بو حليقة: انتظام توافر السلع أساس استفادة المستهلك وتراجع التقلبات

تعزيز المخزون الغذائي يمنح الأسواق قدرة أكبر على التعامل مع تأخر الشحنات واضطراب الاستيراد، لكنه يطرح أيضاً سؤالاً يهم المستهلك: كيف تنعكس هذه الجاهزية على توافر السلع، واستقرار فاتورة الغذاء؟
في قطر، أعلن وزير التجارة والصناعة، الشيخ فيصل بن ثاني بن فيصل آل ثاني، ارتفاع المخزون الغذائي الإستراتيجي بنسبة 40% منذ بداية الأزمة الإقليمية، في إطار جهود تأمين الاحتياجات، والحفاظ على حركة السلع من الدولة وإليها، وفقاً لما نشرته الوزارة بشأن مشاركته في منتدى بلومبرغ للاقتصاد الجديد بنيودلهي خلال أكتوبر الجاري. وزارة التجارة والصناعة
وتعبّر النسبة عن مقارنة بالمخزون عند بداية الأزمة، ولا تعني زيادة إضافية على آخر رصيد معلن، كما لا تكفي وحدها لتحديد عدد الأشهر التي يغطيها المخزون أو مقدار تأثيره على أسعار التجزئة.
وفي تصريحات لـ«إرم بزنس»، يربط الخبير الاقتصادي ورئيس الاتحاد العربي للذكاء الاصطناعي والبرمجة، بدر بن دلهم الهاجري، استدامة الأمن الغذائي بالتوازن بين الاحتياطي والإنتاج المحلي وتنويع الاستيراد. فيما يرى المحلل الاقتصادي القطري، يوسف بو حليقة، أن انتظام توافر السلع، وتراجع تقلبات أسعارها، يجب أن يكونا في صلب قياس استفادة المستهلك.
يرى الهاجري أن زيادة المخزون تعكس الاستعداد المبكر لمواجهة الاضطرابات، لكنها جزء من منظومة أوسع؛ فالاحتياطي يوفر خط دفاع أول عند تعطل الإمدادات، بينما يدعم الإنتاج المحلي استمراريتها، ويقلل الاعتماد على الخارج على المدى الطويل.
ويؤكد أهمية مواصلة الاستثمار في التقنيات الزراعية الحديثة والصناعات الغذائية، بالتوازي مع تنويع مصادر الاستيراد، بما يوازن بين الجاهزية للطوارئ والاستدامة الاقتصادية.
وبحسب تقديره، يتيح هذا التكامل التعامل مع التحديات قبل تحولها إلى نقص في السوق، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة آثارها بعد وقوعها.
ويتفق بو حليقة على أهمية الجمع بين المسارات الثلاثة، معتبراً أن خطط الإنتاج المحلي وتعدد مصادر التوريد عززت قدرة قطر على مواجهة الطوارئ. ويصف المخزون بأنه وسيلة لامتصاص الصدمات بين العرض والطلب، تساعد على الحد من التقلبات الحادة عندما تتعرض الإمدادات للضغط.
ويشير إلى دور شركة «حصاد الغذائية» في تأمين الإمدادات عبر مسارات متعددة والتنسيق مع الجهات المعنية لرصد احتياجات السوق والفجوات المحتملة.
وفي هذا السياق، سبق أن عرضت وكالة الأنباء القطرية «قنا»، في تقرير نشرته في أبريل 2026، إجراءات للشركة شملت إمدادات غذائية استثنائية ومتابعة السوق بالتنسيق مع وزارة التجارة والصناعة وشركاء لوجستيين. وتوضح هذه الإجراءات أحد المسارات التشغيلية لدعم الإمدادات، دون أن تشكل بمفردها قياساً لأثرها السعري.
يرى بو حليقة أن زيادة المخزون تساعد على استقرار السوق، لكن استمرار ارتفاع سعر سلعة رغم توافرها يستدعي فحص سلسلة تكاليفها، بدلاً من الاكتفاء بالنظر إلى حجم الاحتياطي.
ويضع ضمن العوامل التي ينبغي مراجعتها تكاليف المدخلات وسلاسل الإمداد، والممارسات التي قد تحد من المنافسة، إلى جانب التضخم والمتغيرات المالية والجيوسياسية. ويدعو ذلك، وفق تحليله، إلى التمييز بين ضغط ناتج عن ارتفاع كلفة توريد السلعة، وآخر يرتبط بطريقة توزيعها، وتسعيرها داخل السوق.
ويشير أيضاً إلى تأثير العملات في التجارة الدولية. وفي الحالة القطرية، تجب قراءة هذا العامل مع مراعاة ارتباط الريال بالدولار عند 3.64 ريال للدولار، وفقاً لمصرف قطر المركزي، ما يجعل أثر تقلب العملات الأخرى مرتبطاً بعملة التعاقد وبلد المنشأ، وليس بتغير سعر الريال أمام الدولار.
من جانبه، يؤكد الهاجري أن الأمن الغذائي يشمل قدرة المستهلك على الحصول على السلع بأسعار مناسبة، إلى جانب توافرها. ولذلك يربط توسيع مشاركة الشركات بوجود بيئة تنافسية عادلة، ورقابة فعالة تمنع الاحتكار، وتحمي مصالح المستهلك.
ويرى أن الدولة تضطلع بوضع الأطر الإستراتيجية والتنظيمية، بينما يستطيع القطاع الخاص الاستثمار والابتكار ورفع كفاءة التشغيل. ويتيح التكامل بين الطرفين، بحسب تقديره، تعزيز مرونة السوق دون تحميل المستهلك أعباء غير مبررة.
ويمتد أثر تعزيز الاحتياطي، وفق الهاجري، إلى فرص للشركات القطرية في التخزين والتبريد والنقل والتوزيع والصناعات الغذائية، بما يربط احتياجات الأمن الغذائي بأنشطة اقتصادية ذات قيمة مضافة.
ويرى أن هذه المجالات تتيح توظيف تقنيات حديثة لإدارة الإمدادات وتقليل الفاقد، وتطوير خدمات تدعم كفاءة حركة الغذاء من الاستيراد أو الإنتاج إلى المستهلك.
لكن الفرصة، في تقديره، تحتاج إلى شراكة واضحة بين القطاعين العام والخاص، وتشجيع الاستثمار الوطني في مختلف حلقات المنظومة، مع الحفاظ على المنافسة. فرفع الطاقة التخزينية وتطوير النقل والإنتاج تصبح أكثر فائدة عندما تعمل ضمن شبكة متكاملة تستجيب لاحتياجات السوق.
ويعتبر أن تحويل متطلبات الجاهزية إلى استثمارات إنتاجية وخدمية مستدامة يعزز نمو الشركات الوطنية وقدرتها التنافسية، بدلاً من حصر الإنفاق في الاستجابة المؤقتة للأزمات.
أما بو حليقة فيقترح النظر إلى استفادة المستهلك من خلال 3 مؤشرات مترابطة: انتظام توافر السلع، وتراجع تقلباتها السعرية، ومستوى أسعارها الأساسية.
ويعطي الأولوية لاستمرار التوافر باعتباره القاعدة التي تبنى عليها بقية الفوائد، ثم انخفاض التقلبات بما يمنح الأسر قدراً أكبر من الاستقرار في الإنفاق. ويحذّر من قراءة السعر منفرداً، لأن الحكم على وضع السوق يحتاج إلى معرفة مدى انتظام وصول السلعة، وجودتها، وتكاليفها، واستمرار إمكانية الحصول عليها.