بالنسبة إلى الأسر اللبنانية، وتأثيره يفوق تراجع الإيرادات السياحية، لأن التحويلات تمثل شبكة الأمان الاجتماعية الأساسية لعدد كبير من العائلات، وتذهب مباشرة إلى الاستهلاك وتأمين الاحتياجات المعيشية اليومية. ويوضح أن التحويلات، التي تتراوح بين 6 و7 مليارات دولار سنوياً، تتمتع بطابع أكثر استدامة من الإيرادات السياحية التي ترتبط بمواسم محددة خلال الصيف والأعياد، مشيراً إلى أن السياحة تحرك الدورة الاقتصادية عبر الإنفاق في الفنادق والمطاعم والخدمات، بينما تمثل التحويلات مورداً حيوياً تعتمد عليه الأسر بشكل مباشر.
رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين يحذّر بدوره من تداعيات تراجع تحويلات المغتربين، التي تعتمد عليها شريحة واسعة من الأسر اللبنانية لتغطية نفقات المعيشة والتعليم والرعاية الصحية، موضحاً أن هذه التحويلات تشكل مصدر دخل أساسياً للفئات الأكثر هشاشة، ولا سيما كبار السن والعائلات محدودة الدخل. وقد أسهمت الضغوط الاقتصادية العالمية وتباطؤ بعض أسواق العمل التي تستقطب اللبنانيين في الخارج، في التأثير على حجم التحويلات، ما انعكس سلباً على القدرة الشرائية للأسر وعلى الدورة الاقتصادية المحلية.
ما سيحدث خلال الأسابيع المقبلة سيكشف ما إذا كان لبنان يمرّ بتباطؤ مؤقت أم بخسارة موسم كامل. فتراجع حجوزات الصيف أو تحوّلها إلى حجوزات قصيرة ومتأخّرة، سيكون أوّل إشارة على حجم الأثر السياحي.
في المقابل، أيّ مؤشّرات على تباطؤ التحويلات من الخليج ستعني ضغطاً مزدوجاً على الأسر وعلى عرض الدولار في السوق.
ويبقى سعر الصرف النقدي هو المرآة الأكثر صدقاً. فإذا ظهرت علاوة خوف جديدة، يعني ذلك أنّ الثقة بدأت تتآكل. أما حركة المطاعم والفنادق وقرارات التوظيف الموسمي، فستُظهر ما إذا كان القطاع الخاص قد بدأ يتصرّف على أساس الأزمة.
إضافة إلى ذلك، فإن مسار المفاوضات مع «صندوق النقد الدولي» من شأنه أن يحدّد ما إذا كانت الإصلاحات ستتسارع تحت الضغط أم ستتأجّل بسبب الحرب، علماً أن تكلفة أي من الاحتمالين ستكون عالية. فوجود لبنان أمام انكماش بين 7% و10% لا يعني خسارة رقم في الناتج المحلي فحسب، بل خسارة الموسم الذي كان يُفترض أن يعيد جزءاً من الثقة إلى اقتصاد لم يتعافَ بعد.