logo
اقتصاد

المغرب يراهن على الطائرات المسيّرة لبناء قوة صناعية دفاعية

المغرب يراهن على الطائرات المسيّرة لبناء قوة صناعية دفاعية
معرض مراكش الدولي للطيران، 1 نوفمبر 2024.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

في وقت تتسارع فيه الاستثمارات العالمية في الصناعات الدفاعية والتقنيات غير المأهولة، يعمل المغرب على ترسيخ موقعه ضمن الدول الصاعدة في صناعة الطائرات المسيّرة. وتأتي هذه التحركات مدفوعة برغبة الرباط في استغلال موقعها الجغرافي، وقاعدتها الصناعية المتنامية، وشبكة علاقاتها الدولية، لجذب استثمارات جديدة في واحد من أكثر القطاعات التكنولوجية نمواً وربحية على مستوى العالم.

وبحسب تقارير اقتصادية وتحليلات متخصصة، لم يعد التوجه المغربي مجرد خطة لتعزيز القدرات العسكرية والأمنية فحسب، بل تحول في نظر المراقبين إلى رؤية اقتصادية شاملة؛ حيث تشير هذه التقارير إلى أن الرباط باتت تنظر إلى الصناعات الدفاعية باعتبارها رافعة صناعية واستثمارية طويلة الأجل، قادرة على استقطاب التكنولوجيا المتقدمة، وتوطين المعرفة، وإيجاد وظائف نوعية، فضلاً عن تعزيز الصادرات الصناعية ذات القيمة المضافة المرتفعة.

أخبار ذات صلة

فريق «ستارك» يُجهّز طائرة «رايفن» دون طيار لأسبوع التدريب على برنامج «سبيكترا» في قاعدة إردينغ الجوية، ألمانيا، 4 ديسمبر 2025

«ستارك» الألمانية للطائرات المسيَّرة تسعى لجمع 350 مليون دولار

لماذا يبرز المغرب كمرشح للمختبرات العسكرية العالمية؟

سلّط تقرير صادر عن «مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية» (CSIS) الضوء على المغرب باعتباره أحد أبرز المرشحين لاستضافة مختبرات متقدمة لاختبار تقنيات الحرب الحديثة و«العمليات متعددة المجالات» (JADO).

وبحسب التقرير، فإن هذا الاختيار يستند إلى مزيج فريد من الاستقرار السياسي والموقع الجغرافي الإستراتيجي للمملكة كبوابة بين أوروبا وإفريقيا، إلى جانب امتلاكها بنية تحتية عسكرية متطورة، وخبرات متراكمة في إدارة المناورات العسكرية الضخمة متعددة الجنسيات.

ويمثل قانون الصناعات الدفاعية المغربي خطوة تنظيمية حاسمة أثبتت للمؤسسات الدولية أن المملكة لا تكتفي باستيراد الأنظمة العسكرية الجاهزة، بل تؤسس لبيئة تشريعية قادرة على استيعاب وتطوير ودمج الأنظمة غير المأهولة محلياً، مما يمهد الطريق لتحويل البلاد إلى مركز للإستراتيجيات الدفاعية المتقدمة التي تتجاوز مجرد الاستهلاك العسكري التقليدي إلى آفاق التصنيع والتطوير.

موازنة الدفاع المغربية وحوافز الاستثمار لعام 2026

يأتي هذا التوجه الإستراتيجي مدعوماً بزيادة متواصلة في الإنفاق الدفاعي، إذ رفعت الحكومة المغربية اعتمادات الالتزام المخصصة لإدارة الدفاع الوطني إلى 157.17 مليار درهم ضمن مشروع قانون المالية لعام 2026، في خطوة تعكس تنامي الاستثمار في تحديث المنظومات العسكرية، وتطوير قاعدة صناعية دفاعية محلية قادرة على استقطاب التكنولوجيا، والشراكات الدولية.

وتتوازى هذه الاعتمادات الضخمة مع إنشاء المملكة لمناطق صناعية مخصصة للصناعات الدفاعية، مدعومة بحوافز ضريبية وجمركية، وتسهيلات استثمارية مخصصة للمشاريع الإستراتيجية.

شركات الدفاع تتصدر المشهد مع تصاعد التوترات العالمية
شركات الدفاع تتصدر المشهد مع تصاعد التوترات العالميةالمصدر: إرم بزنس

مشروع «بايكار» التركي في المغرب ونقل تكنولوجيا الطائرات المسيّرة

على الصعيد العملي، بدأت هذه الإستراتيجية الطموحة تترجم إلى مشاريع صناعية ملموسة، ويبرز في هذا السياق مشروع شركة «بايكار» (Baykar) التركية، إحدى أكبر الشركات العالمية المتخصصة في تطوير وتصنيع الطائرات المسيّرة، والتي شرعت في تأسيس منشأة صناعية متطورة بمنطقة بنسليمان المغربية.

ولا تقتصر أهمية هذا المشروع على تصنيع الأنظمة غير المأهولة فحسب، بل تمتد إلى المساهمة في بناء قاعدة معرفية وتقنية محلية صلبة من خلال تدريب وتأهيل المهندسين والفنيين المغاربة ونقل الخبرات العميقة المرتبطة بتصميم وتطوير وصيانة الطائرات المسيّرة.

كما يمثل هذا التعاون خطوة مهمة نحو دمج الاقتصاد المغربي في سلاسل القيمة العالمية للصناعات الدفاعية، بما يتيح للمملكة الانتقال تدريجياً وبثبات من دور المستورد التقليدي للتكنولوجيا العسكرية إلى شريك مساهم في تطوير وإنتاج أنظمة غير مأهولة متطورة وموجهة للأسواق المحلية والإقليمية.

الاستفادة من بنيات صناعة الطيران المغربية القائمة

يستند الطموح المغربي في قطاع المسيّرات إلى قاعدة صناعية قائمة بالفعل ومتطورة في قطاع الطيران المدني، إذ تظهر بيانات وزارة الصناعة المغربية أن قطاع الطيران يضم، حالياً، نحو 150 شركة عاملة، ويوفر أكثر من 25 ألف وظيفة عالية الكفاءة للكوادر المحلية، في حين قفزت صادرات هذا القطاع لتصل إلى نحو 29 مليار درهم خلال العام 2025.

وتجتذب هذه المنظومة الصناعية المتكاملة باستمرار كبرى الشركات العالمية، حيث أعلنت مجموعة «سافران» (Safran) الفرنسية، مؤخراً، عن ضخ استثمارات جديدة بقيمة 280 مليون يورو لإنشاء مصنع جديد بالقرب من العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء.

ويمنح هذا الزخم الكبير في قطاع الطيران التجاري صناعة المسيّرات والدفاع ميزة تنافسية استثنائية، إذ يسهل نقل الكفاءات الهندسية المدربة، وتوظيف سلاسل التوريد المحلية القائمة بسلاسة، والاستفادة من البنية التحتية اللوجستية المتطورة لتقليص تكاليف الإنتاج وتسريع عمليات التصنيع العسكري والتكنولوجي المتقدم.

أخبار ذات صلة

مدينة أغادير في المغرب على ساحل المحيط الأطلسي، 11 فبراير 2018.

عروض الصيف.. كلمة سر السياحة المغربية للحفاظ على الانتعاشة

صناعة المسيرات في المغرب.. تكرار نموذج السيارات والبطاريات

يبدو أن المملكة تسعى، من خلال قطاع المسيّرات، إلى تكرار النموذج الملهم الذي نجحت من خلاله، سابقاً، في استقطاب استثمارات ضخمة في قطاعي السيارات والبطاريات الكهربائية، حيث تحول المغرب، في غضون سنوات قليلة، إلى منصة صناعية إقليمية رائدة تستقطب الاستثمارات الأجنبية الموجهة للتصدير نحو الأسواق الدولية.

وخلال السنوات الأخيرة، جذبت الرباط مشاريع بمليارات الدولارات في قطاع البطاريات، أبرزها استثمار صيني بقيمة 1.3 مليار دولار لشركة «غوشن هاي تك» (Gotion High-tech)، مما عزز مكانة المملكة ضمن سلاسل التوريد المرتبطة بالتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، والصناعات المستقبلية.

واليوم تراهن الحكومة على أن تؤدي الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة دوراً مشابهاً في إستراتيجية المغرب الرامية إلى التحول إلى منصة إقليمية وعالمية للصناعات التكنولوجية فائقة التقدم، خاصة أن المملكة باتت تمتلك الوصفة الاقتصادية المجربة المتمثلة في بيئة تشريعية مرنة، ويد عاملة مؤهلة ذات تكلفة تنافسية، واتفاقيات تجارة حرة متعددة، مما يجعل نقل هذا النجاح إلى قطاع المسيّرات أمراً قابلاً للتحقيق.

أخبار ذات صلة

طائرة هيلي المسيرة من شركة لود للطائرات الذاتية

من دبي للرياض.. الخليج يدخل عصر التوصيل بالطائرات المسيّرة والروبوتات

تصدير الطائرات المسيّرة المغربية واختراق الأسواق الإفريقية

إلى جانب تلبية الاحتياجات الدفاعية المحلية، تراهن الرباط على تحويل الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة إلى قطاع تصديري واعد موجه بالدرجة الأولى نحو الأسواق الإفريقية. ويستند هذا التوجه إلى الإستراتيجية المغربية الشاملة الرامية إلى تعزيز التكامل الاقتصادي مع دول القارة، وتطوير ممرات تجارية ولوجستية تربط أفريقيا بأوروبا عبر المملكة.

وتنسجم هذه الرؤية مع المبادرات التي أطلقتها المملكة لتعزيز الاندماج الاقتصادي الإفريقي، وفي مقدمتها «المبادرة الأطلسية» الهادفة إلى تسهيل وصول دول الساحل إلى الموانئ الأطلسية المغربية، إلى جانب الاستثمارات المتواصلة في البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية، حيث يسعى المغرب، وفقاً لـ«الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات»، إلى ترسيخ موقعه كمنصة صناعية وتصديرية تخدم الأسواق الأفريقية والأوروبية في آن واحد.

وفي هذا السياق، يبرز «ميناء طنجة المتوسط» كأحد المحركات الرئيسة لهذه الطموحات باعتباره أكبر ميناء في البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا من حيث طاقة مناولة الحاويات. وبفضل ارتباطه المباشر بأكثر من 180 ميناء حول العالم يوفر الميناء للشركات الصناعية العاملة في المغرب منصة تصدير فائقة السرعة قادرة على شحن المنتجات والأنظمة الدفاعية والمدنية بمرونة عالية، وهي مزايا لوجستية متكاملة يتوقع المراقبون أن تلعب دوراً محورياً في دعم إستراتيجية الرباط للتحول إلى مركز إقليمي رائد لإنتاج وتصدير الطائرات المسيّرة والتقنيات الدفاعية المتقدمة.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف