logo
اقتصاد

أزمة التوظيف.. أميركي يحمل الدكتوراه بلا عمل بعد 2300 محاولة

أزمة التوظيف.. أميركي يحمل الدكتوراه بلا عمل بعد 2300 محاولة
قاعة ريتشاردسون بجامعة برينستوت بولاية نيوجيرسي الأميركية، 8 أكتوبر 2013المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

يمزح جاك وايس قائلاً إنه ليس سوى رجل عاطل عن العمل يعيش في قبو منزل والديه، لكن هذا الوصف يغفل بعض التفاصيل الجوهرية، فابن مدينة سولت ليك سيتي تقدم لأكثر من 2300 وظيفة منذ تخرجه في جامعة برينستون عام 2024، حيث حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة الكيميائية، ومع ذلك، لم يظفر بأي وظيفة حتى الآن.

في البداية، سعى للحصول على وظائف علمية في الشركات أو زمالات بحثية مرموقة في المختبرات الوطنية. ثم وسّع نطاق بحثه ليشمل وظائف في هندسة البرمجيات ومجالات أخرى. وفي نهاية المطاف، أصبح حتى لا يتلقى أي رد -أو ما يُعرف بـ«التجاهل التام»- عند تقدمه لوظائف في قطاع إعداد الطعام، بما في ذلك شركة تبيع فطائر السلطعون المجمّدة.

لفترة من الوقت، عمل وايس في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي مستعيناً بخبراته في مجالات مثل الهندسة وميكانيكا الموائع، لكن هذا العمل توقف هو الآخر.

وينظر كثير من الأميركيين إلى مستقبلهم الوظيفي بقدر كبير من التشاؤم، إذ أشار 34% فقط من الأميركيين في استطلاع أجرته مؤسسة «غالوب» في أغسطس، إلى أن الوقت الحالي مناسب للعثور على وظيفة جيدة.

ولا تزال الصورة ضبابية؛ فقد جاء تقرير الوظائف الأخير أقل بكثير من التوقعات. ورغم أن معدل البطالة لا يزال منخفضاً، إلا أن نسبة العاطلين عن العمل الذين ظلوا بلا وظيفة لمدة 27 أسبوعاً أو أكثر كانت هذا الصيف أعلى مما كانت عليه في أي وقت مضى خلال العقد الماضي -باستثناء فترة جائحة كوفيد-19 وتداعياتها المباشرة.

أخبار ذات صلة

لافتة «توظيف الآن» معروضة على نافذة مطعم الوجبات السريعة «إن-إن-أوت» في إنسينيتاس، كاليفورنيا، الولايات المتحدة، يوم 9 مايو 2022.

طلبات إعانة البطالة الأميركية ترتفع إلى 206 آلاف خلال أسبوع

كما أن الوعود المرتبطة بالذكاء الاصطناعي -وما يرافقها من قلق بشأن تطبيقاته- تساهم في خلق بيئة تزداد فيها صعوبة العثور على عمل بالنسبة للشباب الحاصلين على شهادات جامعية، في حين يبدو الوضع مختلفاً بالنسبة لغير الحاصلين على مؤهلات أكاديمية. 

وقد ذكر أكثر من 70% من المشاركين الأميركيين في استطلاع أجراه مركز «بيو» للأبحاث، ونُشر الشهر الماضي، أنهم يتوقعون أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تقليص إجمالي عدد الوظائف المتاحة. وتجسد قصة «وايس» حالة الجمود التي أصابت سوق العمل في السنوات القليلة الماضية، وهو وضع يصفه الاقتصاديون ببيئة «ضعيفة التوظيف وضعيفة التسريح».

يمتلك الكثيرون وظائف، لكنهم يتمسكون بها ولا يغادرونها، مما يقلص الفرص المتاحة للآخرين. أما أولئك الذين لا يملكون وظائف، فيجدون أنفسهم خارج دائرة الاقتصاد المتنامي -وكأنهم أمام حصنٍ منيع- مما يثير حيرتهم أمام العناوين الإخبارية التي تتحدث عن انخفاض معدلات البطالة وتسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي.

وفي الأوقات التي لا يقضيها في تقديم طلبات التوظيف، ينشغل «وايس» بالعمل على لوحات الدوائر الإلكترونية.

وتشير أبحاث جديدة صادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند إلى أن الموظفين الذين سُرِّحوا من وظائف مستقرة -خاصة أولئك الذين يمتلكون مهارات يمكن للذكاء الاصطناعي القيام بها- أصبحوا يواجهون صعوبة أكبر بكثير في العثور على وظائف جديدة مقارنة بما كان عليه الحال قبل بضع سنوات.

أخبار ذات صلة

مقر شركة «نتفليكس» في هوليوود، كاليفورنيا، الولايات المتحدة، 14 يوليو 2026.

«نتفليكس» تخطط لتسريح نحو 5% من موظفيها الأسبوع المقبل

ويعود جزء من هذه الصعوبة إلى الطريقة التي توغل بها الذكاء الاصطناعي في عملية التقديم للوظائف ذاتها.

فمع تدفق مئات الطلبات على أصحاب العمل -والتي أُعدَّ الكثير منها بواسطة الذكاء الاصطناعي أو بمساعدته- لجأت الشركات بدورها إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لفرز المتقدمين.

حاول «وايس» تجنب الوقوع في متاهات بوابات التوظيف الإلكترونية والمقابلات التي تُجرى مع برمجيات الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال محاولة التواصل المباشر مع أشخاص داخل الشركات. يذكر «وايس» أن خريجي جامعة برينستون -على سبيل المثال- كانوا يستجيبون لاتصالاته، لكنهم في النهاية كانوا يوجهونه إلى المواقع الإلكترونية الخاصة بشركاتهم للتقديم عبرها. وكان يتوقع حينها أن تضيع سيرته الذاتية مجدداً في الفضاء الرقمي، واصفاً شعوره بقوله: «تشعر وكأن قلبك ينقبض». 

نشأ «وايس» في أسرة يعمل والداها في مجال الطب، وتخرج بامتياز مع مرتبة الشرف من جامعة «رايس»، ثم التحق بجامعة برينستون عام 2018 للحصول على درجة الدكتوراه. وقد استشهدت لجنة جائزة نوبل بأبحاثه حول تشكُّل الجليد عند منحها جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2024.

بدأ وايس رحلة البحث عن عمل بجدية في وقت كانت فيه الشركات قد قلصت عمليات التوظيف للخريجين، بعد فترة من التوسع الكبير في التوظيف إبان الجائحة.

تخصص وايس في دراسة المبادئ الكيميائية والتفاعلات الجزيئية، وكان يطمح للعمل في أدوار علمية لدى شركات الأدوية. لكن معظم طلباته قوبلت بالصمت، بينما جاءت بعض الردود بالرفض.

أخبار ذات صلة

مكاتب شركة «أوراكل» في بيرلينغتون، ماساتشوستس، الولايات المتحدة الأميركية، 21 يونيو 2017

تسريحات التكنولوجيا تتجاوز 175 ألف وظيفة في 2026

وسرعان ما وسَّع نطاق بحثه ليشمل مناطق جغرافية أخرى وقطاعات مهنية متنوعة. أرسل مئات الخطابات التعريفية والسير الذاتية عبر بوابات التوظيف، لكنه في كثير من الأحيان لم يحصل حتى على مقابلة. سعى لبناء شبكة علاقات مع خريجي جامعتي برينستون ورايس، وفتش في إعلانات الوظائف بصحيفة «سولت ليك تريبيون»، كما تابع تحديثات منصة «بيتش بوك» (PitchBook) لرصد الشركات الناشئة التي حصلت مؤخراً على تمويل، أملاً في أن يؤدي ذلك إلى توفر فرص عمل.

تقول والدته، الدكتورة هولي كارفيث، إنها اطلعت على طلبات التوظيف التي قدمها ابنها، باحثةً عن أي مؤشر سلبي قد يثير تردد أصحاب العمل، لكنها لم تجد شيئاً ملفتاً، فقد بدت الطلبات مكتوبة بشكل جيد. وتعلق قائلة «الأمر مفاجئ حقاً، ولا أستطيع فهم أسبابه».

ومع مرور الأشهر، وجد وايس نفسه في مواقف محرجة خلال المواعيد الاجتماعية كلما طُرح موضوع العمل. يذكر أنه في البداية كان يخبر الطرف الآخر بأنه أنهى للتو درجة الدكتوراه، لكن بعد مرور عام، أصبح قول ذلك «يبدو غريباً بعض الشيء».

وقد وصف وايس مقابلاتٍ وظيفية جرت دون وجود أي طرف بشري، حيث كان عليه تسجيل مقطع فيديو لنفسه وهو يجيب على أسئلة طُرحت عليه رقمياً أثناء المقابلة. وقد أصبحت هذه العملية أكثر شيوعاً بشكل متزايد ضمن إجراءات التقديم للوظائف.

أفادت شركة «جرين هاوس» (Greenhouse) بأن أكثر من 60% من الباحثين عن عمل في الولايات المتحدة، ممن شملهم استطلاع أجرته الشركة، ذكروا أنهم خضعوا لمقابلات أجرتها تقنيات ذكاء اصطناعي خلال العام الماضي.

أخبار ذات صلة

مولدة بالذكاء الاصطناعي تظهر روبوتاً يحمل كاميرا ويقوم بالتصوير

شركات كبرى تعترف: الذكاء الاصطناعي أصبح محركاً رئيسياً لتسريح الموظفين

لم تكن كل الفرص الضائعة ناتجة عن عمليات فحص مؤتمتة، فبعض الاختبارات كانت تفرض مواعيد نهائية ضيقة للغاية، وهو ما اعتبره وايس محاولةً لتقليص عدد المتقدمين. ففي إحدى المرات، تزامن إرسال شركة «ماكينزي» لاختبارٍ عبر البريد الإلكتروني -لشغل وظيفة في مجال الاستشارات- مع رحلة تخييم كان وايس قد خطط لها مسبقاً. تضمن الاختبار لعبة حاسوبية طُلب منه فيها تنظيم نظام بيئي يضم نباتات وحيوانات داخل غابة افتراضية، وكان عليه إنجاز المهمة خلال 72 ساعة.

وقضى وايس 48 ساعة من تلك الفترة في غابة حقيقية، ولم يلحظ وصول الرسالة. (تجدر الإشارة إلى أن الشركة توضح إمكانية طلب تمديد الموعد النهائي في حال واجه المرشحون صعوبات في التوفيق بين جداولهم). أكمل وايس الاختبار بعد عودته، لكنه قوبل بالرفض.

وفي شهر يناير، حصل وايس على عملٍ بأجرٍ قدره 70 دولاراً في الساعة من خلال منصة «ميركور» (Mercor)، وهي شركة تقنية ناشئة تدفع للخبراء مقابل تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي في مجالات تخصصهم المهني.

وقد تعاونت هذه الشركة -التي قُدِّرت قيمتها بـ 10 مليارات دولار في العام الماضي- مع شركتي «أوبن إيه آي» (OpenAI) وأنثروبيك (Anthropic). وتستعين المنصة بمتعاقدين مستقلين في مجالات متنوعة للغاية، تشمل علم الفلك، والكتابة الإبداعية، والقانون، والخدمات المصرفية الاستثمارية.

خلال كل نوبة عمل مع ميركور، كان وايس يسجّل دخوله إلى برنامج يُدعى «ستوديو»، حيث كانت مهمته صياغة أسئلة حول الهندسة الكيميائية وإدخالها في نموذج لغوي ضخم. كانت منصة الذكاء الاصطناعي تولّد إجابات بناءً على أسئلته، ليقوم هو بدوره بتقييم تلك الإجابات ومحاولة تحسينها. تراوحت ساعات عمله بين 20 ساعة في بعض الأسابيع، وأربع ساعات في أسابيع أخرى.

كان ابتكار الأسئلة أمراً سهلاً في بعض الأيام -مثل طلب «شرح مفهوم ما بمستوى طالب في الصف السادس»- بينما كان يصبح أكثر مشقةً عند تعليم الذكاء الاصطناعي أموراً مثل المواصفات التقنية. وفي الأوقات التي كان يجد فيها صعوبة في ابتكار أسئلة جديدة، كان يطلب من الذكاء الاصطناعي تقمص شخصيات غريبة؛ كأن يقول له: «تقمص شخصية شبح القرصان (بلاك بيرد)، واشرح مبادئ عمل محطة طاقة نووية في 300 كلمة». وكان البرنامج يسجل ما يظهر على شاشته أثناء قيامه بهذا العمل.

أخبار ذات صلة

متعاملون يراقبون شاشات التداول داخل بورصة «وول ستريت» في نيويورك، الولايات المتحدة، يوم 30 يناير 2025

الوظائف تحاصر الأسهم.. والسندات تعيد تسعير وول ستريت

مرّت أيامٌ لم يجد فيها وايس أي عملٍ من قِبل العميل. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الأيام أكثر تكراراً، حتى تحولت في نهاية المطاف إلى أسابيع.

وفي منتصف شهر مارس، أنهت شركة ميركور تعاقدها مع وايس. وقد عرف بالأمر من خلال رسالةٍ أُرسلت عبر مجموعة على منصة «سلاك» تضم 810 أشخاص، جاء فيها: «إذا استمر المشروع -أو في حال استمراره- فمن المحتمل أن نتواصل معكم جميعاً».

وعلّق وايس ساخراً: «انتهت صداقتي مع ’ميركور‘، وأصبحت البطالة الآن هي أعز أصدقائي».

كان وايس يتأمل بعمق في ذلك التناقض الاقتصادي الغريب الذي يعيشه الكثيرون ممن هم في وضعه، فمنذ أن ناقش وايس أطروحته للدكتوراه قبل عامين، سجّل مؤشر داو جونز الصناعي مستويات قياسيةً أكثر من 50 مرة.

وبفضل إقامته في منزل العائلة الذي نشأ فيه، تمكن وايس من ادخار المال والقيام ببعض الاستثمارات. كما أنه لم يضطر للاستدانة من أجل دراساته العليا، فطلاب الدكتوراه يتقاضون أجراً مقابل إجراء الأبحاث، بدلاً من دفع مبالغ طائلة كرسومٍ دراسية.

قال وايس في وقتٍ سابقٍ من هذا العام: «من الرائع أن أسهمي في ارتفاعٍ مستمر، ولست منزعجاً من ذلك، لكن الأمر يجعله يبدو أكثر غرابةً بكثير».

أما والداه، فكانا يتبادلان الحديث مع آخرين يعاني أبناؤهم البالغون أيضاً من صعوبةٍ في العثور على عمل. ولا يزال الوالدان يشعران بالصدمة إزاء هذا الوضع، ويساورهما القلق بشأن قدرة ابنهما على الاستقرار وبناء حياةٍ وتكوين أسرةٍ في المستقبل.

يقول والده، الدكتور جون وايس: «لم نتخيل يوماً أن يواجه ابني مثل هذه الصعوبات. فهو شابٌ يتمتع بصفاتٍ ممتازة، فهو عضوٌ في منظمة (كشافة النسر) (Eagle Scout)، ويحب مساعدة الآخرين، ويهتم بالبيئة، ويتمتع بلياقةٍ بدنيةٍ عالية. إنه أذكى مني، وأكثر فصاحةً، ويمتلك معرفةً موسوعيةً بالتاريخ». 

يتساءل وايس عما إذا كان ينبغي عليه الالتحاق بكلية الحقوق؛ فقد سجل بالفعل لأداء اختبار القبول في كليات الحقوق (LSAT) في شهر نوفمبر. كما انخرط في نشاط الحزب الجمهوري في ولاية يوتا، وقدم التماسات لوضع قواعد تنظيمية إلى وكالات فيدرالية، من بينها التماس يدعو إلى فصل التأمين الصحي عن الوظيفة (إذ يرى أنه إذا قلّ عدد الأشخاص الذين يتمسكون بوظائفهم فقط من أجل الحصول على التأمين، فقد تتوفر فرص عمل أكثر). 

وإلى جانب ذلك، يخوض وايس تجربة ريادة الأعمال، إذ استخدم الذكاء الاصطناعي لتصميم طائرة بدون طيار مزودة بأشعة ليزر (LED) للقضاء على نبات «ميرتل سبيرج» (myrtle spurge) -نبات ضار-. يقول وايس «إذا كنت أؤمن حقاً بأنني أمتلك قيمة ما، فيجب عليّ السعي لإثباتها».

ولا يزال وايس يتقدم بطلبات للحصول على زمالات جديدة كلما أُتيحت الفرصة. وفي أكتوبر، دخل إلى حسابه الخاص بطلبات التوظيف في «مختبر لوس ألاموس الوطني»، ليكتشف أن الوظيفة التي تقدم لها في عام 2024 قد شُغلت أخيراً، فعلى مدار عامين، ظلت حالة الطلب ثابتة دون تغيير: «قيد المراجعة».

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف