
تهدد حرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إيران بتوجيه ضربة قوية للاقتصاد العالمي، الذي لا يزال يتعامل مع تداعيات الزيادة التاريخية في الرسوم الجمركية التي فرضها.
ففي أوروبا، قد تدفع أسعار الطاقة المرتفعة لفترة مطولة الاقتصاد إلى حافة الركود. وفي الولايات المتحدة، ستضع هذه التطورات مجلس الاحتياطي الفيدرالي أمام معضلة صعبة: حرب ترفع التضخم في وقت يطالب فيه الرئيس بخفض أسعار الفائدة. أما في الصين، فإن فقدان واردات النفط الإيراني المخفّض السعر يزيد الضغوط الناجمة عن الرسوم الأميركية وأزمة العقارات بحسب «بلومبيرغ».
ورغم احتمال توصل واشنطن وطهران إلى مخرج دبلوماسي يعيد أسعار النفط إلى متوسطها السابق البالغ 65 دولاراً للبرميل، فإن المؤشرات الأخيرة توحي بتصعيد أكبر. فقد أُغلقت أكبر مصفاة نفط في السعودية، وأوقفت قطر تشغيل أكبر منشأة للغاز الطبيعي المسال في العالم، فيما أصبح مضيق هرمز شبه مشلول، وقفزت أسعار النفط والغاز بقوة، وتراجعت الأسهم، وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية مع تراجع رهانات خفض الفائدة.
يمرّ نحو 20% من إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز. وتشير تقديرات «بلومبيرغ إيكونوميكس» إلى أن كل تراجع بنسبة 1% في الإمدادات يرفع الأسعار بنحو 4%. وبناءً على ذلك، فإن إغلاقاً مطولاً للمضيق قد يدفع الأسعار للارتفاع بنحو 80% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، أي إلى نحو 108 دولارات للبرميل، مع افتراض بقاء الأسعار مرتفعة حتى الربع الرابع.
وقد يؤدي تصعيد إضافي — مثل ضرب منشآت «أرامكو» أو توسع الهجمات بطائرات مسيّرة — إلى ارتفاعات أكبر، في حين أن نزاعاً أقصر أو أضراراً محدودة قد يخففان من حدة القفزة.
ارتفاع النفط يؤثر عبر قنوات متعددة: زيادة تكاليف النقل والإنتاج، وتآكل القوة الشرائية، وارتفاع أسعار السلع المرتبطة بالبتروكيماويات. والأهم بالنسبة للبنوك المركزية هو حجم الصدمة وما إذا كانت توقعات التضخم ستبقى مستقرة.
إذا ظلت التوقعات «مرتكزة»، قد يتمكن رئيس الفيدرالي جيروم باول ورئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد من تجاوز الأثر المؤقت والتركيز على دعم النمو. أما إذا انفلتت التوقعات، فقد يضطرون إلى تشديد السياسة النقدية لتجنب دوامة تضخمية.
بفضل طفرة النفط الصخري، أصبح تأثير صدمات الطاقة مختلفاً: المستهلك يتضرر من ارتفاع البنزين، لكن المنتجين يستفيدون، ما يجعل الأثر على النمو شبه متعادل. غير أن التضخم سيرتفع؛ إذ تشير النماذج إلى أن نفطاً عند 108 دولارات قد يضيف نحو 0.8 نقطة مئوية إلى التضخم بنهاية العام، ليتجاوز 3%، أي أعلى بكثير من هدف الفيدرالي البالغ 2%.
وهذا قد يدفع البنك إلى تأجيل خفض الفائدة، أو حتى التفكير في رفعها إذا تدهورت توقعات التضخم، ما يضع الإدارة الأميركية في موقف سياسي حساس قبيل الانتخابات النصفية.
تعاني منطقة اليورو والمملكة المتحدة من انكشاف أكبر، لعدم امتلاكهما إنتاجاً نفطياً كبيراً يعوض الخسائر. كما أن أوروبا أكثر عرضة لأسعار الغاز التي قفزت مع توقف الإنتاج القطري.
وتشير تقديرات «بلومبيرغ إيكونوميكس» إلى أن صدمة الطاقة قد تخفض الناتج المحلي الإجمالي بنحو 0.6% في منطقة اليورو و0.5% في المملكة المتحدة، مع إضافة نحو 1.1 نقطة مئوية إلى التضخم في كل منهما، ما قد يجبر البنوك المركزية على تأجيل خفض الفائدة.
الصين مستورد رئيسي للنفط، وكانت تستفيد من شراء النفط الإيراني والفنزويلي بأسعار مخفّضة. والشراء عند 108 دولارات سيضيف نحو 0.8 نقطة مئوية إلى التضخم، مع ضربة متواضعة للنمو تزيد الضغوط الناجمة عن الرسوم الأميركية وأزمة العقارات.
في حال استمرار القتال دون تعطيل كبير للإمدادات، قد تستقر الأسعار قرب 80 دولاراً، مع زيادة طفيفة في التضخم (0.3 نقطة في الولايات المتحدة و0.5 نقطة في أوروبا والمملكة المتحدة)، وتأثير محدود على النمو.
أما في أفضل السيناريوهات، فقد يتم التوصل إلى وقف إطلاق نار، وتتراجع الأسعار إلى 65 دولاراً، ويستمر مسار تراجع التضخم، وتتبدد المخاطر.
سيؤثر مسار النزاع أيضاً في مستقبل إيران. فحرب طويلة قد تزيد مخاطر عدم الاستقرار، بينما يساهم وقف إطلاق النار في تعزيز بقاء النظام. ويُتوقع أن يلعب «الحرس الثوري» دوراً محورياً في أي انتقال قيادي، مع ترجيح تعزيز قبضته على السلطة.
ليست هذه أول مرة تهز فيها اضطرابات الشرق الأوسط أسواق الطاقة. ففي 1973 أدى الحظر النفطي العربي إلى قفزة حادة في الأسعار، وتكرر الأمر بعد الثورة الإيرانية عام 1979. آنذاك، قفز التضخم الأميركي إلى خانتين، واضطر رئيس الفيدرالي بول فولكر إلى تشديد السياسة النقدية، ما قاد إلى ركود حاد.
اليوم، يختلف الاقتصاد العالمي — إذ بات أكثر اعتماداً على الخدمات والطاقة المتجددة، وأقل كثافة في استهلاك الطاقة — ما يجعل تكرار صدمة سبعينيات القرن الماضي أقل احتمالاً.
لكن مع استمرار الحرب وارتفاع أسعار النفط والغاز، تبقى المخاطر كبيرة. وإذا طال أمد النزاع، فقد تكون التداعيات على النمو العالمي والتضخم وسياسات البنوك المركزية عميقة ومؤلمة.