حددت بكين هدف عجز الموازنة عند حوالي 4%
يمثل هدف النمو تحولاً في عقلية صنع السياسات

حددت الصين يوم الخميس هدف نمو اقتصادها لعام 2026 عند ما بين 4.5% و5%، وهو أدنى مستوى مستهدف منذ أكثر من ثلاثة عقود، في إشارة واضحة إلى أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم يدخل مرحلة جديدة من إدارة النمو أكثر تحفظاً، في ظل ضغوط انكماشية ممتدة وتصاعد التوترات التجارية مع الولايات المتحدة.
يأتي الهدف الأحدث لنمو الاقتصاد الصيني إشارة تعكس تحوّلاً تدريجياً في أولويات بكين الاقتصادية، من مطاردة معدلات النمو المرتفعة إلى التركيز على استقرار الاقتصاد وإدارة المخاطر المالية المتراكمة.
وبحسب تقرير عمل الحكومة الصادر صباح اليوم الخميس، يمثل هذا الهدف تراجعاً عن نسبة حوالي 5% التي تم تحديدها في السنوات الثلاث الماضية، وهو الهدف الأكثر تواضعاً لثاني أكبر اقتصاد في العالم، باستثناء عام 2020 عندما لم تحدد بكين هدفاً للنمو بسبب الوباء.
ويشير تحديد هدف النمو دون مستوى 5% إلى تحول استراتيجي في عقلية القيادة الاقتصادية الصينية، إذ يبدو أن بكين لم تعد تسعى فقط إلى منافسة حجم الاقتصاد الأميركي، بل إلى إعادة موازنة نموذجها الاقتصادي بعد سنوات من التوسع القائم على الديون والاستثمار الضخم.
كما يعكس التحول، التركيز بصورة أكبر على استقرار الاقتصاد وجودة النمو بدلاً من مطاردة معدلات التوسع المرتفعة التي ميزت الاقتصاد الصيني لعقود.
أبقت بكين على هدفها المتعلق بعجز الميزانية دون تغيير عن العام الماضي عند حوالي 4% من الناتج المحلي الإجمالي.
جاء ذلك في الوقت الذي يعقد فيه المجلس الوطني لنواب الشعب، وهو أعلى هيئة تشريعية في البلاد، اجتماعه السنوي هذا الأسبوع.
وكان هدف العجز البالغ 4%، الذي تم تحديده لأول مرة في عام 2025، الأعلى على الإطلاق منذ عام 2010 وفقاً لبيانات «ويند إنفورميشن»، في حين كان الرقم القياسي السابق 3.6% في عام 2020.
أبقى صناع السياسات الصينيون هدفهم السنوي لتضخم أسعار المستهلكين ثابتاً عند حوالي 2%، إذ يعد هدف التضخم بمثابة سقف أكثر منه هدفاً يسعى صناع السياسات إلى تحقيقه.
وتم تحديد هذا الهدف لأول مرة في عام 2025، وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من عقدين، ويشير إلى اعتراف ضمني من جانب بكين بضعف الطلب المحلي.
وخلال عام 2025 بأكمله ظل نمو الأسعار ضعيفاً، إذ بلغ 0.7% عند استبعاد أسعار الغذاء والطاقة، نظراً لضعف ثقة المستهلك، ما أفقد النمو كثيراً من زخمه.
أقر رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ في تقرير العمل بوجود عدد كبير من القضايا الشائكة التي تواجه الاقتصاد، بما في ذلك:
تسعى بكين إلى الحفاظ على معدل البطالة في المناطق الحضرية، الذي بلغ 5.2% العام الماضي، عند حوالي 5.5% هذا العام، مع إضافة 12 مليون وظيفة جديدة في المدن.
قال كبير الاقتصاديين في وحدة المعلومات الاقتصادية تيانتشن شو: «هدف النمو واقعي للغاية، إنه تحول آخر من عقلية الرقم أولاً إلى عقلية الجودة أولاً».
كتب شو في مذكرة اليوم: «لا ترى بكين بالضرورة معدلات النمو المرتفعة كأمر جيد، لأنها قد تحفز المسؤولين المحليين على المبالغة في النمو من خلال مشاريع ضخمة غير مجدية، واستثمارات مكلفة ذات فائدة اقتصادية ضئيلة، وحتى التلاعب بالبيانات».
تعتزم الصين إصدار سندات خزانة خاصة طويلة الأجل للغاية بقيمة 1.3 تريليون يوان (188.5 مليار دولار) في عام 2026، وهو نفس المبلغ الذي تم إصداره العام الماضي.
كما خصصت 250 مليار يوان لدعم برنامج تبادل السلع الاستهلاكية، و300 مليار يوان أخرى لتجديد رأس المال في البنوك التجارية الكبيرة المملوكة للدولة.
وتخطط الحكومة أيضاً لإصدار سندات خاصة للحكومات المحلية بقيمة 4.4 تريليون يوان، وهو نفس المبلغ الذي تم إصداره العام الماضي، لتمويل المشاريع الكبرى وتخفيف الضغط على ديون الحكومات المحلية، وفقاً لتقرير العمل.
وقال رئيس الوزراء الصيني في تقرير العمل: «سيظل الإنفاق الحكومي هذا العام كبيراً إلى حد ما، مشيراً إلى أن تعزيز الاستهلاك ورفع مستويات المعيشة يجب أن يكونا من الأولويات».
وقال كبير الاقتصاديين في وحدة المعلومات الاقتصادية تعليقاً على ذلك: «التحفيز المالي المتواضع نسبياً يتماشى أيضاً مع هدف النمو الأكثر تحفظاً».
تعهدت بكين بمواصلة تطبيق سياسة نقدية تيسيرية مناسبة لتعزيز النمو، بما في ذلك تخفيضات محتملة في أسعار الفائدة وخفض نسبة الاحتياطي الإلزامي.
وقال لي: «سنقوم بتطوير أدوات جديدة وأفضل للسياسة النقدية الهيكلية، وتوسيع نطاقها حسب الحاجة، وتحسين طرق استخدامها».
وانطلقت فعاليات التجمع البرلماني السنوي للبلاد، المعروف باسم «الدورتين»، أمس الأربعاء بافتتاح المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، وهو هيئة استشارية سياسية عليا.
في حين بدأ المجلس الوطني لنواب الشعب اجتماعه يوم الخميس، ومن المقرر أن يختتم دورته السنوية في 12 مارس، ومن المتوقع أن يتحدث مسؤولو الوزارات الاقتصادية والمالية إلى الصحفيين بعد ظهر يوم الجمعة.
رغم نمو الاقتصاد الصيني بنسبة 5% العام الماضي، فإن البلاد دخلت عامها الرابع من الانكماش الاقتصادي وسط تراجع سوق العقارات وضعف ثقة المستهلكين وضغوط الديون الحكومية المحلية.
وارتفعت مبيعات التجزئة بنسبة 3.6% في عام 2025، بينما تفاقم الانكماش في أسعار المصانع، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 2.6% مقارنة بالعام السابق.
كما انخفض الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 3.8% العام الماضي، وهو أول انخفاض سنوي منذ عقود، في حين تفاقم التراجع في قطاع العقارات مع انخفاض الاستثمار فيه بنسبة 17.2%.
يأتي الاجتماع البرلماني لهذا العام بعد أن خاض ثاني أكبر اقتصاد في العالم ما يقرب من عام من حرب تجارية شديدة مع الولايات المتحدة، ما دفع الصين إلى تسريع تنويع صادراتها بعيداً عن السوق الأميركية نحو أوروبا وجنوب شرق آسيا.
وفي إشارة نادرة، إلى الآثار الاقتصادية الناجمة عن صدمة التعريفات الجمركية الأميركية علق رئيس الوزراء الصيني قائلاً: «إن إجراءات التحفيز الجديدة التي تم تنفيذها العام الماضي ساعدت في تخفيف حدة الضربة».
كما أثار الصراع المستمر في الشرق الأوسط مخاوف بشأن الزيارة المخطط لها للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين في وقت لاحق من هذا الشهر، حيث كان من المتوقع أن يلتقي بالزعيم الصيني شي جين بينغ.
وانتقدت الصين الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، داعيةً إلى وقف فوري لإطلاق النار والعودة إلى الحوار الدبلوماسي.