logo
اقتصاد

القطاع الخاص في مصر بين ضغط التكلفة وتراجع الطلب

القطاع الخاص في مصر بين ضغط التكلفة وتراجع الطلب
مشهد ليلي لحركة السيارات على جسر «6 أكتوبر» وسط العاصمة المصرية القاهرة يوم 24 أغسطس 2022.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

دخل القطاع الخاص غير النفطي في مصر مرحلة انكماشٍ أكثر وضوحاً خلال مارس، مع تسجيل نشاط الأعمال أضعف أداءٍ له في نحو عامين، في ظل تصاعد تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على التكاليف والطلب.

وأظهر «مؤشر مديري المشتريات» (PMI) الصادر عن «إس آند بي غلوبال» (S&P Global) أن المؤشر الرئيسي تراجع للشهر الرابع على التوالي، ليهبط إلى 48.0 نقطة في مارس، مقارنةً بـ48.9 نقطة في فبراير، مسجلاً أدنى مستوىً له منذ أبريل 2024. وبقي المؤشر دون مستوى 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش، رغم اقترابه من متوسطه طويل الأجل البالغ 48.2 نقطة.

أخبار ذات صلة

جانب من المؤتمر الصحفي لوزير المالية المصري، أحمد كجوك، خلال عرض الموازنة للعام المالي 2026/2027، في العاصمة القاهرة، يوم 11 أبريل 2026

وزير: مصر تستهدف زيادة إيراداتها الضريبية 14 مليار دولار العام المقبل

التضخم المستورد يضغط على الأساس

لا يرتبط هذا التراجع بعوامل محليةٍ فقط، بل بتصاعد ما يُعرف بـ«التضخم المستورد»، في ظل ارتفاع أسعار السلع عالمياً وقوة الدولار. فقد أظهر المسح أن تكاليف المدخلات ارتفعت بأسرع وتيرةٍ مشتركةٍ منذ نحو عامٍ ونصف، مدفوعةً بزيادة أسعار الوقود والسلع المرتبطة بالحرب، إلى جانب ارتفاع كلفة الاستيراد.

وتُظهر بيانات رسمية، مدعومة بتقييمات «صندوق النقد الدولي» (IMF)، أن مصر دخلت 2026 بمؤشرات استقرارٍ نسبي، مع تراجع التضخم إلى 11.9% في يناير وارتفاع الاحتياطيات إلى نحو 59.2 مليار دولار بنهاية 2025، غير أن هذه المؤشرات بدأت تواجه ضغوطاً خارجيةً جديدةً مع عودة أسعار الطاقة والسلع إلى الارتفاع عالمياً.

ويكتسب هذا العامل أهميةً خاصة، لأن ضغوط الكلفة لا تبقى محصورةً في جانب الاستيراد، بل تنتقل سريعاً إلى السوق المحلي عبر أسعار النقل والطاقة والمواد الخام، ما يضغط على القوة الشرائية ويحدّ من قدرة الشركات على الحفاظ على هوامشها دون التأثير على الطلب. وقد رفعت الشركات أسعار البيع بأسرع وتيرةٍ في عشرة أشهر، وفق المسح.

الحرب تعيد تشكيل سلاسل الإمداد

ولا تتوقف تداعيات الحرب عند الأسعار وحدها، إذ ترتبط صدمة الكلفة باضطرابٍ أوسع في مسارات التجارة والطاقة. فوفق سيناريو مرتبط باستمرار الاضطرابات، ترجحه «أوكسفورد إيكونوميكس» (Oxford Economics)، قد يرتفع متوسط سعر خام برنت إلى نحو 113 دولاراً للبرميل في الربع الثاني من 2026، مع خفض توقعات النمو العالمي إلى 2.6%.

كما تشير بيانات «وكالة الطاقة الدولية» (IEA) إلى تراجعٍ حادٍ في تدفقات النفط عبر «مضيق هرمز»، ما أدى إلى اختناقاتٍ في الإمدادات وارتفاع كلفة النقل والتأمين، وهي عوامل تنتقل مباشرةً إلى بيئة الأعمال في الاقتصادات المستوردة مثل مصر، وتزيد من تعقيد إدارة التكاليف.

محال تجارية في كورنيش الإسكندرية ليلاً، مصر، 6 أكتوبر 2025.
محال تجارية في كورنيش الإسكندرية ليلاً، مصر، 6 أكتوبر 2025. المصدر: شاترستوك

الطلب يتراجع قبل الإنتاج

ضمن هذا السياق، ارتبط ضعف أداء القطاع الخاص بتراجع الطلب، إذ هبط المؤشر الرئيسي إلى 48.0 نقطة، في حين أشارت بيانات «إس آند بي غلوبال» إلى انخفاض ملحوظ في كل من الإنتاج والطلبات الجديدة، مع اقترابهما من أدنى مستوياتهما في نحو عامين، في ظل تأثير ارتفاع الأسعار على إنفاق العملاء.

ويمثل هذا النمط مرحلة تباطؤٍ يقودها الطلب، حيث تبدأ الضغوط في سلوك المستهلكين قبل أن تمتد تدريجياً إلى الإنتاج والتوظيف والاستثمار، ما يضعف زخم النشاط الاقتصادي على مراحل.

التباطؤ يمتد خارج مصر عبر قنوات الطاقة والطلب

ولا يقتصر هذا النمط على السوق المصري، إذ تظهر مؤشرات مماثلة في اقتصاداتٍ أخرى. ففي الهند، تباطأ «مؤشر مديري المشتريات للخدمات» إلى 57.5 نقطة في مارس، وهو أدنى مستوىٍ في 14 شهراً، مع تراجع نمو الطلبات الجديدة. وفي كندا، أظهرت البيانات ضعفاً أوضح في النشاط الصناعي، إذ استقر المؤشر عند نحو 50 نقطة، بينما تراجع مؤشر الإنتاج إلى 49.6 والطلبات الجديدة إلى 48.7، في إشارة إلى دخول الطلب في منطقة الانكماش.

ويشير ذلك إلى أن تأثير حرب إيران تجاوز نطاقه الجغرافي، ليصل إلى النشاط الاقتصادي عبر قنوات الطاقة والتجارة والتضخم، ما يعزز الطابع العالمي للتباطؤ الحالي.

سلوك الشركات يتجه نحو الحذر

وعلى مستوى السوق المحلي، بدأت الشركات بالفعل في تعديل سلوكها التشغيلي. ففي تقارير ميدانية، أشار أصحاب أعمالٍ في القاهرة إلى تقليص ساعات العمل واعتماد نظام المناوبات، مع انخفاض الإيرادات اليومية في بعض الأنشطة بنسبة تصل إلى 50%.

كما لجأت شركاتٌ صغيرةٌ إلى تقليص التكاليف التشغيلية وتأجيل خطط التوسع، في مؤشرٍ على تحولٍ تدريجيٍ من نموذج النمو إلى إدارة المخاطر والسيولة، وهو ما ينعكس عادةً على وتيرة الاستثمار والنشاط في المدى المتوسط.

أخبار ذات صلة

جانب من العاصمة المصرية القاهرة يوم 1 مارس 2025.

«ستاندرد آند بورز» تؤكد تصنيف مصر الائتماني عند«B/B» مع نظرة مستقرة

تدهور المعنويات لأول مرة

وفي تطورٍ لافت، أظهر مسح «إس آند بي غلوبال» أن توقعات الشركات للأشهر الاثني عشر المقبلة دخلت المنطقة السلبية للمرة الأولى على الإطلاق، مع إشارة الشركات إلى أن عدم اليقين المرتبط بالحرب كان العامل الرئيسي وراء هذا التحول، رغم وصف درجة التشاؤم بأنها لا تزال «معتدلة».

وتدعم الأمثلة التشغيلية هذا التغير في المزاج، إذ إن تقليص ساعات العمل وتراجع الطلبات لا يعكسان ضغطاً مؤقتاً فقط، بل سلوكاً أكثر حذراً تجاه المستقبل، خاصةً في ظل استمرار تقلبات الأسعار والطاقة.

كما أن تباطؤ الحجوزات السياحية، الذي وصفته وزارة السياحة المصرية في 16 مارس بأنه «تباطؤ نسبي» في بعض الحجوزات المقبلة، يعزز صورة قطاع خاص بات يتعامل مع الأشهر المقبلة بقدر أكبر من التحوط.

صانع السياسة أمام معادلة معقدة

تضع هذه التطورات الحكومة المصرية أمام معادلةٍ أكثر تعقيداً بين احتواء التضخم والحفاظ على النمو. وقد بدأت السلطات بالفعل في اتخاذ إجراءاتٍ لامتصاص صدمة الطاقة، شملت رفع أسعار الكهرباء للشرائح الأعلى استهلاكاً بنسبة تصل إلى 16%، وللقطاع التجاري بنحو 20%، إلى جانب إجراءاتٍ لترشيد الاستهلاك وخفض الإنفاق.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت فاتورة واردات الطاقة بشكلٍ حاد، مع تضاعف تكلفة الغاز المستورد، ما يقلّص قدرة الحكومة على موازنة كبح التضخم دون دفع النشاط نحو تباطؤٍ أعمق.

صدمة الطاقة تضغط عبر السعر والتمويل

في المحصلة، لا تواجه مصر مجرد ارتفاعٍ في أسعار الطاقة، بل بيئةً اقتصاديةً عالميةً أكثر تقلباً تشمل السعر والتمويل والتوريد في آنٍ واحد. فأسعار النفط التي تجاوزت 100 دولارٍ للبرميل، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وإعادة توجيه التدفقات التجارية، كلها عوامل تضغط على الشركات من عدة اتجاهات.

ومع استمرار هذه الظروف، قد يتحول التباطؤ الحالي من قراءةٍ شهريةٍ عابرة إلى إشارةٍ مبكرةٍ على تحولٍ أوسع في مسار النشاط الاقتصادي، يتوقف على تطورات الحرب وقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف