logo
اقتصاد

كيف يستفيد الاقتصاد الفلسطيني من موجة الاعترافات الدولية؟

بريطانيا وفرنسا وكندا تنضم إلى قائمة الدول التي اعترفت بدولة فلسطين

كيف يستفيد الاقتصاد الفلسطيني من موجة الاعترافات الدولية؟
رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، يظهر على شاشة وهو يتحدث عن بُعد خلال قمة الأمم المتحدة حول فلسطين في مقر الأمم المتحدة خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، 22 سبتمبر 2025. المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

مع تسارع وتيرة الاعترافات الدولية الرسمية، بدولة فلسطين، لا يقتصر الصدى على الجانب السياسي فقط، بل يمتد ليحرك الآمال في اقتصاد مثقل بالحروب والحصار، باحثاً عن دفعة تعيد الثقة بالاستثمار والإعمار.

ويرى خبراء الاقتصاد الدولي والمتخصص في الشأن الفلسطيني، في أحاديث لـ«إرم بزنس»، أن تلك الاعترافات ستشكل دفعة مالية مهمة للغاية لاقتصاد مأزوم وتحت القصف المستمر منذ حرب غزة.

وتوقع الخبراء على المدى المتوسط وليس القريب تدفق استثمارات وتغير نظرة المؤسسات الدولية بشكل إيجابي لزيادة التمويلات والمنح حال وقفت حرب غزة وجرت تفاهمات مع إسرائيل بشأن المعابر وإصلاحات فلسطينية اقتصادية وحوكمة حقيقية.

والأحد والاثنين، اعترفت كل من أستراليا وبلجيكا وكندا ولوكسمبورغ ومالطا والبرتغال والمملكة المتحدة والدنمارك وأندورا وموناكو وسان مارينو، إلى جانب فرنسا، رسمياً بدولة فلسطين، لترتفع بذلك حصيلة الدول التي اتخذت هذه الخطوة إلى أكثر من 160 دولة من أصل 193 عضواً في الأمم المتحدة، وسط ترحيب من الرئيس الفلسطيني محمود عباس وإعلانه المضي قدماً نحو المزيد من الإصلاحات الاقتصادية لاسيما في الحوكمة.

وفي مارس الماضي اعتمد، عباس الموازنة العامة لعام 2025 بعجز مالي يقترب من 7 مليارات شيكل (1.9 مليار دولار)، بينما تراجعت المنح المقدمة لفلسطين بشكل ملحوظ خلال السنوات الماضية لتشكل نحو 5% فقط من إجمالي إيرادات السلطة، بعد أن كانت تتراوح بين 40% و50% قبل عام 2000، وفق تقديرات غير رسمية.

أخبار ذات صلة

فلسطينيون أمام محلات تجارية في مدينة رام الله بالضفة الغربية – 14 مايو 2020.

وزير الاقتصاد الفلسطيني لـ«إرم بزنس»: نواجه عجزاً بـ1.3 مليار دولار

دفعة مالية

ويرى أستاذ الاقتصاد الدولي والمتخصص في الشأن الفلسطيني، وائل كريم، في حديث لـ«إرم بزنس» أن تلك الاعترافات تشكل دفعة مالية للاقتصاد الفلسطيني المأزوم القائم على ثقة شخصية ومساعدات لا استثمارات، موضحاً أن الاعترافات بدولة فلسطينية مهم اقتصادياً، وتجعلنا نتحدث عن إمكانية لجذب استثمارات.

وتلك الدفعة المالية المنتظر أن تدعم الاقتصاد الفلسطيني قريباً، يتوقف حدوثها بحسب كريم، على وقف حرب غزة، متوقعاً أن البنك الدولي وجميع المؤسسات الدولية وصناديق الاستثمار ستتعامل مع فلسطين بشكل مختلف إيجابي.

ويرى الخبير الاقتصادي الفلسطيني، أنه بعد توقف الحرب سيكون هناك إعادة إعمار لقطاع غزة، وفي ضوء الاعترافات بدولة فلسطين ستتعاظم الاستثمارات ولن تكون بسيطة كما كانت سابقاً، وستكون هناك حركة تجارية مهمة جداً.

الفرص والتحديات

ويرى أستاذ الاقتصاد الدولي الدكتور عامر الشوبكي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن الاعترافات الدولية بدولة فلسطين ترفع الثقة وتعطي دفعة ربما اقتصادية ولكن لا تعني بالضرورة تدفق أموال مباشرة، لافتاً إلى أن الاقتصاد الفلسطيني مأزوم وانكمش الناتج المحلي أكثر من 27% في عامي 2024- 2025 وفي غزة انكمش أكثر من 90% والضفة 17%.

وأضاف الشوبكي: «هذه الأرقام تفسر لماذا أي دعم جديد سيوجه لتثبيت الخدمات الأساسية ومنع الانهيار للواقع الاقتصادي»، منبهاً إلى أن فلسطين ليست عضواً في صندوق النقد الدولي ولا يمكنها الحصول على قروض مباشرة سيادية حتى بعد الاعترافات.

ويعتقد أن الاعترافات الدولية ستعزز موقف دولة فلسطين في الحصول على منح وقروض ميسرة من البنك الدولي وصناديق ائتمانية أوروبية وفتح الأسواق الأوروبية بشكل أوسع وتشجيع الاستثمارات بشكل تدريجي وتعزيز التمويل وحركة التجارة.

وأوضح خبير الاقتصادي الدولي أن «العائق الأكبر سيكون في القيود الإسرائيلية بشأن حركة التجارة والمعابر وغياب الإصلاحات المالية والشفافية الفلسطينية ولذلك الاعترافات لن تكون عصا ساحرة وسيتوقف مردودها الاقتصادي على التحكم في المعابر والاستقرار الأمني والحوكمة المالية»، مشدداً على أنه حال توفرت تلك الشروط ستكون الاعترافات رافعة اقتصادية وما عدا ذلك ستكون خطوة رمزية.

يحاول الفلسطينيون البقاء على قيد الحياة في الخيام التي نصبوها بين أنقاض منازلهم المهدمة في ظل الدمار الهائل الذي لحق بها جراء الحرب - يناير 2025
يحاول الفلسطينيون البقاء على قيد الحياة في الخيام التي نصبوها بين أنقاض منازلهم المهدمة في ظل الدمار الهائل الذي لحق بها جراء الحرب - يناير 2025 المصدر: أ ف ب

شروط الانتعاش

فيما يعتقد أستاذ الاقتصاد الدولي، نهاد إسماعيل في حديث لـ«إرم بزنس» أن أهمية وقيمة الاعترافات الدولية بدولة فلسطين تبقى رمزية بالنسبة للاقتصاد، موضحاً أنه من أجل أن تستفيد فلسطين اقتصادياً يجب أولاً إيقاف الحرب والتوصل لاتفاقات فلسطينية فلسطينية وأخرى مع إسرائيل لتجاوز الواقع المتدهور للغاية.

وبلغة الأرقام، يكشف نهاد إسماعيل الواقع الاقتصادي الفلسطيني المتدهور، قائلاً: «إسرائيل منعت 100 ألف فلسطيني من العمل داخلها وترفض إعطاء السلطة الفلسطينية حصتها من الضرائب والمستحقات الأخرى، وغالبية الشعب في غزة يعيش تحت خط الفقر، ومعدلات الفقر في الضفة الغربية نهاية 2024 بلغت 40% ونسبة البطالة فوق 30% أما البطالة في القطاع فتزيد على 80%».

وفي الضفة الغربية، يستلم الموظفون 35% من رواتبهم فقط بسبب إجراءات تعسفية إسرائيلية إضافة إلى الدمار الكامل في غزة وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسب عالية جداً، وتراجع السيولة النقدية بعد تدمير البنوك، بخلاف تقلص الإنتاجية إلى ما يقارب الصفر في القطاع، يشير نهاد إسماعيل للواقع، لافتاً إلى أنه حسب تقارير البنك الدولي هناك حاجة إلى 53 مليار دولار لإعادة بناء القطاع.

ويخلص أنه لو توقفت الحرب بغزة سيكون للاعترافات بدولة فلسطين أثر ولو على المدى المتوسط، فحينها ستتدفق الأموال العربية والدولية والاستثمار العربي والدولي على فلسطين لإحياء اقتصادها وإعادة بنائه، موضحاً أنه «إذا لم يحدث ذلك لن تستفيد غزة والضفة الغربية من الاعترافات اقتصادياً».

أخبار ذات صلة

موظفة فلسطينية تتسلم راتبها في غزة.

فلسطين تدفع 35% من رواتب موظفيها عن أبريل رغم الأزمة المالية

فوائد مستقبلية

ويرى مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية في الأردن، أحمد عوض، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن تلك الاعترافات لن تحمل خطوة ذات تأثير اقتصادي مباشر في المدي القريب، ولا تعني تلقائياً فتح الأسواق أو تخفيف القيود المفروضة على الحركة والتجارة، طالما أن الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على الحدود والمعابر والموارد الطبيعية.

وستبقي الاعترافات انعكاساتها المباشرة على الاقتصاد الفلسطيني محدودة في المدى القريب، ومن غير المتوقع أن تؤدي هذه الاعترافات بحد ذاتها إلى تدفق مباشر للتمويلات أو الاستثمارات، إذ إنها ليست مرتبطة بآليات اقتصادية أو تفاهمات عملية. وفق تقدير أحمد عوض، مرجعاً ذلك إلى طبيعة الاقتصاد الفلسطيني الذي يعاني من اختلالات بنيوية سببها سياسات الاحتلال، مثل الاعتماد الكبير على المساعدات الخارجية، وتقييد التجارة، واستمرار ارتفاع معدلات البطالة والفقر.

أما الفرص المتوقعة في المدى القريب، فيعتقد عوض أن تسهم بشكل غير مباشر في تعزيز ثقة بعض الجهات المانحة، وتشجيع بعض الدول أو المؤسسات المالية على النظر بشكل أكثر جدية في دعم مشاريع فلسطينية تنموية، خاصة إذا ترافق الاعتراف مع تحسين مكانة فلسطين في المؤسسات الدولية، موضحاً أنه «مع ذلك، يظل من غير المرجح أن يشكل ذلك دفعة مالية ملموسة أو سريعة في ظل استمرار القيود الإسرائيلية».

أما الفوائد الاقتصادية المحتملة لهذه الاعترافات فقد تتجلى على المدى المتوسط والطويل. فمن شأنها أن تعزز الأدوات السياسية والدبلوماسية بيد الفلسطينيين وحلفائهم، مثل الأردن ومصر، وهو ما قد يترجم إلى ضغوط أكبر على إسرائيل لتخفيف القيود الاقتصادية، يتوقع الخبير الاقتصادي أحمد عوض.

كما يمكن أن تسهم تلك الاعترافات في زيادة الحضور الفلسطيني في المؤسسات الدولية ومنظمات الأمم المتحدة، مما قد يفتح المجال للحصول على برامج دعم فنية ومالية أوسع. إلى جانب ذلك، فإن الاعتراف بفلسطين ككيان سياسي قد يعزز الثقة الدولية بها ويفتح المجال أمام بعض الاستثمارات أو الترتيبات الاقتصادية الإقليمية إذا توفرت بيئة سياسية أكثر استقراراً، وفق تقديرات عوض.

في المحصلة، يري عوض، أن الاعترافات الدولية بدولة فلسطين تحمل أثراً استراتيجياً واضحاً، لكنها لا تمثل حلاً مباشراً للأزمة الاقتصادية التي تعاني منها، متوقعاً أنه لن يتحقق أثر اقتصادي إيجابي حقيقي إلا إذا ترافق الاعتراف مع قيام كيان فلسطيني معترف به دولياً يمتلك السيادة الكاملة على موارده وحدوده، وهو الشرط الأساسي لبناء اقتصاد وطني قادر على النمو المستدام.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف