logo
اقتصاد

«الوطن الأزرق».. صراع الطاقة يضع تركيا في مواجهة قبرص واليونان

«الوطن الأزرق».. صراع الطاقة يضع تركيا في مواجهة قبرص واليونان
سفينة الحفر التركية «فاتح» تواصل عمليات الاستكشاف في البحر الأسود في تركيا، 2 نوفمبر 2023.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

باتت تركيا على بعد أمتار قليلة من تحويل مصطلحها الشهير «الوطن الأزرق» الذي ظهر للعلن أول مرة، في 2006، إلى أرض الواقع عبر مشروع قانون يعد حالياً، بهدف معلن هو حماية سواحلها البحرية، لاسيما على مناطق متنازع عليها مع اليونان وقبرص في شرق المتوسط.

تلك الحماية، بحسب التصور التركي، يعتقد خبراء طاقة واقتصاد تحدثوا لـ«إرم بزنس»، أنها محاولة لرسم نفوذ في شرق المتوسط، وإعادة تشكيل لخريطة الطاقة في المنطقة، بشكل قد يصطدم بتحفظات وتطلعات يونانية قبرصية، مشيرين إلى أنه ذلك المشروع يحمل فرصاً اقتصادية كبيرة لتركيا غير أنه قد يكون بمثابة تقنين لسواحلها، وترسيم منفرد لحدودها البحرية في معركة قد تخوضها مستقبلاً لتأمين مصالحها الاقتصادية البحرية.

أخبار ذات صلة

مركز إسطنبول المالي، 18 ديسمبر 2025.

«التمويل التشاركي» في زمن الأزمات.. لماذا تتجه الأنظار إلى تركيا؟

كعكة شرق المتوسط

تحتوي منطقة شرق المتوسط، على احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي غير المكتشفة تقدر بنحو 300 تريليون قدم مكعب، وفقاً لدراسات منتدى غاز شرق المتوسط بحسب ما ذكره أمينها العام أسامة مبارز في تصريحات إعلامية فبراير 2025.

في 14 مايو الجاري، قالت وزارة الدفاع التركية، في بيان إن «مشروع قانون مناطق الصلاحية البحرية (المعروف إعلامياً الوطن الأرزق) التي شاركت في صياغته من شأنه تحديد المسؤوليات في مناطق الصلاحيات البحرية (حيث 3 بحار كبرى: البحر الأسود شمالاً، وبحر إيجه غرباً، والبحر المتوسط جنوباً)، وسد الثغرات في التشريعات القانونية المحلية».

جاء تعليق وزارة الدفاع التركية غداة حديث إعلام تركي بأن المشروع الذي يعده حزب العدالة والتنمية الحاكم سيُقدَّم إلى البرلمان التركي بعد عيد الأضحى، مع احتمال إقراره قبل انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، المقرر إجراؤها في 7 و8 من يوليو المقبل، في أنقرة، بحسب المصادر ذاتها.

نقل الموقع الإخباري « ترك برس» وقتها عن الأكاديمي التركي ليفنت إرسين أوراللي قوله إن «إعلان وزارة الدفاع للمشروع باتت يؤسس لهندسة أمنية محورها البحر المرتبط به أمن الطاقة، وخطوط النقل البحري، وطرق التجارة البحرية، ويعد بمثابة بيان إستراتيجي للدولة ينقل مبدأ الوطن الأزرق إلى أرضية قانونية، وعتبة تاريخية توحد الأطر العديدة للوائح والاتفاقيات في قانون واحد».

كما لفت إلى أن القانون سيكون بمثابة عتبة تاريخية لتركيا التي تعد إطارها بشأن الحقوق البحرية موزع بين قوانين مختلفة، ولوائح تنظيمية، واتفاقيات دولية.

منظر لسفينة سفن فيغا 7 في ميناء سرايبيرنو بإسطنبول، والتي ستقوم بمد خطوط أنابيب تحت البحر ضمن المرحلة الثانية من مشروع حقل ساكاريا للغاز، في 1 ديسمبر 2025 في إسطنبول، تركيا.
منظر لسفينة سفن فيغا 7 في ميناء سرايبيرنو بإسطنبول، والتي ستقوم بمد خطوط أنابيب تحت البحر ضمن المرحلة الثانية من مشروع حقل ساكاريا للغاز، في 1 ديسمبر 2025 في إسطنبول، تركيا.المصدر: (أ ف ب)

خطة تركية لحماية سواحلها وحقوقها الاقتصادية

يرى الخبير الاقتصادي التركي، دينيز استقبال، في حديث لـ«إرم بزنس» أن «مشروع قانون الوطن الأزرق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمصالح تركيا الاقتصادية واستقلالها في مجال الطاقة، خاصة أن مسألة ترسيم الحدود البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط، وبحر إيجة، مسألة أمن قومي حيث لا يمكن لتركيا التخلّي عن حقوقها في موارد الطاقة التي تُقدّر احتياطياتها بتريليونات الدولارات والقبول بمطالب غير عادلة من جانب اليونان وقبرص».

ولفت إلى أنه «بالنظر إلى أن الاقتصاد التركي يقترب من عتبة الناتج المحلي الإجمالي البالغ تريليوني دولار، واحتلال تركيا للمرتبة الخامسة عشرة عالمياً بين أكبر مستهلكي الطاقة، تتضح أهمية مشروع قانون الوطن الأزرق الذي يحمي حقوقها الاقتصادية، ويخفف من وطأة النفقات».

إعادة تشكيل لخريطة الطاقة

بدوره، يرى خبير الطاقة مدير البحوث الاقتصادية في المركز العالمي للدراسات التنموية في المملكة المتحدة، صادق الركابي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «مشروع الوطن الأزرق لا يعد مجرد إطار قانوني داخلي ترسم من خلاله تركيا حدودها البحرية وفق تفسيرها الخاص لقواعد الجرف القاري والمناطق الاقتصادية، إنما أداة إستراتيجية ترغب أنقرة من خلالها إعادة تشكيل موازين القوة وخريطة الطاقة في المنطقة».

وأوضح أن «شرق المتوسط، اليوم، ساحة نزاع اقتصادي تكتسب أهميتها من حقول الغاز الضخمة التي تحتويها وخطوط الأنابيب المستقبلية التي ستصل إلى أوروبا»، محذراً من أن «هذا المشروع قد يعرض تركيا إلى صدام قانوني مع اليونان ومن خلفها الاتحاد الأوروبي، خاصة وتفسير اليونان لقواعد القانون البحري مختلف تماماً عن الرؤية التركية، خاصة فيما يتعلق بالجزر وتأثيرها على المناطق الاقتصادية، وترسيم الجرف القاري في بحر إيجة».

رغم وجود قانون دولي للبحار يعد إطاراً مرجعياً، «إلا أن تركيا ليست طرفاً كاملاً في اتفاقية قانون البحار ما يجعلها غير ملزمة، ويوسع حجم الفجوة القانونية مع جيرانها، ويزيد من التوتر الإقليمي»، وفق الركابي.

تطمح تركيا بهذا المشروع إلى تحقيق منافع اقتصادية ترتبط بحجم الموارد الهيدروكربونية في شرق المتوسط، وتعزيز موقعها كممر إستراتيجي للطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا، وفق الركابي، مؤكداً أن تركيا قد تنتقل من مقاربة دفاعية في نزاع حدودي بحري إلى مقاربة أكثر تفاعلية تعيد صياغة قواعد الجغرافية كجزء من هندسة النفوذ الإقليمي، وتفاهمات بشأن المصالح الاقتصادية.

أخبار ذات صلة

منظر جوي من ميناء علي آغا بعد تحميل حاويات على متن سفينة في إزمير، تركيا يوم 29 يوليو 2022

تركيا تستنزف احتياطياتها الأجنبية بأسرع وتيرة بسبب الحرب الإيرانية

تحديات قانونية واقتصادية

ويشير الخبير الإستراتيجي في الطاقة والزميل الزائر بجامعة جورج ميسون الأميركية، أوميد شكري، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن مبدأ الوطن الأزرق لا يقتصر على سياسة الطاقة فحسب، بل هو إستراتيجية بحرية أوسع نطاقاً تربط بين السيادة والقوة البحرية والوصول إلى الطاقة والنفوذ الإقليمي، موضحاً أنه في شرق المتوسط، يتحدى هذا النهج التركي المطالبات البحرية لليونان وقبرص.

وفقاً لـ«شكري»، فإن «تركيا تسعى جاهدة بهذا المشروع إلى تجنب استبعادها من تطوير الغاز في شرق المتوسط، وتعزيز دورها كممر للطاقة، وحماية وجودها البحري، وإجبار الفاعلين الإقليميين الآخرين على التعامل مع أنقرة كلاعب لا غنى عنه»، مشيراً إلى أن «مشروع الوطن الأزرق لا يعيد رسم الخرائط فحسب، بل يُعيد تشكيل موازين القوى».

عن تحديات هذا المسار التركي، أضاف شكري، أن هذه الإستراتيجية تواجه تحديات قانونية ودبلوماسية وعسكرية واقتصادية خطيرة، حيث ترفض اليونان، وقبرص، والاتحاد الأوروبي، والعديد من الجهات الفاعلة الإقليمية المطالبات البحرية التركية، وهذا قد يزيد خطر التصعيد العسكري.

ووفقاً لـ«شكري»، إذا تعاملت تركيا مع قانون الوطن الأرزق على أنه عقدة إستراتيجية سيُعمّق ذلك انعدام الثقة، ويُصعّب التوصل إلى حلول وسط، ولكن إذا استخدمته هذا المبدأ كورقة ضغط، فقد تدفع الأطراف الإقليمية في نهاية المطاف إلى التفاوض بشأن ترسيم الحدود البحرية، وتقاسم الطاقة، وأمن البنية التحتية، وقد تنجح أنقرة في الدخول ضمن هياكل الغاز الإقليمية لاسيما منتدى غاز شرق المتوسط الذي تأسس، العام 2020، بدونها.

وعن استفادة تركيا من هذا المسار المحتمل، أضاف شكري: «قد تستفيد تركيا اقتصاديًا، ولكن بشروط محددة، خاصة أن لدى البلاد حافزاً قوياً لتقليل اعتمادها على الطاقة».

وتشير أحدث تقارير مؤسسة كارنيغي إلى أن تركيا استوردت  كامل استهلاكها من الغاز الطبيعي، و91% من المنتجات النفطية، و77% من الفحم، مما يجعل واردات الطاقة نقطة ضعف هيكلية رئيسة، وإذا تمكنت تركيا من الوصول إلى غاز شرق المتوسط أو أصبحت محوراً رئيساً لخطوط التصدير، فبإمكانها خفض تكاليف الاستيراد، وتعزيز دورها كمركز للطاقة، وجذب استثمارات البنية التحتية، وتحسين وضعها في الحساب الجاري، بحسب شكري.

كما سيمكن المسار الجديد التوافقي حال حدث، من تعزيز نفوذ تركيا على مسارات تنويع الطاقة الأوروبية، لا سيما مع استمرار أوروبا في البحث عن بدائل للطاقة الروسية، وفق شكري.

لكن هذه المكاسب لا تزال غير مؤكدة بحسب شكري، موضحاً أنه تواجه العديد من مشاريع الغاز في شرق المتوسط تكاليف تطوير باهظة، ونزاعات قانونية معقدة، وحذّر من المستثمرين، لذلك قد يؤدي مشروع القانون إلى تأخر العوائد الاقتصادية في المدى القريب.

وتقوم عقيدة «الوطن الأزرق» التي ظهرت للعلن أول مرة العام 2006، على حماية سواحل تركيا المحاطة بثلاثة بحار كبرى، هي: البحر الأسود شمالاً، وبحر إيجة غرباً، والبحر المتوسط جنوباً، عبر حقوق اقتصادية وسيادة لا تقل أهمية عن التراب البري تمتد على مساحة تُقدَّر بنحو 462 ألف كيلومتر مربع من المياه البحرية، وفق إعلام تركي.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف