logo
اقتصاد

«التمويل التشاركي» في زمن الأزمات.. لماذا تتجه الأنظار إلى تركيا؟

«التمويل التشاركي» في زمن الأزمات.. لماذا تتجه الأنظار إلى تركيا؟
مركز إسطنبول المالي، 18 ديسمبر 2025.المصدر: شاترستوك
تاريخ النشر:

وسط تقلبات الاقتصاد العالمي وتزايد البحث عن أدوات تمويل أكثر مرونة، تتجه تركيا لتعزيز موقعها في قطاع التمويل التشاركي، مستندة إلى نمو متسارع وخطط لتحويل إسطنبول إلى مركز عالمي للصيرفة الإسلامية، مع توسع الحصة المحلية للقطاع، رغم أن حضوره لا يزال محدودا ضمن النظام المالي العالمي.

صناعة التمويل الإسلامي العالمية.. نمو متباطئ وتوقعات 2026

تحدثت وكالة «إس آند بي غلوبال للتصنيفات الائتمانية» في تقرير حديث بعنوان «التمويل الإسلامي 2026-2027: التنقل في مياه متلاطمة»، عن تباطؤ ملموس في نموّ صناعة التمويل الإسلامي العالمية خلال العام الجاري، وتوقعت أن يتراجع معدل نموّ الصناعة إلى نحو 5%-10% في 2026، مقارنةً بنموّ بلغ 10.2% في 2025.

مسار هذا الاتجاه سيتحدد، وفق خبراء، بحسب نتيجة الحرب في الشرق الأوسط بين واشنطن وطهران، التي أثرت على اقتصادات الدول الأساسية في هذا القطاع.

ذلك المسار كان محط قمة اقتصادية في إسطنبول، وقد يجد في أزمات في المنطقة فرصة لانتشاره قد تؤهل تركيا لأن تكون مركزاً مالياً بارزاً في ظل منافسة كبيرة مع دول بالمنطقة، وسط تحديات يجب تلافيها لتحقيق هذا الهدف الطموح وفق خبراء مال واقتصاد تحدثوا لـ«إرم بزنس».

في 7 مايو الجاري، احتضن مركز إسطنبول المالي، قمة للتمويل التشاركي، أكدت أن تركيا تسعى لأن تكون مركزاً للتمويل التشاركي في المنطقة.

أخبار ذات صلة

منظر جوي من ميناء علي آغا بعد تحميل حاويات على متن سفينة في إزمير، تركيا يوم 29 يوليو 2022

تركيا تستنزف احتياطياتها الأجنبية بأسرع وتيرة بسبب الحرب الإيرانية

مسار يتجدد لدعم التمويل التشاركي في تركيا

الخبير الاقتصادي التركي، علاءالدين شنكولر، يرى في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «التطورات والتقدمات الملحوظة التي كسبتها تركيا في التمويل التشاركي أنها تستحق أن تكون مركزاً رئيسياً للتمويل التشاركي في المنطقة».

ويعتقد شنكولر، أن «أي تقدم تمويلي سواء تشاركي أو تقليدي سوف يكون له دور يذكر ويوجه الأنظار إلى العاصمة التركية. ووجود أزمات متنوعة في المنطقة لن تؤثر على لفت الأنظار إلا مؤقتاً ولفترة قصيرة».

كما يرى أنه «من أجل تنشيط وتفعيل المشاريع وتمويلها لا تكفي أنظمة التمويل التشاركي لوحدها إنما يجب أن تخرج المنطقة خاصة والعالم بصورة عامة من حالة الطوارئ إلى حالة الهدوء والاستقرار».

الخبير الاقتصادي التركي، دينيز استقبال، في حديث لـ«إرم بزنس» قال إن «القطاع المالي التركي بات يندمج وينفتح على الاقتصاد العالمي بشكل كبير، ولذلك يُعدّ القطاع المصرفي التركي من بين القطاعات الرائدة في جذب الاستثمارات الأجنبية»، مضيفاً أن تركيا «لا تزال تمتلك إمكانات تنموية كبيرة في مجال الصيرفة الإسلامية، ويمكن للشراكات الجديدة مع دول المنطقة أن تُحسّن التجارة الثنائية وتُعزّز النمو في مختلف القطاعات. كما يُمكن لقرب تركيا من أوروبا وقدرتها الإنتاجية التجارية أن يُسهما في تبادل الخبرات والمعرفة بين الأطراف».

عن إمكانية أن تصبح تركيا مركزاً للتمويل التشاركي في المنطقة، أجاب استقبال: «هذا ممكن، حيث يتمتع النظام المالي والمصرفي التركي بقدرة عالية على الصمود في وجه الأزمات، إذ يمكن الاستجابة لها بفضل الاحتياطيات القوية التي يحتفظ بها البنك المركزي».

ارتفع حجم أصول التمويل الإسلامي من 2.5 تريليون دولار عام 2018 إلى 6 تريليونات دولار في 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 9.7 تريليونات دولار بحلول 2029، فيما تقدمت تركيا في مؤشر تطوير التمويل الإسلامي من المرتبة 23 بين 82 دولة عام 2012 إلى المرتبة العاشرة بين 140 دولة عام 2025، حالياً تحتل المرتبة التاسعة عالمياً بأصول تمويل إسلامي تبلغ نحو 127 مليار دولار، وفق تقديرات تركية رسمية حديثة.

بحسب التقديرات ذاتها ينمو التمويل التشاركي في تركيا منذ انطلاقه عام 1984، وبلغ حجم أصول القطاع 4.7 تريليون ليرة حتى مارس 2026، مع نشاط 10 مؤسسات تمويل تشاركي بينها 3 مؤسسات رقمية، ويحجز التمويل التشاركي حصة من إجمالي أصول القطاع المصرفي ارتفعت من 2.4% عام 2005 إلى 9.5% حالياً.

جسر السلطان محمد الفاتح، إسطنبول، تركيا، 24 مايو 2025.
جسر السلطان محمد الفاتح، إسطنبول، تركيا، 24 مايو 2025 المصدر: وكالة الأناضول

ما الذي يجعل تركيا مرشحة لهذا الدور؟

بمزيد من التفاصيل، قال الخبير المصرفي المتخصص في التمويل التشاركي، أمجد نصر، لـ«إرم بزنس»، إن «تركيا اليوم لديها مقومات حقيقية، لكن الوصول إلى هذا الموقع يعتمد على عدة عوامل مترابطة، بعضها اقتصادي وبعضها سياسي وتشريعي».

بحسب نصر، فإن «تركيا تملك عناصر قوة مهمة: موقع جغرافي يربط بين الخليج وأوروبا وآسيا الوسطى، وبنية تحتية مالية متطورة، خاصة مع مشروع مركز إسطنبول المالي، وقطاع مصرفي قوي وخبرة تمتد لعقود في الصيرفة التشاركية، وقاعدة صناعية وتجارية ضخمة مقارنة بكثير من دول المنطقة، وسوق محلي كبير يحتاج باستمرار إلى أدوات تمويل متنوعة ومتوافقة مع الشريعة».

عقبات لا يمكن تجاهلها

لكن في المقابل، هناك تحديات بحسب الخبير المصرفي أمجد نصر، لا يمكن تجاهلها مثل تقلبات سعر الليرة التركية والتضخم، والحاجة إلى تعزيز ثقة المستثمر الأجنبي طويل الأجل، والمنافسة القوية من مراكز راسخة مثل دبي والرياض وكوالالمبور»، الذي أكد على «ضرورة تطوير أدوات تمويل تشاركي أكثر ابتكاراً، مثل الصكوك، وتمويل المشاريع، والتكنولوجيا المالية الإسلامية».

ويعتقد أن «التوسع في التمويل التشاركي قد يلفت الأنظار إلى أنقرة اقتصادياً ومالياً، خاصة في زمن الأزمات. ففي أوقات عدم اليقين، يزداد الاهتمام بالنماذج التمويلية المرتبطة بالأصول الحقيقية والمشاركة في الربح والخسارة، بدل النماذج القائمة فقط على الفائدة والديون التقليدية، لأنه يرتبط بالاقتصاد الحقيقي والإنتاج، ويشجع على الشراكات والاستثمار طويل الأجل، ويمكن أن يكون أداة فعالة لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة والبنية التحتية والصناعة».

ويعتقد أن «كثيرين يرون التمويل التشاركي يكتسب أهمية أكبر خلال الأزمات، لأنه يقلل من المضاربات المالية، ويربط التمويل بالنشاط الاقتصادي الفعلي، ويخلق مرونة أكبر في التعامل مع التعثر مقارنة بالقروض التقليدية».

كما أن نجاح هذا المسار لا يعتمد فقط على «الهوية الإسلامية» للمنتج، بل على جودة الحوكمة، وسرعة الإجراءات، والكفاءة التشغيلية، والابتكار المالي.

وخلص إلى أنه «إذا استطاعت تركيا أن تجمع بين هذه العناصر، مع استقرار اقتصادي أكبر خلال السنوات القادمة، فقد تتحول إسطنبول بالفعل إلى مركز إقليمي بارز للتمويل التشاركي، وربما منصة تربط رؤوس الأموال الخليجية بالأسواق الأوروبية والآسيوية».

أخبار ذات صلة

ميدان تقسيم وسط مدينة إسطنبول، 27 ديسمبر 2025.

التضخم في تركيا يقفز لأعلى مستوى في 6 أشهر.. وخفض الفائدة في مأزق

قمة إسطنبول.. أرقام وتطلعات رسمية

خلال قمة إسطنبول، قال رئيس مكتب الاستثمار والتمويل بالرئاسة التركية براق داغلي أوغلو، إن التمويل التشاركي التركي يمثل نحو 1 % فقط من إجمالي النظام المالي العالمي البالغ حجمه 4 تريليونات دولار وأنقرة تسعى لتنمية هذا القطاع، لافتا إلى أن بلاده تهدف لأن تكون مركزاً إقليمياً بهذا المجال.

بالقمة ذاتها، أعلنت إدارة اتحاد المصارف التشاركية التركية أن صافي أرباح المصارف التشاركية في تركيا بلغ نحو 1.9 مليار دولار بنهاية عام 2025.

رئيس مجلس إدارة الاتحاد محمد علي آقبن، قال إن القطاع واصل نموه رغم التحديات الاقتصادية العالمية والتغيرات الهيكلية في سلاسل التوريد والنماذج الاقتصادية التقليدية، مضيفاً أن الاقتصاد التركي حقق نمواً للربع الـ22 على التوالي، منهيا عام 2025 بمعدل نمو بلغ 3.6%، رغم تداعيات السياسات الحمائية وحالة عدم اليقين التي تؤثر على الاقتصاد العالمي.

وأوضح أن 11 مصرفاً تشاركياً تعمل حالياً في تركيا، مشيرا إلى أن أصول هذه المصارف بلغت نحو 95 مليار دولار، بينما ارتفعت حصتها السوقية في القطاع المصرفي إلى 9.2% بنهاية عام 2025، مقارنة مع 8.1% في 2025.

بالقمة ذاتها، قال نائب الرئيس التركي جودت يلماز، إن بلاده تعمل على جعل إسطنبول مركزاً عالمياً للتمويل التشاركي وربط الاستثمار بالاقتصاد الحقيقي، لافتاً إلى أن الأزمة المالية العالمية في 2008 أظهرت بوضوح التأثير الكبير للقطاع المالي.

أوضح يلماز أن «التمويل التشاركي أظهر تطوراً جيداً منذ ذلك اليوم، فالنظام المالي البعيد عن الواقع يظل عرضة لتشكيل الفقاعات والانهيارات وإحداث دمار واسع، لذلك اكتسب التمويل التشاركي أو التمويل الخالي من الفوائد، قوة متزايدة في مواجهة الأنظمة المالية القائمة على الأصول».

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف