التقشف يصطدم بالغضب الشعبي
المركزي الأوروبي يواجه اختبار التدخل

اتسعت الفجوة بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى مستويات أعادت مخاوف أزمة الديون السيادية الأوروبية، بعدما أثارت الاحتجاجات تساؤلات بشأن قدرة باريس على ضبط ماليتها.
تزامنت اضطرابات الشارع الفرنسي مع مناقشات ميزانية تتضمن إجراءات تقشفية، بينما تضغط المفوضية الأوروبية لخفض العجز، وسط معارضة شعبية وبرلمانية لخطط الحكومة المالية.
أعادت التطورات اختبار تماسك منطقة اليورو، مع ارتفاع تكلفة الاقتراض الفرنسي وتحذيرات مؤسسات مالية من انتقال الاضطرابات إلى اقتصادات أخرى مثقلة بالديون الحكومية.
أشار كبير الاقتصاديين لدى بنك «إي إف جي إنترناشيونال» السويسري، غانلويغي ماندروزاتو، إلى أن فارق العوائد الفرنسية والألمانية تجاوز 150 نقطة أساس، مسجلاً مستويات لم تشهدها الأسواق منذ أواخر 2011.
أوضح أن أزمة الديون السيادية الأوروبية كشفت اختلاف مخاطر الدول رغم اشتراكها في العملة، بينما امتدت الضغوط آنذاك من اليونان إلى اقتصادات أكبر، مع ارتفاع مخاوف المستثمرين بشأن الاستدامة المالية.
واستبعد ماندروزاتو وجود أزمة ملاءة وشيكة في فرنسا، مشيراً إلى أن آجال استحقاق الدين الطويلة وفروق العوائد الأقل حدة على السندات القصيرة يميزان وضعها الحالي عن أزمة التعثر اليونانية.
أشار كبير استراتيجيي أسعار الفائدة لدى بنك «آي إن جي» الهولندي، بنيامين شرودر، إلى أن الاحتجاجات الفرنسية عززت مخاوف المستثمرين من عجز الحكومات المقبلة عن تنفيذ الإصلاحات المالية المطلوبة.
أوضح أن الفارق تجاوز النطاق المتوقع بين 125 و150 نقطة أساس، بعدما بلغ 158 نقطة أساس خلال تعاملات الثلاثاء، مقارنة بإغلاق الاثنين عند 147 نقطة أساس، وسط تصاعد الاضطرابات السياسية.
ورجح استمرار ضغوط البيع على السندات الفرنسية، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، مشيراً إلى أن تجنب القرارات المالية غير الشعبية يقلص فرص استعادة ثقة المستثمرين في المدى القريب.
أشارت المفوضية الأوروبية إلى أن الدين العام الفرنسي مرشح لبلوغ 120.2% من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2027، مقارنة بنحو 115.6% خلال 2025، مع استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض.
وأوضحت أن العجز الأولي ومدفوعات الفوائد يدفعان المديونية للصعود، بينما تواجه باريس التزامات أوروبية لتصحيح أوضاعها المالية بعدما تجاوز العجز السقف المحدد عند 3% من الناتج المحلي.
كذلك حذر صندوق النقد الدولي من أن استمرار العجز المرتفع يعرض الدين لمخاطر متزايدة، داعياً إلى تصحيح مالي تدريجي ومستدام، مع تحسين كفاءة الإنفاق وتعزيز مصداقية الخطط الحكومية متوسطة الأجل.
أوضحت كبيرة الاقتصاديين لدى بنك «آي إن جي»، شارلوت دي مونبلييه، أن الحكومة الفرنسية تستهدف خفض العجز إلى 5% خلال 2027، مقابل 5.4% متوقعة خلال 2026، رغم الضغوط السياسية.
كشفت أن خطة التصحيح المالي تبلغ 54 مليار يورو، بينها إجراءات بقيمة 43 مليار يورو، تشمل تعديلات ضريبية وتجميد بعض بنود الإنفاق والمزايا الاجتماعية، وسط اعتراضات واسعة.
رجحت استمرار ارتفاع الدين إلى 121.7% من الناتج المحلي خلال 2027 حتى مع تطبيق الميزانية، مشيرة إلى أن الإجراءات المقترحة لا تكفي وحدها لإعادة المديونية إلى مسار مستقر.
أشار كبير مسؤولي الاستثمار في ألمانيا لدى بنك «دويتشه بنك»، أولريش شتيفان، إلى أن إجراءات التقشف البالغة 54 مليار يورو تواجه عقبات سياسية وبرلمانية، ما يزيد صعوبة إقرارها وتنفيذها.
وأوضح أن غياب التوافق بشأن تمويل التخفيضات المطلوبة يرجح استمرار ارتفاع علاوة المخاطر وتقلب العوائد الفرنسية، مع مراقبة المستثمرين قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية.
كما اعتبر أن الأسواق استوعبت جزءاً من المخاطر، بينما قد توفر السندات الفرنسية فرصاً استثمارية متوسطة الأجل، رغم استمرار عدم اليقين بشأن الميزانية والانتخابات المقبلة.
أوضحت المفوضية الأوروبية أن فرنسا تخضع لإجراءات العجز المفرط، بعدما تجاوز عجزها السقف الأوروبي؛ ما يفرض تقديم مسار لتصحيح المالية العامة يتوافق مع القواعد الاقتصادية المشتركة.
صندوق النقد الدولي أشار إلى أن اعتماد خطة مالية متعددة السنوات يمثل ضرورة لتعزيز الثقة، موصياً بتركيز التصحيح على كفاءة الإنفاق وإغلاق الثغرات الضريبية بدلاً من الاعتماد على زيادات ضريبية مؤقتة.
ورجح بنك «إي إف جي إنترناشيونال» استمرار الضغوط على السندات الفرنسية قبل الانتخابات، مع صعوبة تنفيذ إجراءات خفض العجز، رغم عدم وجود مؤشرات على أزمة تعثر سيادي وشيكة.
أشار كبير الاقتصاديين لمنطقة اليورو لدى بنك «آي إن جي»، بيتر فان دن هوت، إلى أن اتساع فروق العوائد يضع البنك المركزي الأوروبي أمام اختبار حماية انتقال السياسة النقدية بين الدول الأعضاء.
أوضح البنك المركزي الأوروبي أن أداة حماية انتقال السياسة النقدية تسمح بشراء السندات عند اضطرابات السوق غير المبررة، لكنها تتطلب مراعاة الاستدامة المالية والالتزام بالقواعد الأوروبية.
وأشار بنك «إي إف جي إنترناشيونال» إلى أن خضوع فرنسا لإجراءات العجز المفرط يعقد التدخل المبكر، بينما يزيد انتقال الاضطرابات إلى الدول المثقلة بالديون مخاطر الصدمات المالية الأوسع.
كبير الاقتصاديين لدى بنك «إي إف جي إنترناشيونال» السويسري، غانلويغي ماندروزاتو أوضح أن الضغوط الفرنسية امتدت بالفعل إلى فروق عوائد السندات في إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا والبرتغال واليونان، مع تزايد المخاوف بشأن استقرار أسواق الدين الأوروبية.
وأشار إلى أن البنوك وشركات التأمين الأوروبية تعرضت لضغوط بسبب حيازاتها من السندات الحكومية، بينما يهدد تشديد شروط التمويل بإضعاف الطلب على القروض وربحية المؤسسات المالية.
أما إستراتيجيو «آي إن جي» فرجحوا أن يدفع اتساع الاضطرابات البنك المركزي الأوروبي إلى مراجعة وتيرة تقليص ميزانيته أو دراسة أدوات حماية إضافية، إذا امتدت العدوى إلى أسواق الدين الأخرى.