ميزانية قاسية تختبر الحكومة
الدين يقترب من مناطق الخطر

تدخل فرنسا معركة ميزانية جديدة تحت ضغط مزدوج من برلمان منقسم وسوق سندات يطالب بعلاوة متزايدة لحمل ديونها، بعدما أطاحت صراعات الموازنة بحكومتين خلال أقل من عامين.
وتستعد حكومة سيباستيان ليكورنو لطرح موازنة 2027 وسط ارتفاع حاد في تكلفة الاقتراض، بعدما خفضت الحكومة توقعات النمو وارتفعت فاتورة الفائدة ودعم الطاقة واتسعت فجوة العوائد مع ألمانيا.
ويأتي الاختبار بعدما تجاوزت علاوة المخاطر على السندات الفرنسية نظيرتها الألمانية 100 نقطة أساس للمرة الأولى منذ أزمة ديون منطقة اليورو، فيما تحذر البنوك من استمرار الضغط خلال الأشهر المقبلة.
كتب استراتيجيا أسعار الفائدة لدى «آي إن جي»، بنجامين شرودر وميشيل توكر، في مذكرة للعملاء أن الوقت لا يعمل لمصلحة فروق السندات الفرنسية، مع استمرار العجز المرتفع واقتراب انتخابات تزيد صعوبة تمرير إصلاحات مالية.
وتوقع البنك بقاء الفارق بين السندات الفرنسية والألمانية لأجل 10 سنوات في نطاق 100 إلى 125 نقطة أساس خلال الأشهر المقبلة، مع مخاطر استمرار الضغط على الديون الفرنسية.
وأشار «آي إن جي» في تقريره إلى أن المشكلة لن تنتهي بإقرار الموازنة، إذ ينتقل التركيز بعدها إلى الانتخابات الرئاسية والتشريعية وتشكيل الحكومة ومسار الدين، ما يبقي علاوة المخاطر مرتفعة لفترة أطول.
تعتزم حكومة ليكورنو تنفيذ جهد مالي بنحو 54 مليار يورو في موازنة 2027، في محاولة لإبقاء العجز قرب 5% من الناتج، بعدما تتوقع الحكومة بلوغه 5.4% خلال العام الحالي.
تشمل الخيارات تجميد أجزاء من الإنفاق الحكومي وكبح نمو المعاشات والمزايا الاجتماعية، وهي إجراءات تواجه مقاومة داخل جمعية وطنية منقسمة لا تملك فيها الحكومة أغلبية مستقرة.
وحذّر المدير الإداري لأوروبا لدى «مجموعة أوراسيا»، مجتبى رحمن، في مذكرة من أن مشروع الموازنة الصعب يهدد بإسقاط الحكومة، رغم رغبة واسعة في تجنب أزمة جديدة قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.
شهدت فرنسا سقوط حكومتين منذ الانتخابات المبكرة في صيف 2024، بعدما خسرت حكومة ميشيل بارنييه تصويت حجب الثقة في ديسمبر 2024، ثم سقطت حكومة فرانسوا بايرو في سبتمبر 2025.
وقال رحمن إن ليكورنو قد يفضّل تمرير موازنة قاسية حتى لو رفعت مخاطر سقوط حكومته، باعتبارها بداية ضرورية لتنظيف المالية العامة الفرنسية بعد سنوات من اتساع العجز والدين.
أوضح أن رئيس الوزراء قد يلجأ إلى تنازلات محدودة مع الأحزاب المنافسة أو استخدام أدوات دستورية خاصة لتمرير الموازنة إذا تعثرت المفاوضات داخل البرلمان.
تتوقع وزارة المالية الفرنسية ارتفاع الدين العام إلى مستوى قياسي يبلغ 119.3% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، قبل أن يصعد إلى 121.7% خلال العام المقبل.
كما تتوقع الوزارة تسجيل عجز عند 5.4% هذا العام، بينما أصبحت خدمة الدين أكبر بند منفرد في الموازنة بتكلفة تقدر بنحو 65 مليار يورو، أعلى بنحو 4.5 مليار من التقديرات السابقة.
وأكد وزير المالية رولان ليسكور ضيق الهامش المتاح للحكومة، بعدما خفضت باريس توقعات النمو لعام 2026 إلى 0.5% في ظل ارتفاع الطاقة وتكاليف الاقتراض وعدم اليقين السياسي.
قال «بي إن بي باريبا» في تقرير إن ارتفاع العوائد السيادية يزيد صعوبة ضبط المالية العامة، خصوصاً مع ارتفاع نسب الدين وضعف النمو، بما يقلص قدرة الحكومات على تأجيل الإصلاحات المالية.
وتوقع البنك نمواً ضعيفاً للاقتصاد الفرنسي قبل تحسن محدود لاحقاً، مع استمرار صعود الدين ومخاطر إضافية مرتبطة بارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي.
وقال المدير المالي لدى «بي إن بي باريبا»، لارس ماتشينيل، إن خفض الدين أصبح ضرورياً، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى وجود رغبة سياسية في إنجاز الموازنة وأن التقدم في المفاوضات يسير بصورة مقبولة حتى الآن.
كتب استراتيجي أسعار الفائدة الأوروبية لدى «إتش إس بي سي»، كريس أتفيلد، في مذكرة للمستثمرين أن اتساع الفارق بين فرنسا وألمانيا تجاوز بالفعل ما كان البنك يتوقعه بالنظر إلى مستوى الدين الفرنسي.
ولفت أتفيلد إلى أن ملكية المستثمرين غير المقيمين للسندات الفرنسية تتجاوز 50%، ما يرفع حساسية السوق إذا أصبحت هذه الأموال أقل استعداداً للاحتفاظ بالدين عند تصاعد المخاطر السياسية.
أضاف أن السؤال الأهم هو من سيعوض أي تراجع في الطلب الأجنبي، وبأي عائد سيقبل المستثمر البديل زيادة حيازاته من السندات الفرنسية.
أشار «آي إن جي» في تقرير إلى أن ضعف النشاط وارتفاع دعم الطاقة ومصروفات الفائدة أسهمت جميعاً في تدهور نقطة البداية المالية لموازنة 2027، بعدما قلصت الحكومة تقديرات النمو وارتفع الإنفاق.
أوضح البنك أن ارتفاع تكاليف خدمة الدين سيستهلك جزءاً أكبر من أي جهود تقشفية جديدة، ما يقلص الأموال المتاحة لخفض العجز الفعلي.
وتقدر الحكومة أن العجز قد يصل إلى 6.5% من الناتج في 2027 من دون إجراءات تصحيحية جديدة، وهو ما يفسر حجم الجهد المالي المستهدف في مشروع الموازنة.
كتب «آي إن جي» في مذكرة للعملاء أن البنك المركزي الأوروبي قد لا يتدخل لمجرد اتساع تدريجي في فروق العوائد، خصوصاً ما دامت الأسواق تعمل بصورة منظمة ولا تظهر مؤشرات على انتقال الأزمة إلى بقية المنطقة.
أشار «إتش إس بي سي» إلى أن تدخل البنك المركزي الأوروبي يصبح أكثر احتمالاً فقط إذا تحولت التحركات إلى حالة فوضوية، ما يترك الحكومة الفرنسية في الوقت الحالي أمام اختبار ثقة المستثمرين.
أما محافظ بنك فرنسا إيمانويل مولان، فأكد أن الاقتصاد الفرنسي ليس في حالة كارثية، لكنه وصف وضع المالية العامة بأنه مقلق وغير مرضٍ ويتطلب خفض العجز.
حذّرت «مجموعة أوراسيا» في مذكرة من أن موازنة 2027 تحمل مخاطر سياسية حقيقية على حكومة ليكورنو، خصوصاً إذا دفعتها الحاجة إلى خفض العجز نحو إجراءات ترفضها الكتل المعارضة.
وكتب «سوسيتيه جنرال» في تقرير أن اتساع علاوة المخاطر وارتفاع تكلفة خدمة الدين يزيدان صعوبة بناء إصلاح مالي مقنع، مع تضييق المساحة المتاحة بين التشدد المالي والضغط السياسي.
وأشار «آي إن جي» في مذكرة للمستثمرين إلى أن مشكلة السندات لن تنتهي حتى إذا أُقرت الموازنة، إذ ينتقل التركيز بعدها إلى الانتخابات وتشكيل الحكومة ومسار الدين العام.