التومي: خطوة إيجابية نظرياً بتأثير محدود على أرض الواقع

بدأت تونس رسمياً مطلع يوليو الجاري، تفعيل المنصة الوطنية للمستثمر، في تحول رقمي يتسع ببلد يجد موقعاً استراتيجياً قريباً من أوروبا ويضع نصب عينه جذب استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 4 مليارات دينار تونسي (نحو 1.3 مليار دولار) بنهاية 2026.
تلك المنصة الرقمية يراها خبراء اقتصاد من تونس، تحدثوا لـ«إرم بزنس»، تعزّز جاذبية الاستثمار فى البلاد ضمن القضاء على البيرقراطية، لكن هناك تحديات يجب تجاوزها ليكون للمنصة ثمار سريعة ومنها استمرار بعض الإجراءات الورقية، بطء التنسيق بين الإدارات، تعقد بعض النصوص القانونية، نقص التمويل العمومي للتحول الرقمي، وتفاوت مستوى الرقمنة بين المؤسسات.
أواخر يونيو الماضي، تم إطلاق المنصة الوطنية للمستثمر خلال منتدى تونس للاستثمار الذي شاركت فيه أكثر من 30 دولة، وأسفر عن إعلان أكثر من 14 مؤسسة أجنبية توسيع أنشطتها في تونس، بقطاعات متعددة، من بينها البيئة، والتكنولوجيا، وصناعة السيارات، والطيران، بحسب إعلام تونسي.
وأوضح المدير المركزي بوكالة النهوض بالاستثمار الخارجي، حاتم السويسي، في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء الرسمية آنذاك، أن المنصة ستشكل حلقة وصل بين المستثمر والإدارة، بما يضمن تسهيل المعاملات الإدارية في إطار مواصلة مسار رقمنة الخدمات العمومية الموجهة للمستثمرين، الذي انطلق منذ عام 2022 عبر تطوير منصات رقمية خاصة بمختلف الهياكل المعنية.
وفي 29 يونيو الماضي، دعا الديوان الوطني للصناعات التقليدية، في بيان، كافة المستثمرين في قطاع الصناعات التقليدية إلى استخدام الهوية الرقمية بصفة إجبارية للتمكن من التصريح بمشاريعهم الاستثمارية في تونس عبر المنصة الوطنية للاستثمار.
وتشهد المؤشرات الاقتصادية في تونس أرقاماً رسمية لافتة، إذ ارتفع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة واستثمارات كبرى الشركات الأجنبية 30% خلال عام 2025، و25% خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وأكد وزير الاقتصاد والتخطيط التونسي، سمير عبدالحفيظ، في تصريحات صحفية قبل أيام، أن الحكومة تستهدف جذب استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 4 مليارات دينار تونسي (نحو 1.2 مليار دولار) بنهاية العام الجاري، لافتاً إلى أن عدداً من المستثمرين «يعتزمون توسيع استثماراتهم القائمة، بينما يخطط آخرون لإطلاق مشاريع جديدة؛ مما يؤكد صواب الخيارات التونسية في السعي المستمر لتحسين بيئة الاستثمار».
ووفقاً للمؤشرات النقدية والمالية التي نشرها البنك المركزي التونسي في 25 يونيو الماضي، ارتفعت احتياطيات تونس من العملات الأجنبية بنسبة 8.15% لتصل إلى 25.2 مليار دينار (نحو 8.48 مليار دولار) بتاريخ 24 يونيو 2026، وهو ما يكفي لتغطية 102 يوم من الواردات، مقارنة بـ 23.3 مليار دينار في الفترة نفسها من العام السابق.
ويرجع ارتفاع هذه الاحتياطيات إلى نمو التحويلات المالية بنسبة 4.8% لتبلغ 4.2 مليار دينار، وارتفاع عائدات السياحة بنسبة 4.5% لتصل إلى 3.1 مليار دينار حتى 20 يونيو 2026، مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2025.
وفي 27 يونيو الماضي، كشفت وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي (حكومية)، في بيان، أنها استقطبت خلال الربع الأول من السنة الحالية استثمارات أجنبية بقيمة 1.330 مليار دينار (440.5 مليون دولار)، مقابل 1 مليار دينار (338.9 مليون دولار) خلال الفترة ذاتها من سنة 2025، مسجلة بذلك نموا بنسبة 25.7%.
وأضافت الوكالة أن «حجم الاستثمارات الأجنبية ارتفع كذلك بنسبة 67.7% مقارنة بسنة 2024، وبنسبة 48% مقارنة بسنة 2023، وهو ما يعكس استمرار تحسن جاذبية الوجهة التونسية للمستثمرين الأجانب وتعزيز موقعها التنافسي في الفضاء المتوسطي»، متوقعة «بلوغ الهدف المحدد لكامل سنة 2026 بـ4 مليار دينار (1.35 مليار دولار)».
يؤكد أستاذ الاقتصاد التونسي رضا الشكندالي، في حديث مع «إرم بزنس»، أن المنصة تعزز جاذبية الاقتصاد التونسي من خلال عدة محاور أساسية، أولها تبسيط الإجراءات الإدارية من خلال جمع مختلف الخدمات المتعلقة بالاستثمار في نافذة رقمية موحدة، بما يقلل من عدد الوثائق والزيارات إلى الإدارات، فضلا عن تقليص آجال إنجاز المشاريع، وهو عامل أساسي بالنسبة للمستثمرين الذين يقيسون تكلفة التأخير الإداري.
يضاف لذلك، بحسب الشكندالي «تعزيز الشفافية من خلال إمكانية تتبع الملفات إلكترونيا، مما يقلل من الغموض والبيروقراطية، بخلاف خفض كلفة الاستثمار، سواء من حيث الوقت أو الموارد البشرية اللازمة لإنجاز الإجراءات، وأخيراً تحسين صورة تونس في المؤشرات الدولية المتعلقة بسهولة ممارسة الأعمال والحوكمة الرقمية، إذا اقترنت المنصة بتطبيق فعلي وفعال».
لكن في المقابل، فإن قرار المستثمر «لا يعتمد فقط على الإجراءات الإدارية، بل يشمل أيضاً الاستقرار السياسي، ووضوح التشريعات، واستقرار السياسة الجبائية، وسهولة تحويل الأرباح، وتوفر البنية التحتية، واستقرار سعر الصرف والتضخم المالي، وهذه عوامل هامة غير متوفرة حالياً في مناخ الأعمال في تونس»، وفق الشكندالي.
وأضاف: «رغم أهمية المشروع، تبقى عدة تحديات قد تحد من تأثيره، وهي استمرار بعض الإجراءات الورقية، بطء التنسيق بين الإدارات، تعقد بعض النصوص القانونية، نقص التمويل العمومي للتحول الرقمي، تفاوت مستوى الرقمنة بين المؤسسات، ومقاومة التغيير داخل بعض الإدارات؛ وهي تحديات مهمة لابد من تجاوزها».
ولفت إلى أن «المستثمر الأجنبي يراقب مؤشرات أخرى مهمة، مثل نسبة النمو الاقتصادي وهي ضعيفة، مستوى الدّين العمومي وهو مرتفع، واستقرار المالية العمومية وهي غير مستقرة بتغييرات عديدة على مستوى نسب الجباية، كلفة الطاقة وهي مهمة، جودة الخدمات اللوجستية وتوفر اليد العاملة المؤهلة».
وأوضح الشكندالي أن «الإصلاح الرقمي بالطبع أحد عوامل استقطاب الاستثمارات الأجنبية لكنه ليس العامل الوحيد لأنه في السنوات الأخيرة أصبحت الرقمنة عنصراً أساسياً في المنافسة بين الدول لاستقطاب الاستثمار»، لافتاً إلى أن «دولا عديدة مثل الإمارات نجحت في جذب المستثمرين بفضل رقمنة الخدمات الحكومية وإنشاء منصات موحدة لإنشاء الشركات واستخراج التراخيص في وقت قصير».
وعن فرص نجاح هذه المنصة، أوضح الشكندالي أن «فرص النجاح موجودة إذا توفرت عدة شروط منها استمرار دعم المشروع وعدم توقفه بتغير الحكومات، بجانب توفير الأمن السيبراني والتكامل بين الإدارات مع ربط جميع الوزارات والهيئات المعنية بالاستثمار، بما في ذلك الجباية، والجمارك، والسجل التجاري، والبلديات، والضمان الاجتماعي، فضلا عن أهمية الاعتراف الكامل بالوثائق والتوقيع الإلكتروني، وتحديث القوانين التي لا تزال تشترط الوثائق الورقية».
وأكد أنه «إذا نجحت المنصة في تحقيق أهدافها، فقد تساهم في رفع حجم الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتسريع إنجاز المشاريع، وخلق فرص عمل جديدة، ودعم المؤسسات الناشئة، تحسين ترتيب تونس في مؤشرات التنافسية العالمية، وتعزيز ثقة المستثمرين في الإدارة التونسية. أما إذا بقيت مجرد واجهة رقمية دون إصلاح فعلي للإجراءات، فقد يكون أثرها محدوداً».
وترى الخبيرة الاقتصادية التونسية، خلود التومي، في حديث مع «إرم بزنس»، أن منصة المستثمر من الناحية النظرية، خطوة إيجابية تعزز الجاذبية الاستثمارية عبر إلغاء النظام البيروقراطي، وتخفيض كلفة المعاملات الزمنية، وتأمين مسار شفاف لإيداع المشاريع ومتابعتها إلكترونياً، لكن من الناحية الواقعية، ذات تأثير محدود وجزئي، خاصة وهي توفر بوابة دخول رقمية سهلة للمستثمر، لكنها تظل عاجزة عن حمايته أو تسهيل عمله بمجرد اصطدامه بالمنظومة الإدارية والمالية التقليدية على أرض الواقع.
وتعقد التومي أن الإصلاح الرقمي بات مساراً جديداً لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية، خاصة وأن الاتحاد الأوروبي يحاول إيجاد شركاء استراتيجيين وجغرافيين أقرب.
وحذّرت التومي من أن هناك الكثير من التحديات أمام تلك المنصة مثل الضغط الجبائي المرتفع، وحاجة الدولة الملحة لتعبئة السيولة لسدّ العجز في الموازنة، مما يؤدي إلى دفع الإدارة الجبائية ميدانياً، عبر تشديد الرقابة وتأويل النصوص والإعفاءات الممنوحة عبر المنصة بشكل ضيق ومجحف، مما يلغي حوافزها، فضلاً على أن هناك قيودا في مجال الصرف وسرعة التأسيس الرقمي تفقد قيمتها إذا عجز المستثمر عن تحريك أمواله وأرباحه بالعملة الصعبة بحرية مما يمثل كذلك عاملا طاردا لرؤوس الأموال.
ورغم ذلك تتمسك الخبيرة الاقتصادية التونسية، خلود التومي بأن هذه المنصة ستظل من الناحية النظرية إيجابية، ولكن من ناحية تطبيقها على أرض الواقع في تونس، لابد أن تقترن في الوقت ذاته بتغييرات في جميع القوانين وتغييرات في أدوات التنمية الاقتصادية.