logo
اقتصاد

كيف أحكمت الصين قبضتها على صناعة العناصر الأرضية النادرة؟

كيف أحكمت الصين قبضتها على صناعة العناصر الأرضية النادرة؟
جانب من عمليات استخراج معادن أرضية في الصين، يوم 16 يوليو 2011.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

أكدت الصين مجددا هيمنتها شبه المطلقة على أحد أهم القطاعات الحيوية للاقتصاد العالمي، بعد قرارها الأخير بتشديد القيود على صادرات العناصر الأرضية النادرة، المستخدمة في صناعات استراتيجية تشمل السيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، والأنظمة الدفاعية المتقدمة.

ويُعد القرار، الذي أثار قلق واشنطن وحلفائها، تتويجا لعقود من التخطيط الصناعي الدقيق والسياسات الحكومية الداعمة، التي حوّلت بكين إلى مركز الثقل العالمي في هذا القطاع الحيوي، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال».

أخبار ذات صلة

عامل يفرغ حمولة من فول الصويا بمدينة بينتشو، في مقاطعة شاندونغ شرقي الصين، يوم 6 مارس 2025.

النتيجة صفر.. الصين تلوي ذراع ترامب بـ«حرب فول الصويا» فما القصة؟

التخطيط المركزي والدعم الحكومي

منذ تسعينيات القرن الماضي، اعتمدت الصين مزيجا محكما من السياسات الصناعية والحمائية لتحقيق السيطرة على سوق العناصر الأرضية النادرة. فقد ضخّت الحكومة تمويلات ضخمة لدعم الشركات المحلية، ومنعت الاستثمارات الأجنبية في المناجم الوطنية، وشجعت الشركات الصينية على التوسع في الخارج والاستحواذ على أصول مماثلة حول العالم.

ومع مرور الوقت، أعادت بكين هيكلة القطاع بدمج مئات الشركات الصغيرة في كيانات عملاقة مملوكة للدولة، ما منحها تحكمًا شبه كامل في الإنتاج والتسعير والتصدير.

وحين بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها بمحاولات متكررة لإحياء صناعتهم المحلية، واجهتهم الصين بسياسة إغراق السوق العالمية بالإمدادات، ما أدى إلى انهيار الأسعار إلى مستويات غير مجدية اقتصاديا للمشاريع الغربية.

هذا الضغط المنهجي أجبر العديد من المنتجين غير الصينيين على وقف التوسّع أو بيع أصولهم، وغالبًا لمشترين صينيين. ونتيجة لذلك، أصبحت الصين اليوم مسؤولة عن نحو 90% من عمليات التكرير العالمية، وهو ما يعكس قوة التخطيط الصناعي المركزي في مقابل سياسات الغرب المتقطعة والمترددة.

محاولات أميركية محدودة

رغم إعلان واشنطن عن خطط لاستثمار مليارات الدولارات لإعادة بناء سلسلة الإمداد الأميركية للعناصر الأرضية النادرة، يرى محللون أن الطريق لا يزال طويلاً وصعباً. فبكين لا تسيطر فقط على الإنتاج الخام، بل على التقنيات والمعالجة وسوق الأسعار العالمية أيضا.

وفي خطوة فُسرت على أنها رسالة سياسية واقتصادية، أعلنت الحكومة الصينية مؤخرا أن الشركات الأجنبية التي تصنع المغناطيسات باستخدام مواد صينية ستحتاج إلى موافقة مسبقة من بكين قبل التصدير. وردّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتهديد بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على السلع الصينية، قبل أن يتراجع لاحقًا واصفًا القرار بأنه «غير قابل للاستمرار».

وتصاعد التوتر في أبريل الماضي، حين أوقفت بكين مؤقتا صادراتها من العناصر الأرضية النادرة إلى الشركات الأميركية، ما أدى إلى اضطراب في خطوط إنتاج السيارات والتقنيات المتقدمة، ودفع الجانبين إلى مفاوضات طارئة.

وعلى الرغم من استئناف التوريد لاحقا، بقيت الصين متمسكة بسيطرتها المحكمة، مبرّرة سياساتها بأنها تهدف إلى «منع سوء استخدام الموارد»، بينما اتهمت واشنطن بكين بانتهاج سياسات تجارية عدوانية تستهدف إضعاف اقتصادها.

معادن نادرة
معادن نادرة المصدر: غيتي إيمجز

جذور الهيمنة الصينية

في عام 1991، كانت الولايات المتحدة تهيمن على إنتاج العناصر الأرضية النادرة من خلال منجم «ماونتن باس (Mountain Pass) في كاليفورنيا، قبل أن يعلن الزعيم الصيني دنغ شياو بينغ عبارته الشهيرة: «الشرق الأوسط يملك النفط، والصين تملك العناصر الأرضية النادرة».

في العام نفسه، صنّفت الصين هذه المعادن ضمن «الموارد الاستراتيجية الوطنية»، ومنعت الشراكات التعدينية الأجنبية، وفرضت قيودا على الوصول إلى مواقع المناجم، وقدّمت حوافز ضريبية واسعة لتشجيع الإنتاج المحلي.

ويستذكر رجل الأعمال الأميركي ميتشل بريسنيك، الذي حاول الدخول في شراكة مع الصين في أوائل التسعينيات، كيف أكّد له المسؤولون الصينيون آنذاك أن هذه الموارد ستشكّل أحد أعمدة القوة الاقتصادية للبلاد. وقد أدركت بكين باكرًا أن السيطرة الحقيقية لا تتحقق عبر التعدين وحده، بل من خلال التحكم في مراحل المعالجة والتكرير وصناعة المغناطيسات، وهي تقنيات كانت تهيمن عليها الولايات المتحدة واليابان آنذاك.

وفي عام 1995، استحوذت شركات صينية على شركة «ماغنيكوانتش» (Magnequench) التابعة لـ«جنرال موتورز» (General Motors)، المتخصصة في مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة، بعد موافقة رسمية من الحكومة الأميركية. أُغلقت لاحقًا المصانع الأميركية ونُقلت المعدات إلى الصين، واستُقدم مهندسون أميركيون لتدريب الكوادر المحلية. وبحلول منتصف العقد الأول من الألفية، كانت الصناعة الأميركية قد انهارت عمليًا، وأصبحت الصين تنتج نحو 97% من الإمدادات العالمية.

مشروع «فينيكس»

بعد سنوات من السيطرة الصينية الكاملة، حاولت شركة «موليكورب» (Molycorp) الأميركية إحياء منجم «ماونتن باس» من خلال مشروع «فينيكس» (Phoenix)، إلا أن الصين لجأت إلى سلاحها الأكثر فاعلية: الضرائب التصديرية والإغراق السعري. ومع انهيار الأسعار في منتصف العقد الأول من الألفية، تعثّر المشروع وأُجبر على الإغلاق.

وفي عام 2012، رفعت إدارة الرئيس باراك أوباما، بمشاركة الاتحاد الأوروبي واليابان، دعوى ضد بكين لدى «منظمة التجارة العالمية» تتهمها بتقييد الإمدادات عبر نظام حصص تصدير. وفي عام 2014، حكمت المنظمة لصالح واشنطن وأجبرت الصين على رفع القيود. لكن النتيجة جاءت عكسية: زيادة الصادرات الصينية مجددًا وانهيار الأسعار مرة أخرى، ما أدى إلى إفلاس «موليكورب».

لاحقاً، أُعيد تشغيل المنجم من خلال شركة «إم بي ماتيريالز» (MP Materials)، بتمويل وتوزيع من شركة «شينغهه ريسورسيز» (Shenghe Resources) الصينية، ما عكس استمرار النفوذ الصيني حتى داخل المشاريع الأميركية نفسها.

أخبار ذات صلة

عاملة في مصنع لإنتاج الأنابيب النحاسية في تشونغتشينغ، الصين، يوم 21 يوليو 2023.

صادرات المعادن الصينية تتراجع في سبتمبر وسط تصاعد التوترات مع واشنطن

مناورات جديدة وصراع متجدد

أدت اضطرابات سلاسل الإمداد خلال جائحة كورونا إلى يقظة أميركية جديدة، إذ أعلنت الحكومة عن تمويل مشاريع مصافٍ جديدة في ولايات مثل تكساس بالتعاون مع الشركة الأسترالية «ليناس كوربوريشن» (Lynas Corporation).

لكن بكين تحركت سريعا عبر زيادة إنتاجها بنسبة 25% في عام 2022، ثم بزيادة جديدة في 2023، ما أدى إلى انخفاض الأسعار عالميا وإضعاف تنافسية المنتجين الغربيين. كما شددت الصين القيود على تصدير تقنيات المعالجة، مؤكدة سعيها إلى «تعزيز السيطرة على الموارد العالمية للعناصر الأرضية النادرة».

في المقابل، واجهت المبادرات الأميركية تحديات في التمويل والتنفيذ، إذ تعثّر مشروع «ليناس» في تكساس وسط حالة من عدم اليقين التنظيمي، فيما بقيت المشاريع الأصغر، مثل مصانع «جنرال موتورز» المدعومة من الحكومة، محدودة التأثير.

اليقظة المتأخرة وتحديات المستقبل

في يوليو 2025، أعلنت الحكومة الأميركية نيتها شراء حصة بنسبة 15% في شركة «إم بي ماتيريالز»، المنتج الرئيسي للعناصر الأرضية النادرة في البلاد، إلى جانب وضع حد أدنى للأسعار لحماية الصناعة من الإغراق الصيني.

لكن رغم هذه الخطوات، يدرك صناع القرار الأميركيون أن استعادة التوازن تتطلب سنوات من الاستثمار الممنهج، في مواجهة منافس راكم خبرة تمتد لعقود.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في منتدى استثماري: «على مدى أكثر من عقدين، كنا غافلين عمّا يجري... لم يراقب أحد التحولات، وكأن الجميع كانوا نائمين بينما الصين كانت تمسك بالمقود».

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف