خطة ثلاثية لزيادة إنتاج الغاز وتعويض مليار قدم يومياً

تواجه أسواق الطاقة في الشرق الأوسط ضغوطاً متصاعدة منذ اندلاع المواجهة العسكرية الواسعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وهو ما تسبب في التأثير المباشر على توازنات الغاز في شرق المتوسط، خاصة بعد توقف الإمدادات القادمة من إسرائيل إلى مصر والأردن.
ومع تصاعد الاعتداءات الإيرانية في المنطقة، أصبحت أسواق الطاقة الخليجية والعالمية تراقب عن كثب كيفية تعامل الحكومة المصرية مع فجوة مفاجئة في إمدادات الغاز، وتداعياتها على الاقتصاد المحلي.
الصدمة الأولى جاءت مع إعلان إسرائيل إغلاق حقلي تمار وليفياثان تحت بند «القوة القاهرة»، ما أدى إلى فقدان مصر نحو مليار قدم يومياً من الغاز الطبيعي الذي كان يضخ عبر خطوط التصدير إلى السوق المصرية.
هذا التوقف الإسرائيلي، لم يكن مفاجئاً، حتى عادت مصر سريعاً إلى سوق الغاز الطبيعي المسال، وتحديداً عام 2025، وسجلت وارداتها نحو 8.92 مليون طن من الغاز المسال، وتشير التوقعات إلى ارتفاعها إلى أكثر من 11 مليون طن خلال 2026 لتعويض نقص الإمدادات.
ويمثل الغاز الطبيعي العمود الفقري لقطاع الكهرباء المصري، حيث يشكل نحو 76% من إجمالي توليد الكهرباء في عام 2023، وهو ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات تهديد مباشر لاستقرار الشبكة الكهربائية والقطاعات الصناعية.
في مواجهة هذه التطورات التي كانت متوقعة، اتخذت الحكومة المصرية سلسلة من الخطوات الاستباقية لتأمين احتياجاتها من الطاقة، وأبرزها، توقيع اتفاق لتوريد 80 شحنة غاز طبيعي مسال من الولايات المتحدة بقيمة تقارب 4 مليارات دولار، إضافة إلى اتفاق ثاني مع قطر لتوريد 24 شحنة خلال 2026.
وقررت الحكومة وقف ضخ نحو 100 مليون قدم مكعبة يومياً من الغاز عبر خط الغاز العربي إلى سوريا ولبنان، لتوجيه الكميات المتاحة إلى السوق المحلية.
وفي خطوة أخرى لتعزيز مرونة الاستيراد، تمتلك مصر حالياً 3 سفن تغييز في منطقة العين السخنة، وهو ما يسمح باستقبال شحنات الغاز المسال وإعادة تحويلها إلى غاز طبيعي بسرعة.
بالتوازي مع ذلك، تعمل القاهرة على مشاريع طويلة الأجل لتعزيز الإمدادات، من بينها مشروع ربط حقل أفروديت القبرصي بالبنية التحتية المصرية تمهيداً لإعادة تصدير الغاز.
رغم الضغوط الحالية، تراهن مصر على تكثيف أعمال الاستكشاف لتعزيز الإنتاج المحلي، ففي 2025 تم تسجيل 82 كشف جديد للبترول والغاز، منها 60 كشف نفطي و22 كشف للغاز الطبيعي، ودخل 67 كشف منها مرحلة الإنتاج بالفعل، وذلك وفقا لبيانات وزارة البترول المصرية.
وفي إطار خطط التوسع، للبترول المصرية، يشمل برنامج 2026 حفر 110 آبار استكشافية جديدة، بينما تستهدف الشركات العاملة في القطاع تنفيذ استثمارات تصل إلى 16.7 مليار دولار خلال 5 سنوات، موزعة بين 8 مليارات دولار من «إيني» و5 مليارات دولار من «بي بي» و3.7 مليار دولار من أركيوس.
وبحسب البترول المصرية، يجرى الآن حفر 484 بئراً استكشافي باستثمارات تبلغ 5.2 مليار دولار في مناطق مختلفة، مع تركيز خاص على البحر المتوسط والصحراء الغربية.
علي عبد الغني، خبير الطاقة، قال إن التداعيات الفورية للأزمة يمكن احتواؤها بفضل التحركات الاستباقية التي اتخذتها القاهرة، خاصة وأن مصر تمتلك الآن 3 سفن تغييز ولديها القدرة على استيراد عشرات الشحنات من الغاز المسال.
وأضاف في تصريحات لـ«إرم بزنس»، أن عقود التوريد التي تشمل 80 شحنة من الولايات المتحدة و24 شحنة من قطر تضمن تأمين جزء كبير من احتياجات عام 2026، وهو ما يقلل من احتمالات حدوث أزمة كهرباء واسعة، حتى مع توقف الإمدادات القادمة من شرق المتوسط.
وكشف عبد الغني، أن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بتأمين الكميات، بل بارتفاع التكلفة في ظل قفز الأسعار العالمية، وهو ما يفرض إدارة دقيقة للطلب المحلي وترشيد الاستهلاك لضمان استقرار منظومة الكهرباء التي يعتمد على حول 80 % من إنتاجها على الغاز الطبيعي.
من جانبه، يرى محمد إسماعيل، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن التعامل مع أزمة نقص إمدادات الغاز يتطلب التحرك وفق خطة متدرجة تجمع بين الحلول العاجلة وزيادة الإنتاج المحلي على المدى المتوسط.
وفي تصريح لـ«إرم بزنس»، أكد أن الدولة وضعت بالفعل استراتيجية تعتمد على 3 محاور رئيسية لتعويض أي نقص في الإمدادات التي تراجعت بنحو 1.1 مليار قدم يومياً بعد توقف تدفقات الغاز من شرق المتوسط.
المحور الأول يتمثل في التوسع في مناطق الاستكشاف الجديدة، خاصة في الصحراء الغربية والشرقية وحوض البحر المتوسط والبحر الأحمر، وهي مناطق شهدت خلال السنوات الأخيرة عشرات الاكتشافات التي ساهمت في تسجيل 82 كشف بترولي وغازي خلال عام 2025.
وتابع: «المحور الثاني فيركز على زيادة الإنتاج من الحقول القائمة بالفعل، وأن بعض الآبار العاملة يتجاوز عمرها 50 عامًا لكنها لا تزال قادرة على رفع الإنتاج باستخدام تقنيات حديثة لزيادة كفاءة الاستخراج».
وأضاف أستاذ هندسة البترول أن المحور الثالث يعتمد على إدخال الطاقة الشمسية في تشغيل الحقول لتقليل استهلاك الوقود وتوفير ملايين الدولارات سنوياً، بما يساهم في خفض فاتورة استيراد الغاز وتعزيز أمن الطاقة.