مبروك: إسقاط فوائد المديونيات وجدولة أصل القروض مفتاح حل الأزمة
أنيس: إنقاذ المصانع المتعثرة يتطلب رفع رأسمال الصندوق لمليار دولار

تطمح الحكومة المصرية إلى وضع حلول نهائية لأزمة المصانع المتعثرة خلال عام 2026، لتغلق بذلك ملفاً ظل يؤرق الحكومات المتعاقبة منذ عام 2011.
منذ أشهر طويلة، تعمل وزارة الصناعة المصرية على وضع حلول لمساعدة الكيانات الصناعية، لا سيما المتعثرة منها، في محاولة لإعادتها إلى دائرة الإنتاج من جديد.
في هذا الإطار، أطلقت وزارة الصناعة المصرية ثلاث مبادرات رئيسية؛ استهدفت الأولى تمويل المصانع التي تعاني نقصاً في رأس المال، من خلال توفير تمويلات ميسرة بفائدة مدعومة تبلغ 15%. فيما ركزت المبادرة الثانية على توفير تمويلات مدعومة بالفائدة نفسها لسبعة قطاعات صناعية، بهدف شراء خطوط الإنتاج والمعدات.
أما المبادرة الثالثة، فاستهدفت المصانع المتعثرة كلياً، والمقدّر عددها بنحو 6 آلاف مصنع، عبر تأسيس صندوق استثمار برأسمال مليار جنيه، بالشراكة مع عدد من البنوك المصرية.
وفق هذه المبادرة، ستتولى البنوك الدخول بحصص ملكية مؤقتة في المصانع المستفيدة، على أن تتخارج منها لاحقاً بعد عودة تلك المصانع إلى التشغيل الكامل.
واعتبر خبراء ومسؤولون تحدثوا مع «إرم بزنس» أن الخطوات المتتالية والسريعة التي تتخذها وزارة الصناعة المصرية قادرة على حل جزء من أزمة المصانع المتعثرة، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الإجراءات والتمويلات، خاصة في ظل تزايد أعداد المصانع المتعثرة.
إلى جانب صندوق الاستثمار، المقرر إغلاق باب الاكتتاب فيه خلال يناير الحالي، وفق تصريحات صحفية لمسؤولين حكوميين خلال الأسبوع الماضي، أقرت وزارة الصناعة المصرية، قبل أيام، حزمة جديدة من التيسيرات للمشروعات الصناعية المتعثرة.
تضمنت الحوافز منح مهلة ستة أشهر لكل مشروع صناعي أنجز أكثر من 75% من الإنشاءات، لاستكمال المشروع واستخراج الترخيص والسجل الصناعي، مع إعفاء كامل من غرامات التأخير خلال هذه المدة.
كما شملت الحوافز منح مهلة 12 شهراً لكل مشروع صناعي حاصل على رخصة بناء وأنجز ما بين 50% و75% من أعمال البناء، مع الإعفاء من غرامة التأخير المقررة عن فترة الستة أشهر الأولى فقط.
تضمنت الحوافز أيضاً منح مهلة 18 شهراً لكل مشروع صناعي حاصل على رخصة بناء ولم ينفذ أي نسبة بنائية، أو نفذ أقل من 50% من أعمال البناء، مع الإعفاء من الغرامة المقررة عن فترة الستة أشهر الأولى فقط.
بحسب بيان صادر عن وزارة الصناعة المصرية، تسري هذه الحوافز حتى 30 أبريل 2026، مع التأكيد على سحب الأرض في حال عدم الالتزام بالمهل الممنوحة.
أضاف البيان أن الوزارة ستعيد التعامل على الأراضي التي سيتم سحبها ولم تُطرح أو تُخصص للغير، مع المستثمر نفسه في حال التقدم عليها مجددًا، وذلك بالسعر الحالي المعتمد.
بدوره، اعتبر عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، محمد أنيس، أن الخطوات الحكومية لحل أزمة المصانع المتعثرة جيدة ومقبولة من حيث المبدأ، لكنها غير كافية على الإطلاق لمعالجة جذور الأزمة.
أضاف أنيس لـ«إرم بزنس» أن التمويل يمثل جوهر مشكلة المصانع المتعثرة ومفتاح الحل، خاصة أن تعثر المصانع خلال السنوات الماضية ارتبط بحزمة من المعوقات الرئيسية، من بينها صعوبة الحصول على التمويل، وارتفاع معدلات الفائدة، إلى جانب الأعباء البيروقراطية وضعف فرص التصدير لتوليد عوائد دولارية.
أوضح أن تخصيص مليار جنيه فقط للصندوق المعني بدعم المصانع المتعثرة، مع توجيه نحو 50 مليون جنيه (نحو مليون دولار) لكل مصنع، يعني عملياً دعم نحو 20 مصنعاً فقط، وهو رقم لا يتناسب مع عدد المصانع المتعثرة التي ينطبق عليها التعريف والشروط القائمة، والمقدّر بالآلاف.
قال أنيس: «قيمة الـ50 مليون جنيه أصبحت محدودة للغاية في الوقت الحالي، ولا تمثل أكثر من مليون دولار تقريباً، وأعتقد أن هذا الأمر يفقد المبادرة فعاليتها».
ورأى عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع أن الحد الأدنى المقبول لأي تدخل مؤثر في ملف المصانع المتعثرة يتطلب رفع رأسمال الصندوق المرتقب إطلاقه إلى 50 مليار جنيه، مضيفاً: «بخلاف ذلك، لن يكون هناك أي أثر حقيقي أو ملموس على أرض الواقع».
أبدى أنيس اعتراضه على فكرة دخول الصندوق بحصص ملكية مؤقتة في المصانع المتعثرة، معتبراً أن هذا النهج قد يخلق مشكلات للبنوك المساهمة في الصندوق.
أضاف: «صاحب المصنع غير الكفء أو غير القادر إدارياً سيقبل بسهولة بالشراكة بحصص ملكية لأنه سيغرق المساهمين معه، بينما صاحب المصنع الجاد سيفضّل تمويلاً في صورة دين بفائدة منخفضة بدلاً من التنازل عن جزء من ملكيته».
ودعا إلى أن يكون الدعم في صورة تمويل مباشر وليس حصص ملكية، وبأسعار فائدة مخفضة لا تتجاوز 10%، مقارنة بالمستويات المرتفعة للفائدة حاليًا، والتي تصل إلى 20% و21% للإيداع والإقراض.
أشار إلى أن توجيه التمويل لا بد أن يكون انتقائياً ومحدد الهدف، بحيث يقتصر على المصانع التي تحقق أحد شرطين أساسيين: إما توجيه جزء كبير من منتجاتها للتصدير، أو العمل على توفير بدائل محلية للواردات.
اتفق معه رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية باتحاد الصناعات المصرية، حسن مبروك، الذي قال إن مساعدة المصانع المتعثرة لا يجب أن تتم عبر مبادرة تسمح للبنوك بالدخول كمساهمين في ملكية المصانع، بل عبر مبادرة أخرى تتنازل فيها البنوك عن الفوائد البنكية المتراكمة على الكيانات المتعثرة منذ سنوات، مع الالتزام بجدولة أصل الدين.
أضاف مبروك لـ«إرم بزنس» أن عدداً كبيراً من المصانع المتعثرة توقف بسبب عدم القدرة على سداد القروض البنكية، خاصة بعد الارتفاعات القياسية في أسعار الفائدة خلال السنوات الماضية.
قال مبروك: «نحتاج إلى حل جذري لأزمة المصانع المتعثرة، حل يعطي الأولوية لتشغيل المصانع وعودة العمالة، بدلًا من التركيز على تحصيل الفوائد والغرامات المتراكمة على المصانع».
منذ عام 2011، تحاول الحكومات المصرية المتعاقبة حل أزمة المصانع المتعثرة، عبر توفير تمويلات ميسرة من خلال بنك الاستثمار القومي، والصندوق الاجتماعي للتنمية، وشركة مصر لرأس المال المخاطر، لكن من دون جدوى تُذكر.
وقبيل انتشار فيروس «كوفيد-19» في عام 2020، سعت الدولة المصرية إلى إيجاد حلول جديدة لإنقاذ المصانع المتعثرة، عبر مبادرة أطلقها البنك المركزي المصري، وجّه خلالها البنوك بإزالة الفوائد المتراكمة عن المصانع المتعثرة، وإخراجها من القوائم السلبية، وإسقاط القضايا المنظورة أمام القضاء، إلا أن هذه الخطوة لم تحقق النتائج المرجوة أيضًا.
في منتصف عام 2024، ومع تولي كامل الوزير مسؤولية وزارة الصناعة، اتخذت الوزارة حزمة من الإجراءات لمواجهة أزمة المصانع المتعثرة، أسفرت عن إعادة تشغيل 987 مصنعاً متعثراً، فيما تواصل حالياً العمل على حل مشكلات المصانع الأخرى.
من جانبه، قال عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية، محمد البهي، إن حل أزمة المصانع المتعثرة سيساعد الدولة على بلوغ مستهدفاتها المتعلقة برفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي من 16% إلى 20% بحلول عام 2030.
أضاف البهي لـ«إرم بزنس» أن تشغيل آلاف المصانع المتعثرة سيسهم أيضاً في توفير آلاف فرص العمل، إلى جانب دعم الإنتاج والتصدير.
قال البهي: «تتطلع الدولة المصرية إلى رفع عوائد الصادرات ثلاثة أضعاف خلال أربعة أعوام، لتصل إلى نحو 145 مليار دولار بحلول عام 2030، مقابل قرابة 50 مليار دولار العام الماضي. هذا الهدف لن يتحقق إلا بزيادة الإنتاج الصناعي، من خلال إنشاء مصانع جديدة وتشغيل المصانع المتعثرة».