اليورو والإسترليني عند القاع
الين يفشل في مقاومة الدولار

استقر الدولار اليوم الخميس قرب أعلى مستوياته في شهرين، مستفيداً من اجتماع ثلاثة محركات في اتجاه واحد، بعدما عززت قوة الاقتصاد الأميركي مخاوف التضخم ورفعت عوائد السندات ورهانات تشديد السياسة النقدية.
ووسعت العملة الأميركية الضغط على منافسيها الرئيسيين، مع هبوط اليورو إلى قاع شهرين والإسترليني إلى أدنى مستوى في ثلاثة أشهر، بينما فشل رفع الفائدة اليابانية في إنقاذ الين من الاقتراب مجدداً من مستويات حساسة.
كما يتحول اختبار الدولار من قدرته على الاحتفاظ بمكاسبه إلى إمكانية توسيعها، بعدما أصبح فارق النمو والعوائد وتوقعات الفائدة في الولايات المتحدة مصدراً متزامناً للقوة أمام عملات تواجه قيوداً مختلفة لدى بنوكها المركزية.
قال استراتيجيو العملات لدى «سوسيتيه جنرال» أن اتساع فروق العوائد لمصلحة الولايات المتحدة يعيد توجيه التدفقات نحو الدولار، خصوصاً مع بقاء الاقتصاد الأميركي أكثر قدرة على تحمل التشديد مقارنةً بعدد من الاقتصادات المنافسة.
ورفع «الاحتياطي الفيدرالي» الفائدة الأسبوع الماضي بواقع 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%–4.00%، وأبقى الباب مفتوحاً أمام زيادة أخرى، قبل أن تدفع البيانات الأخيرة الأسواق إلى تقديم رهانات الخطوة التالية نحو أكتوبر.
كذلك ثبت بنك إنجلترا الفائدة عند 3.75%، بينما رفع بنك اليابان تكاليف الاقتراض إلى 1.25%، إلا أن تحركات البنكين لم تمنع الإسترليني والين من التراجع أمام الدولار مع ارتفاع العوائد الأميركية واتساع الطلب على العملة.
اشتعلت موجة جديدة من بيع سندات الخزانة بعد استقبال ضعيف لمزاد السندات الأميركية لأجل خمس سنوات؛ ما دفع العوائد إلى الصعود عبر آجال الاستحقاق ووضع الدولار أمام مصدر دعم يتجاوز مجرد توقعات الفائدة.
وتجاوز عائد الخمس سنوات مستوى 5% للمرة الأولى منذ 2007، بالتزامن مع بيانات أقوى من المتوقع لمديري المشتريات؛ ما أعاد إلى الأسواق مخاوف من أن يظل الاقتصاد قوياً بما يكفي لاستمرار ضغوط الأسعار.
أما «سيتي» فرفع توقعاته لعوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، في إشارة إلى بقاء بيئة العائد المرتفع لفترة أطول، وهو ما يضيف دعماً للدولار كلما اتسعت الفجوة مع أسواق السندات المنافسة.
زاد عضو مجلس محافظي «الاحتياطي الفيدرالي»، مايكل بار، قوة هذا الرهان بعدما أشار إلى أن تصاعد مخاطر التضخم واستمرار قوة الاقتصاد يعنيان أن البنك المركزي سيحتاج على الأرجح إلى مزيد من رفع الفائدة.
تعاملت الأسواق مع التصريحات باعتبارها إشارة متقدمة إلى إمكانية تنفيذ زيادة ثانية على التوالي في أكتوبر، وهو ما رفع الاحتمالات إلى قرابة 70% بعد أن كانت في حدود 50% فقط قبل أسبوع واحد.
ويرى رئيس قسم الأبحاث لدى «بيبرستون»، كريس ويستون، أن القوة النسبية للنمو الأميركي والتسعير الأكثر تشدداً لمسار «الفيدرالي» يبقيان الدولار جذاباً، خاصةً إذا واصل التضخم مفاجأة الأسواق صعوداً.
تلقى اليورو ضربة مزدوجة من ارتفاع الدولار واتساع فروق العوائد، بعدما انخفض إلى 1.1378 دولار، وهو أدنى مستوى في شهرين، ليفقد جزءاً جديداً من مكاسبه مع إعادة بناء الرهانات على الفائدة الأميركية.
ويرى محلل العملات لدى «آي إن جي»، فرانشيسكو بيسول، أن رواية «الفيدرالي» أصبحت المحرك المهيمن في سوق العملات، إذ تكفي الإشارات المتشددة من صناع السياسة للحفاظ على الطلب على الدولار.
فيما قال محللو العملات لدى «كومرتس بنك» أن اتساع فجوة توقعات الفائدة بين الولايات المتحدة ومنطقة اليورو يظل عاملاً ضاغطاً على اليورو، خصوصاً إذا واصل الاقتصاد الأميركي إظهار قدرة أكبر على تحمل التشديد النقدي.
يواجه الإسترليني المشكلة نفسها من زاوية مختلفة، إذ هبط إلى أدنى مستوى في ثلاثة أشهر رغم استمرار مخاطر التضخم في بريطانيا وبقاء الحديث عن إمكانية تحرك إضافي من بنك إنجلترا خلال الفترة المقبلة.
قال محللو بنك «غولدمان ساكس» أن بنك إنجلترا يتحرك بصورة مختلفة عن عدد من البنوك المركزية الكبرى، إذ أبقى الفائدة دون تغيير رغم تصاعد التضخم؛ ما يترك الإسترليني معرضاً للتخلف عن العملات المنافسة.
ويشير البنك إلى أن استمرار ضغوط الأسعار لا يضمن وحده دعماً للعملة البريطانية، خصوصاً إذا حافظ «الفيدرالي» على مسار أكثر تشدداً وظلت العوائد الأميركية مرتفعة مقارنةً بنظيرتها البريطانية.
جاء الين في مقدمة العملات التي كشفت حدود قدرة رفع الفائدة المحلية على مقاومة الدولار، بعدما ظل قرب 157.9 رغم قرار بنك اليابان رفع الفائدة إلى 1.25%، وهو أعلى مستوى لها منذ أكثر من ثلاثة عقود.
قال محللو «ميتسوبيشي يو إف جي» المالية أن استمرار فجوة العوائد الواسعة مع الولايات المتحدة، إلى جانب الغموض بشأن سرعة زيادات بنك اليابان المقبلة، يبقيان الين عرضة للضعف رغم رفع الفائدة الأخير.
ويضيف البنك أن استعداد اليابان والولايات المتحدة للتدخل المنسق مجدداً قد يحد من تسارع هبوط العملة، لكنه لا يزيل الضغوط الأساسية ما لم يتحول بنك اليابان إلى مسار تشديد أسرع وأكثر وضوحاً.
أضاف ارتفاع النفط قرابة 4% خلال جلسة الأربعاء جرعة جديدة إلى مخاوف التضخم، بعدما كانت أسعار الطاقة خففت بعض هذه الضغوط في الجلسات السابقة؛ ما عزز رهانات بقاء الفائدة الأميركية مرتفعة.
وحذر رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في شيكاغو، أوستان غولسبي، من أن صدمة الطاقة قد تتحول إلى مصدر أكثر استدامة للتضخم إذا تزامنت مع قوة الطلب؛ ما قد يفرض استجابة أشد من السياسة النقدية.
كما يرى غولسبي أن استمرار ضغوط العرض بالتزامن مع الطلب القوي يقلص قدرة «الفيدرالي» على انتظار تراجع التضخم تلقائياً، ويجعل رفع الفائدة أداة أكثر ترجيحاً لاحتواء ضغوط الأسعار.
انتقل مؤشر الدولار إلى منطقة 101 نقطة في وقت يتراجع فيه اليورو والإسترليني والين معاً؛ ما يجعل اتساع الحركة مرتبطاً بقدرة العوائد الأميركية على الاحتفاظ بمستوياتها المرتفعة واستمرار الأسواق في تسعير رفع أكتوبر.
ويرى «بيبرستون» أن قوة الاقتصاد الأميركي وارتفاع رهانات الفائدة يواصلان توفير أسباب الاحتفاظ بالدولار، بينما تظهر حركة العملات أن المنافسين لم يجدوا حتى الآن دعماً نقدياً يكفي لمعادلة قفزة العوائد الأميركية.
في حين يعتبر «بنك أوف أميركا» أن استمرار تفوق البيانات الأميركية وبقاء العوائد مرتفعة قد يمددان قوة الدولار أمام العملات الرئيسية، بينما قد يؤدي أي تباطؤ مفاجئ في النشاط أو التضخم إلى تقليص رهانات التشديد سريعاً والضغط على العملة.