logo
اقتصاد

الإمارات تُحصن اقتصادها ببرنامج يقلل انكشاف سلاسل الإمداد

الإمارات تُحصن اقتصادها ببرنامج يقلل انكشاف سلاسل الإمداد
سفينة حاويات عملاقة ترسو في ميناء جبل علي الذي تديره شركة "دي بي وورلد"المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

أقرت دولة الإمارات إطلاق البرنامج الوطني لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد في خطوة تهدف إلى حماية تدفق السلع الأساسية وتعزيز قدرة الاقتصاد المحلي على التعامل مع الاضطرابات التي تشهدها التجارة العالمية.

ويأتي البرنامج في إطار توجه أوسع لتعزيز الأمن الاقتصادي للدولة وضمان استدامة الإمدادات الغذائية والطبية والصناعية في ظل التحديات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق العالمية. وفقاً لما أعلنه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.

البرنامج الجديد لا يقتصر على إدارة المخزون أو مراقبة الأسواق، بل يستهدف تعزيز مرونة منظومة الإمداد عبر تنويع مصادر الاستيراد، ودعم الإنتاج المحلي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية مع الدول الموردة للسلع الحيوية، بما يقلل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على أسواق محددة.

أكثر من 150 سلعة تحت الدراسة

تشير البيانات الرسمية إلى أن الجهات المعنية في الدولة قامت بدراسة أكثر من 150 سلعة أساسية وحيوية لتقييم مدى تعرضها لمخاطر الاستيراد، إضافة إلى تحديد بدائل وأسواق جديدة يمكن الاعتماد عليها لضمان استمرار تدفق هذه السلع في حال حدوث اضطرابات في التجارة العالمية. كما تتضمن الخطة العمل على إبرام اتفاقيات مع دول وشركاء استراتيجيين لتأمين الإمدادات طويلة الأجل، بالتوازي مع دراسة فرص توطين بعض الصناعات المرتبطة بهذه السلع داخل الدولة أو الاستثمار في إنتاجها خارجياً.

أخبار ذات صلة

مشهد عام من إمارة دبي، الإمارات، يوم 12 سبتمبر 2024.

"جيه.بي مورغان" يتوقع ارتفاع جاذبية الإمارات للاستثمارات الأميركية

ارتباط بالسياسة الصناعية للدولة

يأتي إطلاق البرنامج ضمن منظومة اقتصادية وصناعية أوسع تهدف إلى تعزيز مرونة الاقتصاد الوطني، إذ سبقته قرارات حكومية لدعم توطين الصناعات الحيوية وتعزيز الإنتاج المحلي، من بينها إنشاء صندوق وطني للمرونة الصناعية بقيمة مليار درهم، إضافة إلى خطوات لتعزيز حضور المنتجات الوطنية في الأسواق المحلية والمنصات الرقمية وتحفيز الاستثمار في القطاعات الصناعية.

كما يُتوقع أن يشكل معرض «اصنع في الإمارات 2026» منصة لعرض الفرص الاستثمارية المرتبطة بالسلع الحيوية أمام المستثمرين والشركات الصناعية، بما يعزز دور الدولة كمركز إقليمي للتجارة والصناعة والخدمات اللوجستية.

تنويع مصادر الإمداد لا إلغاء الاستيراد

يرى زياد الهاشمي، استشاري اقتصاد النقل الدولي وسلاسل الإمداد، في تصريحات لـ«إرم بزنس»، أن البرنامج يمكن أن يسهم بدرجة مهمة في تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على موردين محددين، لكنه لا يعني إلغاء الاستيراد في اقتصاد منفتح مثل الإمارات.

ويقول الهاشمي إن جوهر البرنامج يتمثل في الانتقال من نموذج الاعتماد على مورد واحد أو سوق واحدة إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون استراتيجي وتوطين جزء من الإنتاج والاستثمار الخارجي في السلع الحيوية.

ويضيف أن المخاطر في سلاسل الإمداد اليوم لم تعد مرتبطة فقط بنقص السلع، بل أيضاً بارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وإغلاق الممرات البحرية، واضطراب الموانئ أو القيود التجارية المفاجئة، ما يجعل بناء بدائل توريد وإنتاج وتخزين أمراً أساسياً لضمان استمرار تدفق السلع وقت الأزمات.

قطاعات مرشحة للاستفادة

ويشير الهاشمي في حديثه لـ«إرم بزنس» إلى أن القطاعات الأكثر استفادة من البرنامج هي تلك التي تجمع بين الأهمية الاستراتيجية وإمكانية التوطين الجزئي.

في مقدمة هذه القطاعات تأتي الصناعات الغذائية، خصوصاً السلع الأساسية مثل المياه المعبأة، والألبان، والدواجن، والبيض، والطحين، والخبز، والزيوت وبعض المنتجات الزراعية التي يمكن إنتاجها أو تعبئتها محلياً.

أما القطاع الثاني فهو الصناعات الدوائية والطبية، خاصة الأدوية الأساسية والمستلزمات الطبية ومواد التعبئة والتغليف الدوائي، إذ إن أي اضطراب في إمدادات هذه المنتجات قد ينعكس مباشرة على الأمن الصحي.

كما يشير إلى أهمية الصناعات الاستراتيجية مثل المعادن الأساسية والصناعات الكيميائية ومواد البناء والصناعات الكهربائية والميكانيكية ومكونات التكنولوجيا المتقدمة، باعتبارها قطاعات ضرورية لاستمرار النشاط الصناعي والإنشائي في الدولة.

أخبار ذات صلة

جانب من اجتماع مجلس الوزراء الإماراتي برئاسة الشيخ محمد بن راشد 6 مايو 2025

الإمارات تطلق البرنامج الوطني لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد

الإمارات كمركز إقليمي لإدارة سلاسل الإمداد

ويعتقد الهاشمي في تصريحاته لـ«إرم بزنس» أن الإمارات تمتلك أساساً قوياً لتتحول إلى مركز إقليمي لإدارة سلاسل الإمداد في الشرق الأوسط، نظراً لموقعها الجغرافي وبنيتها التحتية اللوجستية المتقدمة، بما يشمل الموانئ والمطارات والمناطق الحرة وشبكة الاتفاقيات التجارية التي تربطها بمختلف الأسواق العالمية.

لكنه يشير إلى أن تحقيق هذا الدور يتطلب الانتقال من دور مركز العبور والتخزين إلى مركز لإدارة المخاطر والتخطيط والتصنيع الجزئي وإعادة التوزيع، إضافة إلى تطوير منصات البيانات وأنظمة الإنذار المبكر وعقود التوريد طويلة الأجل والشراكات القوية مع القطاع الخاص.

دور محوري للقطاع الخاص

ويؤكد الهاشمي  أن القطاع الخاص سيكون اللاعب التنفيذي الأهم في البرنامج، إذ تستطيع الحكومة وضع الإطار العام وتحديد السلع الحيوية وتقديم الحوافز وتنسيق الشراكات الدولية، لكن الشركات هي التي ستتولى الاستيراد والتخزين والتصنيع والتوزيع والاستثمار في هذه القطاعات.

كما يرى أن البرنامج قد يسهم في جذب استثمارات أجنبية إضافية في قطاعات الإنتاج والخدمات اللوجستية إذا جرى تقديمه للمستثمرين باعتباره برنامجاً صناعياً ولوجستياً طويل الأجل، وليس مجرد استجابة مؤقتة للأزمات.

المحطة الآلية بالكامل التابعة لشركة موانئ دبي العالمية في ميناء جبل علي في دبي، 27 ديسمبر 2018
المحطة الآلية بالكامل التابعة لشركة موانئ دبي العالمية في ميناء جبل علي في دبي، 27 ديسمبر 2018 المصدر: «رويترز»

نحو اكتفاء استراتيجي مرن

يقول الخبير المالي الإماراتي محمد القمزي، في تصريحات لـ«إرم بزنس»، إن البرنامج يعكس توجه الدولة نحو تعزيز الاكتفاء الاستراتيجي من السلع الحيوية، عبر تنويع مصادر الاستيراد ودعم الإنتاج المحلي والاستثمار الخارجي في القطاعات الحيوية.

ويشير القمزي إلى أن البرنامج يمكن أن يسهم في تعزيز الأمن الاقتصادي وتقليل تأثير الأزمات العالمية مثل الحروب أو اضطرابات التجارة، إلى جانب دعم الصناعات المحلية والزراعية وخلق فرص استثمارية جديدة داخل الدولة.

كما يرى أن تنويع الشركاء التجاريين ووضع خطط بديلة للإمدادات يمكن أن يقلل من مخاطر الانقطاع أو ارتفاع الأسعار، ويعزز قدرة الاقتصاد الإماراتي على التعامل مع التقلبات العالمية.

كيف يمكن قياس نجاح البرنامج؟

بحسب الخبراء الذين تحدث إليهم موقع «إرم بزنس» يمكن قياس نجاح البرنامج خلال السنوات المقبلة عبر مجموعة من المؤشرات العملية، من بينها تنوع مصادر الاستيراد، وانخفاض الاعتماد على مورد واحد للسلع الحيوية، وزيادة عدد السلع التي يتم إنتاجها أو تعبئتها محلياً، إضافة إلى حجم المخزون الاستراتيجي وسرعة الاستجابة عند حدوث اضطرابات في سلاسل التوريد.

وفي حال تحقيق هذه المؤشرات، قد يشكل البرنامج خطوة إضافية في مسار تعزيز مرونة الاقتصاد الإماراتي وترسيخ موقع الدولة كمركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية في المنطقة.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف