
تلوح في الأفق موجة جديدة من الضغوط المعيشية على المواطنين في ليبيا، مع بدء ارتفاع أسعار الخبز في بعض المناطق، وسط تحذيرات من اتساع نطاق الزيادة خلال الأيام المقبلة.
ويأتي ذلك في توقيت حساس يشهد زيادة في معدلات الاستهلاك مع قرب بدء المدارس، بينما تواجه المخابز ارتفاعاً متزامناً في أسعار الدقيق والوقود وتكاليف الكهرباء والتشغيل، ما يضع الرغيف في قلب معادلة اقتصادية صعبة بين كلفة الإنتاج وقدرة المواطنين الشرائية.
ويرى خبير اقتصادي ليبي، متحدثاً لـ «إرم بزنس»، أن ارتفاع سعر الخبز مع باستمرار انقطاعات التيار الكهربائي والزيادة في تكاليف التشغيل والإنتاج، يعد «اختباراً صعباً للمواطنين، خاصة مع أشهر زيادة الاستهلاك بموسم الصيف وبدء المدارس قريباً»، وسط ترجيح ضعيف في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية أن تلجأ الحكومة لاستيراد شحنات دقيق أو دعم التجار بفارق السعر لتخفيف الأزمة.
فيما حذر مسؤول من هيئة الرقابة تحدث لـ«إرم بزنس»، من «تحول المشكلة من ارتفاع في سعر الرغيف إلى موجة أوسع من التضخم وتراجع القوة الشرائية».
ونقلت وسائل إعلام ليبية، مساء الاثنين، عن شهود عيان، أن «سكان جنزور (في طرابلس غربي البلاد) واجهوا ارتفاعاً في أسعار الخبز بعدد من المخابز، إذ وصل سعر الرغيف الواحد إلى 75 قرشاً (الدولار يساوي نحو 9.20 دينار بالسوق الموازية)، ارتباطاً بزيادة تكاليف الإنتاج، وفي مقدمتها أسعار الدقيق التي بلغت 280 ديناراً للقنطار، إلى جانب ارتفاع سعر الوقود إلى 7 دنانير للتر في وقت تشهد فيه العاصمة انقطاعاً للتيار الكهربائي خلال الأيام الماضية، الأمر الذي انعكس على تكاليف تشغيل المخابز».
ولم يصدر تأكيد رسمي بشأن ذلك الارتفاع المتوقع وإمكانية تعميم على شرق وغرب وجنوب البلاد، لكن بحسب ما نقلته وكالة الأنباء اللبيبة الرسمية في 15 أغسطس الجاري، قال نقيب الخبازين في بنغازي (شرق)، محمود العريبي، إن ارتفاع أسعار الخبز أصبح حتمياً في ظل الزيادة المتواصلة في تكاليف الإنتاج والوقود وانقطاعات الكهرباء، ما لم تتدخل الدولة لمعالجة أسباب الأزمة.
ووفق رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية المحلل الاقتصادي، خالد بوزعكوك، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن إعلان أحد المخابز في مدينة طرابلس رفع سعر رغيف الخبز الواحد إلى دينار إلا ربع الدينار بداية للزيادة واختباراً صعباً للمواطنين، متوقعاً رفع سعر الرغيف في شرق وغرب وجنوب ليبيا، مع انتهاء مهلة قطاع المخابز الخميس المقبل ما لم تتدخل وزارة الاقتصاد في إيجاد حل لارتفاع سعر الدقيق بصورة عاجلة.
وأشار بوزعكوك إلى أنه على الرغم من وعد حكومي سابق بتوفير دقيق مدعوم بنسبة تتراوح بين 20% إلى 30% للمخابز، إلا أن الواقع يشير إلى توقف الدعم الفعلي، موضحاً أن منظومة الدعم التي كانت تديرها شركة السلع التموينية قبل عام 2011، ثم انتقلت إلى صندوق موازنة الأسعار، قد توقفت عن العمل منذ 2020 نتيجة المديونيات الكبيرة التي وصلت إلى مليار دينار لصالح الشركات المطاحن.
وحول الأسعار الحالية في السوق، أشار خالد بوزعكوك إلى أن المخابز تشتري الدقيق حالياً من السوق الحرة ومن التجار، حيث قفز سعر قنطار الدقيق من 260 ديناراً قبل شهر إلى ما بين 320 و340 ديناراً حالياً، وينعكس ذلك على المواطن، حيث يباع حالياً 4 أرغفة من الخبز بدينار ليبي واحد، بينما من المتوقع في حال إقرار الزيادة أن يباع رغيفان فقط بدينار واحد.
يضاف إلى ذلك تحديات أخرى تساهم في رفع التكاليف، منها استمرار أزمات الكهرباء ونقص الوقود، وارتفاع سعر صرف الدولار الذي وصل في السوق الموازية إلى 9.20 دينار، ما يرفع تكلفة الإنتاج وأجور العمالة الواحدة وإيجارات المخابز، بحسب بوزعكوك، محذراً من أن هذا الارتفاع لن يقتصر على الخبز فقط، بل سيشمل المخبوزات والحلويات والمطاعم كافة، ما يؤدي إلى تأثيرات سلبية واسعة على الاقتصاد الليبي.
كما حذر بوزعكوك من أن هذه الأزمة تأتي في وقت حساس مع اقتراب موسم المدارس بعد نحو 10 إلى 15 يوماً، حيث يرتفع استهلاك العائلات من الخبز، بالإضافة إلى ضغط موسم الصيف، الذي تستهلك فيه العائلة المكونة من 4 إلى 5 أفراد ما بين 20 إلى 30 رغيفاً يومياً، ما يجعل أي زيادة في السعر عبئاً كبيراً على كاهل رب الأسرة، خاصة أن معدل دخل المواطن الليبي يتراوح بين 1000 إلى 2000 دينار شهرياً.
وارتفعت أسعار السلع الغذائية بنسبة 45% منذ 2022، وارتفعت أسعار الغذاء في ليبيا 18% مقارنة بالعام الماضي، بحسب رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية المحلل الاقتصادي، خالد بوزعكوك.
وبوضع الأزمة أمام زير الدولة لشؤون الاقتصاد السابق ورئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار الليبي الحالي، الدكتور سلامة الغويل، قال لـ«إرم بزنس»، إن «ارتفاع سعر الخبز في ليبيا ليس قضية سلعة واحدة، بل مؤشر على ضغوط أعمق في الاقتصاد الوطني، في ظل مؤشرات بينها خُفّض سعر الدينار رسميًا بنسبة 14.7% في يناير 2026، وارتفاع أسعار الدقيق، ونقص وقود الديزل، وانقطاع الكهرباء واضطرار بعض المخابز إلى الحصول على الوقود بتكاليف أعلى».
وشدد على أن «الخبز له خصوصية شديدة. فهو سلعة أساسية لا يستطيع المواطن الاستغناء عنها بسهولة؛ ولذلك فإن ارتفاع سعره يضغط مباشرة على ميزانية الأسرة، خصوصاً أصحاب الدخول المحدودة، ويقلل ما يتبقى للدواء والتعليم والنقل وبقية الاحتياجات».
وأضاف الغويل: «عندما ترتفع سلعة أساسية بهذا الحجم، فإنها تعزز توقعات الغلاء في السوق، وقد تدفع قطاعات أخرى إلى إعادة تسعير منتجاتها، فتتحول المشكلة من ارتفاع في سعر الرغيف إلى موجة أوسع من التضخم وتراجع القوة الشرائية، لافتاً إلى أن وزارة الاقتصاد بدأت في هذا الصد، بالفعل عبر إجراءات لتنظيم استيراد الحبوب وربطه بالطاقات الإنتاجية الفعلية ومكافحة المضاربة.
وبرأي الغويل، فإنه لا يجب أن تكون المعالجة بمجرد تحديد سعر إداري للرغيف؛ لأن إجبار المخبز على البيع بأقل من التكلفة قد يؤدي إلى نقص الخبز أو تراجع الجودة أو إغلاق بعض المخابز. أو ترك الأسعار دون رقابة ومنافسة حقيقية يحمّل المواطن كامل فاتورة الاختلالات.
وشدد المسؤول الرقابي الليبي، سلامة الغويل، على أن المطلوب مسار متكامل يشمل استقرار سعر الصرف، وتوفير الدقيق والوقود والكهرباء للمطاحن والمخابز، ومراقبة حلقات الاستيراد والتوزيع لمنع الاحتكار والمضاربة، وبناء مخزون استراتيجي من الحبوب، ودعم الإنتاج المحلي حيثما كان ذلك اقتصادياً ممكناً، مع توجيه الحماية الاجتماعية مباشرة إلى الفئات الأكثر احتياجاً.