
تواصل سلطنة عُمان تعزيز حضورها على خريطة الاستثمار في المنطقة، بعدما استقطبت 2.6 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر خلال الربع الأول من عام 2026، في وقت تفرض فيه التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ضغوطاً متزايدة على قرارات المستثمرين العالميين.
يشير استمرار تدفق رؤوس الأموال إلى أن الإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها السلطنة، إلى جانب استراتيجية تنويع مصادر الدخل وتحسين بيئة الأعمال، بدأت تعزز قدرتها على استقطاب الاستثمارات طويلة الأجل، رغم اتساع رقعة الصراع الإقليمي عقب الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران.
وبحسب بيانات الجهات الحكومية، والتي نقلها موقع AGBI، ارتفع الرصيد التراكمي للاستثمار الأجنبي المباشر إلى 32.2 مليار ريال عُماني، أي نحو 83.7 مليار دولار، حتى 31 مارس 2026، مقارنة مع 31.4 مليار ريال، أي 81.1 مليار دولار، بنهاية عام 2025، بزيادة بلغت 800 مليون ريال عُماني، تعادل نحو 2.6 مليار دولار خلال الربع الأول.
تدعم هذه المؤشرات تقديرات مايا سنوسي، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط في «أكسفورد إيكونوميكس» (Oxford Economics)، التي ترى أن الحرب الدائرة في المنطقة لن تغير المسار الإيجابي للاستثمار الأجنبي المباشر في السلطنة.
وقالت إن هذا الاتجاه سيبقى مدعوماً بالمبادرات الحكومية والسياسات الموجهة لاستقطاب رؤوس الأموال، إضافة إلى الموقع الجغرافي الاستراتيجي لعُمان خارج الخليج العربي، وهو ما يمنحها ميزة نسبية، رغم أنها ليست بمنأى بالكامل عن تداعيات المخاطر الإقليمية.
وأضافت أن رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في السلطنة يعادل نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي، بما يعكس وزنه المتنامي في الاقتصاد العُماني.
رغم استمرار قطاع النفط والغاز في استقطاب النصيب الأكبر من الاستثمار الأجنبي، فإن هيكل الاستثمارات بدأ يشهد توسعاً تدريجياً نحو قطاعات غير نفطية، في انسجام مع مستهدفات «رؤية عُمان 2040».
تظهر البيانات أن قطاع النفط والغاز استحوذ على نحو 81% من إجمالي رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر بنهاية عام 2025، بما يعادل 25.4 مليار ريال عُماني، فيما جاءت الصناعات التحويلية في المرتبة الثانية باستثمارات بلغت 2.7 مليار ريال، تلتها الخدمات المالية بنحو 1.5 مليار ريال.
وقال طاهر عباس، رئيس البحوث في شركة «يو كابيتال» (U-Capital) في مسقط، إن تركيبة الاستثمار الأجنبي في السلطنة أصبحت أكثر تنوعاً مقارنة بالسنوات السابقة، مع اتساع قاعدة القطاعات المستفيدة من التدفقات الجديدة.
لا تزال المملكة المتحدة أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي في السلطنة، إذ بلغت استثماراتها التراكمية حتى نهاية عام 2025 نحو 16.4 مليار ريال عُماني، ما يمثل نحو نصف إجمالي رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر.
وجاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية باستثمارات بلغت 8.5 مليار ريال، تلتها الكويت بنحو 1.4 مليار ريال، ثم الصين باستثمارات وصلت إلى 887 مليون ريال.
كما عززت السلطنة مكانتها على خريطة المشاريع الاستثمارية الكبرى، إذ أشارت بيانات الأمم المتحدة إلى أن اثنين من أكبر عشرة مشاريع استثمارية جديدة (Greenfield) أُعلن عنها في آسيا خلال العام الماضي كانا في عُمان.
وشملت هذه المشاريع اتفاق شركة «لوبرو» (Lupro) الكورية الجنوبية لإنشاء مصنع للأمونيا الخضراء بقيمة 3.5 مليار دولار، إلى جانب إطلاق شركة «دار الأركان» السعودية مشروعاً عقارياً بقيمة 4.2 مليار دولار في السلطنة.
في المقابل، شهد السوق بعض عمليات إعادة تموضع المستثمرين، إذ انسحبت شركة «بي بي» (BP) البريطانية العام الماضي من مشروع كبير لإنتاج الهيدروجين الأخضر في الدقم، فيما باعت «إتش إس بي سي» (HSBC) أعمال الخدمات المصرفية للأفراد في السلطنة خلال عام 2023، مع احتفاظها بأنشطة الخدمات المصرفية للشركات.
وقال روبرت موغيلنيكي، مؤسس شركة «بوليسفير أدفايزوري» (Polisphere Advisory)، والزميل غير المقيم في «معهد دول الخليج العربية» (Arab Gulf States Institute)، إن الحكومة العُمانية ركزت على قطاعات تحظى باهتمام عالمي متزايد، مثل التعدين والخدمات اللوجستية.
وأضاف أن السلطنة نجحت خلال عام 2025 في بناء زخم قوي للإصلاحات الاقتصادية، وأن التنسيق بين السياسات الاقتصادية والإصلاحات الهيكلية بدأ ينعكس بصورة ملموسة على جاذبية الاقتصاد أمام المستثمرين.
لم يقتصر تحسن جاذبية الاقتصاد العُماني على الإصلاحات الهيكلية، بل دعمه أيضاً التحسن الواضح في المؤشرات المالية للدولة.
فقد نجحت الحكومة في خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 34% خلال عام 2025، مقارنة بذروة بلغت 68% في عام 2020، مستفيدة من السداد المبكر لجزء من ديونها المقومة بالدولار وبالعملة المحلية.
وأدى هذا التحسن إلى قيام وكالات التصنيف الائتماني العالمية الثلاث برفع التصنيف السيادي للسلطنة، لتستعيد عُمان تصنيف «الدرجة الاستثمارية»، وهو ما عزز ثقة المستثمرين وخفض تكلفة التمويل.
في الوقت نفسه، يتوقع «صندوق النقد الدولي» (IMF) أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لعُمان بنسبة 3.5% خلال عام 2026، مقارنة مع 2.4% في عام 2025.
أسهمت هذه التوقعات في دفع مؤشر «بورصة مسقط» إلى تسجيل أعلى مستوى في تاريخه خلال أواخر أبريل الماضي، بعدما تضاعف تقريباً خلال الاثني عشر شهراً السابقة، ورغم تراجعه لاحقاً، فإنه لا يزال مرتفعاً بنحو 24% منذ بداية العام.
ويرى عباس أن إصلاحات «رؤية عُمان 2040»، والحوافز الضريبية، وتطوير التشريعات الاستثمارية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب التوسع في المناطق الاقتصادية والحرة المتكاملة، شكلت مجتمعة بيئة أكثر تنافسية لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية.
وأضاف أن الاستثمار الأجنبي المباشر يمثل أحد المحركات الرئيسية للتحول الاقتصادي في السلطنة، ليس فقط لما يوفره من رؤوس أموال، بل أيضاً لما ينقله من تكنولوجيا وخبرات إدارية، وما يتيحه من اندماج أكبر في سلاسل القيمة والأسواق العالمية.
ويشير استمرار تدفق الاستثمارات، رغم البيئة الإقليمية المضطربة، إلى أن المستثمرين باتوا يقيمون الاقتصاد العُماني على أساس متانة إصلاحاته وآفاق نموه، أكثر من تأثرهم بالتقلبات الجيوسياسية قصيرة الأجل.