
تواجه مصر منذ بداية عام 2022 واحدة من أصعب المراحل الاقتصادية في تاريخها الحديث، مع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية وتباطؤ النمو الحقيقي للدخل. ومع اتساع الضغوط المعيشية، بدأت انعكاسات الأزمة تتجاوز مؤشرات الاقتصاد الكلي لتطال تفاصيل الحياة اليومية، وصولاً إلى السلوك المالي والاجتماعي للأفراد.
ومن أبرز هذه التحولات بروز الإكراميات، أو ما يُعرف محلياً بـ«البقشيش»، كظاهرة اقتصادية ذات أبعاد متشابكة، بعد أن كانت مجرد عادة اجتماعية تعبّر عن التقدير والامتنان.
«الإكرامية» في جوهرها ممارسة قديمة تعكس ثقافة اجتماعية متجذّرة، إلا أن تطورات الاقتصاد الكلي خلال الأعوام الأخيرة أعادت صياغة معناها ووظيفتها. فمع انخفاض الأجور الحقيقية وتآكل القوة الشرائية، باتت «الإكرامية» بالنسبة لفئات واسعة من العاملين في قطاع الخدمات مصدر دخل إضافي يوازي في أهميته الراتب الأساسي.
وفي المقابل، أصبحت بالنسبة لشرائح من المستهلكين تكلفة غير مباشرة للخدمة تضيف عبئاً جديداً على الإنفاق اليومي.
تراجع الجنيه المصري بشكل حاد خلال السنوات الماضية، إذ انخفضت قيمته من نحو 18 دولاراً لكل 100 جنيه في عام 2010 إلى حوالي 2 دولار فقط في 2025. ويرافق هذا التراجع المستمر موجات تضخمية متكررة، وصلت ذروتها إلى 38% في إحدى السنوات، ما انعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع تكلفة المعيشة.
ورغم الانخفاض النسبي في معدلات التضخم عقب حزمة المساعدات المالية المقدمة من «صندوق النقد الدولي» (IMF) والشركاء الإقليميين، فإن الضغوط على الدخول الحقيقية لا تزال قائمة. فالأجور لم ترتفع بالوتيرة نفسها التي ارتفعت بها الأسعار، ما أدى إلى فجوة بين الدخل الفعلي وتكاليف المعيشة.
وفي ظل هذا الاختلال، توسّعت الإكراميات لتصبح جزءاً من المعادلة الاقتصادية اليومية، إذ يعتمد عليها العاملون لتعويض تراجع الأجور، فيما يتعامل معها المواطنون كتكلفة غير رسمية للخدمة.
من منظور اقتصادي، يمكن النظر إلى انتشار «الإكراميات» كنتيجة لاختلال في آلية تسعير الخدمة. فحين لا يغطي المقابل المادي الرسمي تكلفة الجهد المبذول، يسعى العامل لتعويض هذا النقص عبر مقابل إضافي غير محدد سلفاً.
في المقابل، يقبل المستهلك الدفع إذا شعر أن الخدمة المقدَّمة تستحق أو لتجنّب بطء الإجراءات. وهكذا تتحوّل الإكرامية إلى «آلية توازن غير رسمية» بين العرض والطلب، لكنها تبقى خارج نطاق الشفافية والمحاسبة، ما يجعلها في الوقت نفسه مؤشراً على قصور هيكلي في سوق العمل.
هذه الظاهرة ليست محصورة بالقطاع الخاص أو الخدمي، بل تمتد إلى مؤسسات عامة، حيث يؤدي انخفاض الأجور إلى الاعتماد على ما يسمى بـ«الدخل التكميلي»، سواء كان في شكل إكراميات رمزية أو مساعدات مالية. وهي ممارسة تعكس تحدياً مؤسسياً أكثر مما تعبّر عن انحراف سلوكي، إذ ترتبط بضعف هيكل الأجور الرسمي وتآكل الحوافز داخل الجهاز الإداري.
تقدّر بيانات رسمية أن نحو 30% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، وهي نسبة يُرجّح أنها ارتفعت مع تداعيات جائحة كورونا والأزمات المالية الأخيرة. في هذا السياق، أصبحت «الإكرامية» لدى بعض الشرائح وسيلة لإعادة توزيع الدخل بطرق غير رسمية، تساعد على تخفيف التفاوت الاجتماعي، لكنها في الوقت نفسه تُضعف الثقة في كفاءة المؤسسات وتُكرّس الاعتماد على الاقتصاد غير المنظم.
كما أن انتشار ثقافة الدفع غير الرسمي يُحدث أثراً تضخمياً إضافياً، إذ تُحتسب هذه المدفوعات في النهاية ضمن التكاليف غير المباشرة للخدمة، ما يؤدي إلى زيادة الأسعار تدريجياً، ويؤثر على سلوك الاستهلاك والادخار لدى الأسر، خاصة في الطبقة الوسطى التي تتحمّل العبء الأكبر من ارتفاع الأسعار وتقلّص الدخول.
الحد من توسّع «الإكراميات» لا يمكن تحقيقه عبر المنع أو الحملات الأخلاقية فقط، بل من خلال إصلاحات اقتصادية وهيكلية تضمن العدالة في توزيع الدخل وشفافية تقديم الخدمات. ويتطلّب ذلك ربط الأجور بمعدلات التضخم الحقيقية، وإعادة تقييم الحد الأدنى للأجور دورياً وفق مؤشر الأسعار.
ويُعد التحول الرقمي في الخدمات الحكومية خطوة أساسية لتقليل التفاعل المباشر بين الموظف والمواطن، ما يقلل فرص الدفع غير الرسمي ويعزّز الشفافية.
توسيع مظلة الحماية الاجتماعية يشكّل أيضاً محوراً ضرورياً في معالجة الظاهرة. فبرامج مثل «تكافل وكرامة» إلى جانب تطبيق التأمين الصحي الشامل يمكن أن تخفف الضغوط المعيشية عن العاملين في القطاعات منخفضة الدخل، وتقلل اعتمادهم على مصادر دخل غير منتظمة.
إلى جانب ذلك، يمكن للقطاع الخاص أن يسهم في الحل عبر تنظيم نظام شفاف لتوزيع رسوم الخدمة وتوضيحها في الفواتير، بما يضمن حصول العاملين على مستحقاتهم دون الحاجة إلى الإكراميات المباشرة.