
تواجه «الجمعة السوداء»، التي تُعدّ الانطلاقة الرسمية لموسم التسوق في عطلات نهاية العام في الولايات المتحدة، مفارقة لافتة هذا العام: تدفّق قياسي متوقّع للمستهلكين، يقابله تراجع واضح في استعدادهم للإنفاق.
فعادةً ما ينتظر الأميركيون هذه المناسبة للاستفادة من الخصومات الكبيرة على الأجهزة الإلكترونية والمنزلية وشراء هدايا عيد الميلاد. غير أن تقديرات «الاتحاد الوطني لتجارة التجزئة» تُظهر أن الحدث سيجذب مشاركة أكبر مقارنة بالسنوات السابقة، بينما تشير البيانات الاقتصادية إلى أن المستهلكين سيكونون أكثر حذراً في مشترياتهم.
ويمثل هذا التباين تحدياً لقطاع التجزئة، الذي يحقق عادةً نحو ثلث أرباحه السنوية خلال موسم الأعياد.
تُظهر بيانات «الاتحاد الوطني لتجارة التجزئة» أن نحو ثلثي المستهلكين يخططون لانتظار عروض عطلة «عيد الشكر»، مقارنة بـ59% في العام 2024، فيما يُتوقّع أن يبلغ متوسط الإنفاق نحو 890 دولاراً للفرد هذا العام مقابل 902 دولار في العام الماضي. وتعكس هذه المؤشرات آثار التضخم وضعف نمو سوق العمل.
كما جاءت مبيعات التجزئة في سبتمبر أقل من التوقعات، بفعل استمرار الأسعار المرتفعة. وأسهمت الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في رفع الأسعار بنحو 4.9 نقطة مئوية، وفق تقديرات «تاكس فاونديشن».
مع اقتراب معدل البطالة من أعلى مستوى له في أربع سنوات، أصبح المستهلك الأميركي أكثر انتقائية وحذراً. كما هبطت ثقة المستهلك في نوفمبر إلى أدنى مستوى في سبعة أشهر، بحسب «كونفرنس بورد»، بينما تراجع عدد الأسر التي تخطط لشراء سيارة أو منزل في الأشهر الستة المقبلة.
وقالت نيكي بيرد، نائبة رئيس قسم الاستراتيجية في شركة «أبتوس»، إن متاجر التجزئة باتت تعرض منتجات أصغر وأقل تكلفة لجذب الزبائن، مثل المحافظ بدلاً من الحقائب الكبيرة.
ويبرز أيضاً اعتماد أكبر على شريحة محدودة من المستهلكين؛ إذ شكّل أعلى 10% من الأميركيين دخلاً – ممن يكسبون 250 ألف دولار سنوياً أو أكثر – نحو 48% من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي في الربع الثاني من 2025، ارتفاعاً من نحو 35% في منتصف التسعينيات، وفق «موديز أناليتيكس». ومع ذلك، فإن بعض ذوي الدخل المرتفع أصبحوا أكثر تحفظاً أيضاً.
تُظهر بيانات «سيفيك ساينس» أن الملابس والأحذية والإكسسوارات تتصدر قوائم التسوق الإلكتروني للجمعة السوداء، تليها ألعاب الأطفال والكتب، ثم ألعاب الفيديو والأفلام.
في منحى جديد، يتزايد لجوء المستهلكين إلى الذكاء الاصطناعي للمساعدة في قرارات الشراء—سواء لمقارنة الأسعار أو الحصول على مقترحات للهدايا أو لمتابعة الميزانية، وفق دراسة لـ«بنك أوف أميركا».
ومع توسع التسوق الإلكتروني، أصبحت عروض «الجمعة السوداء» تمتد لأسابيع، ولم تعد مجرد يوم واحد. ويعلّق أندي ساي، الأستاذ في «جامعة سانتا كلارا»، قائلاً: «إن مفهوم الجمعة السوداء بات متجاوزاً… وتحول إلى مجرد لحظة ضمن فترة أطول من التخفيضات».