عوائد السندات تهدد موازنات الحكومات
«المركزي الأوروبي» أمام خيارات صعبة

تواجه منطقة اليورو معضلة اقتصادية متصاعدة، بعدما وضعت أزمة الديون وارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومات الأوروبية أمام ضغوط مالية واجتماعية متزامنة.
تتفاقم التحديات مع ارتفاع أسعار الطاقة وتجدد الضغوط التضخمية، بينما تزيد الاحتجاجات الشعبية صعوبة تنفيذ إجراءات التقشف والإصلاحات المالية.
وتتجه الأنظار إلى البنك المركزي الأوروبي، وسط تباين توقعات المؤسسات المالية بشأن قدرته على احتواء التضخم، دون تعميق أزمة الديون أو تقويض النمو.
أشارت كبيرة استراتيجيي أدوات الدخل الثابت لدى بنك «إيه بي إن أمرو» الهولندي، لاريسا دي باروس فريتز، إلى أن اتساع فارق العوائد الفرنسية والألمانية يعكس مخاطر مالية وسياسية.
وأوضحت أن المستثمرين يطلبون علاوة إضافية للاحتفاظ بالسندات الفرنسية، تتجاوز ما تبرره مؤشرات الجدارة الائتمانية وحدها، نتيجة استمرار عدم اليقين بشأن السياسات المالية.
كما رجحت بقاء الفارق بين 130 و150 نقطة أساس دون تحسن ملموس في الأوضاع السياسية والمالية، مقابل احتمالات انحساره حال استعادة الثقة بالموازنة.
أظهرت بيانات «يوروستات» بلوغ الدين الحكومي بمنطقة اليورو 88.9% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية الربع الأول، مقابل 87.7% بنهاية 2025.
بلغت النسبة 138.9% في إيطاليا، و117.6% في فرنسا، و101.6% في إسبانيا، ما يكشف تفاوت حجم المديونية بين الاقتصادات الأوروبية الكبرى.
وأوضح بنك «إيه بي إن أمرو» أن آجال استحقاق الدين الفرنسي الطويلة نسبياً تؤخر انتقال ارتفاع العوائد إلى فاتورة الفوائد، لكنها لا تلغي الضغوط المستقبلية.
أشار بنك «رابوبنك» الهولندي إلى أن استمرار ارتفاع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية يعكس شكوك المستثمرين بشأن قدرة باريس على استعادة الانضباط المالي.
أوضحت كبيرة الاقتصاديين لمنطقة اليورو لدى البنك، مارتجه فيفلارس، أن استمرار الضغوط السياسية يعقد استعادة الثقة، رغم تراجع احتمالات تدخل المركزي الأوروبي بصورة عاجلة.
كما لفت البنك إلى أن مستويات العوائد المرتفعة تزيد أهمية المصداقية المالية، خصوصاً مع حاجة الحكومات إلى تمويل العجز وإعادة إصدار الديون المستحقة.
توقع بنك «رابوبنك» رفع المركزي الأوروبي الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال ديسمبر، ليصل سعر الفائدة على الودائع إلى 2.75%، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.
أوضح البنك أن التضخم المتجدد يدعم التشديد النقدي، لكن ضعف النمو يزيد مخاطر انتقال ارتفاع تكاليف التمويل إلى الاستثمار والاستهلاك والمالية العامة.
كذلك رجح استمرار صعوبة المفاضلة بين استقرار الأسعار والنشاط الاقتصادي، خصوصاً إذا ظلت الضغوط التضخمية مرتبطة بالطاقة أكثر من الطلب المحلي.
أشارت كبيرة استراتيجيي العملات والنفط لدى بنك «إيه بي إن أمرو»، جورجيت بويل، إلى أن اتساع فروق العوائد لمصلحة الولايات المتحدة ضغط على اليورو.
وأوضحت أن المخاطر المالية والسياسية الفرنسية أضافت ضغوطاً على العملة الموحدة، مع اتساع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية.
كذلك أبقى البنك توقعاته لليورو عند 1.15 دولار بنهاية 2026، مرجحاً انحسار الضغوط إذا اقترب تسعير الأسواق للفائدة من تقديراته الأقل تشدداً.
أوضحت المفوضية الأوروبية أن مواجهة صدمات الطاقة تفرض مفاضلة بين احتواء التضخم ودعم النمو والحفاظ على استدامة المالية العامة في الاقتصادات مرتفعة المديونية.
وأشارت إلى أن التوسع في الدعم والإنفاق الحكومي قد يخفف الأعباء الاقتصادية مؤقتاً، لكنه قد يضيف ضغوطاً تضخمية ومالية تستدعي إجراءات نقدية أكثر تشدداً.
كذلك لفتت إلى أن ضبط الإنفاق يساعد في احتواء العجز، لكنه قد يضعف النشاط الاقتصادي ويزيد صعوبة معالجة التوترات الاجتماعية المرتبطة بتكاليف المعيشة.
أشار بنك «إيه بي إن أمرو» إلى أن ارتفاع العوائد الأوروبية واتساع فروق السندات السيادية يعكسان مخاوف مالية متزايدة، إلى جانب توقعات التشديد النقدي.
وتوقع البنك تراجع العوائد لاحقاً إذا اقتربت الأسواق من تقديراته الأقل تشدداً للفائدة، لكنه ربط تحسن الثقة الفرنسية بانحسار عدم اليقين المالي والسياسي.
كما أوضحت تقديرات المؤسسات أن المفاضلة تبقى بين مكافحة التضخم، حماية النمو، واحتواء اضطرابات السندات؛ وهي خيارات تتفاوت تكلفتها على الحكومات والمواطنين.