logo
اقتصاد

السيولة في ليبيا.. هل تكفي مليارات المركزي لطمأنة الشارع والأسواق؟

السيولة في ليبيا.. هل تكفي مليارات المركزي لطمأنة الشارع والأسواق؟
مواطنان يتبادلان 10 دنانير ليبية مع ورقة نقدية من فئة 100 دولار أميركي في العاصمة الليبية طرابلس، 17 أبريل 2025المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

تعيش ليبيا على وقع أزمة سيولة خانقة تهدد الدورة المالية اليومية، مع عودة طوابير المواطنين أمام المصارف في مشهد يعكس هشاشة النظام النقدي في بلد يعتمد اقتصاده بنسبة تفوق 90% على عائدات النفط وتقلبات أسعاره العالمية.

وبينما يحاول المصرف المركزي ضخ مليارات الدنانير في الأسواق لإنعاش السيولة، تتزايد التساؤلات حول مدى قدرة هذه الخطوات على إحداث تأثير مستدام في ظل الانقسام المالي والضغوط التضخمية وتقلب أسعار الصرف في السوق الموازية.

ويرى مسؤول ليبي حالي وخبراء اقتصاد واستثمار، في أحاديث لـ«إرم بزنس»، أن الحل لا يكمن فقط في ضخ الأموال، بل في معالجة الجذور البنيوية للأزمة، عبر إصلاحات تشمل الرقابة المصرفية والتحول الرقمي وتعزيز الشفافية في الإنفاق العام.

أخبار ذات صلة

مصرف ليبيا المركزي

ليبيا.. المصرف المركزي يتعاقد على طباعة 60 مليار دينار لتوفير السيولة

وقال مصرف ليبيا المركزي، في بيان يوم 14 أكتوبر، إنه تعاقد على طباعة 60 مليار دينار (11 مليار دولار) لضمان توفر السيولة النقدية «بشكل متوازن ومستقر»، لافتاً إلى أنه «تم استلام ما يقارب 25 مليار دينار وتم توزيعها على المصارف، وجار توريد ما يقارب 14 ملياراً ستصل بالكامل قبل نهاية العام الجاري، والباقي سيكون في 2026».

وذكر البنك أنه في الآونة الأخيرة تم سحب أوراق نقدية بقيمة 47 مليار دينار تقريباً «للحفاظ على قوة الدينار الليبي وتعزيز الاستقرار النقدي والمالي للدولة».

فيما قالت «رويترز» وقتها إن سحب هذا المبلغ «ضاعف التحديات وزاد الضغوط على مصرف ليبيا المركزي والقطاع المصرفي»، وكان المصرف المركزي قرر في بيان يوم الـ6 من أبريل الماضي «تخفيض قيمة الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية 13.3%»، ليصبح 5.5677 دينار مقابل الدولار، في أول خفض رسمي منذ عام 2020، مرجعاً ذلك إلى إنفاق حكومي تجاوز 224 مليار دينار في 2024. فيما سيبلغ الدين العام الليبي 270 مليار دينار وسط توقعات بأن يتجاوز 330 مليار دينار بحلول نهاية العام.

ووقتها أكد ناجي عيسى محافظ البنك المركزي الليبي المسؤول عن إيرادات النفط المصدر الرئيس للعملة الأجنبية بالبلاد ودفع رواتب موظفي الدولة، في لقاءات مع أعضاء مجلس النواب الليبي، ورئيسي الحكومتين عبدالحميد الدبيبة وأسامة حماد، أن «الوضع الاقتصادي يتطلب قرارات جريئة، وتعاوناً وطنياً واسعاً، لتفادي سيناريوهات الانهيار الاقتصادي».

نجاح مشروط

وفي حديث لـ«إرم بزنس»، قال وزير الدولة لشؤون الاقتصاد السابق ورئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار الليبي الحالي، سلامة الغويل، إن طباعة 60 مليار دينار وسحب أخرى، يهدف إلى تعزيز توازن السيولة مع استمرار سحب وإتلاف أوراق قديمة أو غير معتمَدة.

وتحمل تلك الطباعة، وفق الغويل، مغزى اقتصادياً يتمثل في تحسين التوافر النقدي لكنها لا تعالج وحدها أسباب نقص السيولة المتمثلة في ضعف الثقة، الانقسام المؤسسي، بطء المدفوعات الإلكترونية، وتعثّر سياسة نقدية موحّدة، موضحاً أنه «إذا لم تُقترن بإدارة صارمة للإنفاق وامتصاص فائض الكتلة النقدية، قد تزيد الضغوط التضخمية وتُضعِف أثرها».

ولا يستبعد الغويل نجاح المصرف المركزي في حماية الاقتصاد وسط تقلبات الدولار، مؤكداً أن «النجاح مشروط بالتكامل، والأثر الإيجابي يتطلب تنسيقًا مالياً، وبيئة سياسية أكثر استقراراً، وآليات شفافة لشراء النقد الأجنبي»، مضيفاً: «بدون ذلك، تبقى الطباعة حلاً لوجستياً للسيولة أكثر من كونها علاجاً لأسعار الصرف».

ويرى أن استمرار نقص السيولة يفيد تقلبات الدولار، مضيفاً «تاريخياً، نقص السيولة وازدحام السحوبات يدفعان الأسر والتجار للاحتفاظ بالدولار/الذهب كملاذ، ما يزيد الطلب الموازي على العملة الصعبة عند أي توتر، ومن ثم يوسّع الفجوة مع السعر الرسمي، فحين شدّد المركزي السحب وسحب فئات قديمة، شهدت السوق الموازية تذبذباً وانخفاضاً لفترات قصيرة».

موظف بنك يعدّ أوراقاً نقدية داخل أحد البنوك في مدينة مصراتة، غرب ليبيا، يوم 25 أغسطس 2024.
موظف بنك يعدّ أوراقاً نقدية داخل أحد البنوك في مدينة مصراتة، غرب ليبيا، يوم 25 أغسطس 2024. المصدر: أ ف ب

حزمة إجراءات مطلوبة

ولا يكفي ضخ السيولة وحده في مواجهة تقلبات الدولار، بحسب سلامة الغويل، مؤكداً أنه بحاجة إلى حزمة إجراءات واقعية قصيرة-متوسطة الأجل، تتمثل في توسيع المدفوعات الرقمية وخفض الاعتماد على الكاش والطلب على البنكنوت، وإقامة مزادات ومنصات شفافة للعملة الصعبة لتغطية الاعتمادات المستندية مع نشر بيانات أسبوعية عن حصص القطاعات، وتجفيف النقد غير النظامي باستمرار سحب الإصدارات غير المسجلة وملاحقة التداول الموازي غير القانوني، وضبط الإنفاق العام، وتقليص الممارسات شبه المالية (مقايضات الوقود وغيرها)، والعمل وفق موازنة موحّدة.

ويبلغ سعر الدولار رسميّاً (بالبنك) قرابة 5.43–5.44 دينار/دولار في يوم 16 أكتوبر 2025، لكن في السوق الموازية يدور عادة في نطاق نحو 7.0–7.3 دينار/دولار هذا الأسبوع، وتعرض لهبوط مؤقت إلى 6.94 بداية أكتوبر بعد سحب فئات قديمة، وتظل الأرقام تقريبية ومتغيرة بحسب المدينة والسيولة، وفق الغويل.

وتؤثر تلك التقلبات على المستثمرين، «وبشكل ملموس خاصة مع التقلّب بين الرسمي والموازي، وتوقيت فتح الاعتمادات، وعدم يقين السياسات يرفع مخاطر التسعير والتسليم»، مؤكداً أن «الاستقرار النسبي للسعر الرسمي (حوالي 5.4) لا يكفي إذا استمرّت فجوة تقلبات الدولار».

ويرى أن إجراءات المركزي لحماية الاقتصاد والعملة، مفيدة ولكنها غير كافية منفردة، مؤكداً أنها ستُحسّن السيولة وتُسهّل الاستبدال النقدي، وقد تُضيّق فجوة مع الموازي إذا رافقها شفافية أكبر في سوق الصرف، وتسريع التحوّل للدفع الإلكتروني، ومواصلة سحب غير المسجّل والقديم، وانضباط إنفاقي يقلّص العجز والتمويل التضخمي، مضيفاً: «بدون هذا التكامل، سيبقى الأثر جزئياً وموسمياً».

وخلص وزير الدولة لشؤون الاقتصاد السابق ورئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار الليبي الحالي، سلامة الغويل، إلى أن «الطباعة تُحل مشكلة الكاش لا سعر الصرف»، مؤكداً أن «حماية الدينار تتطلب حزمة متزامنة: سوق صرف شفافة، تعقيم نقدي، مدفوعات رقمية، إنفاق منضبط، وسحب صارم للعملة غير النظامية. عندها فقط يمكن تقليص الفجوة مع الموازي واستعادة ثقة المستثمر».

أخبار ذات صلة

ميدان الشهداء في طرابلس، ليبيا، 2 سبتمبر 2023

نمو ليبيا المذهل.. انتعاش حقيقي أم مجرد أرقام؟

تحركات للإنقاذ

ويرى رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية المحلل الاقتصادي، خالد بوزعكوك، في حديث لـ«إرم بزنس» أنه «للأسف رغم كل المجهودات التي قام بها فريق مصرف ليبيا المركزي إلا أن أزمة السيولة ما زالت قائمة منذ سنوات والأشهر الأخيرة زادت مما دعا لتحرك جديد من المركزي».

وأضاف: «الأزمة تتفاقم بسبب التأخر في وصول المخصصات المالية للمصارف، بخلاف أنه كانت هناك فترة طويلة ما بين إلغاء التداول بالعملة ووصول العملة الجديدة وعدم ثقة المواطن في وسائط الدفع الإلكتروني بسبب توقفها عن العمل كنتيجة للبنية التحتية المنهكة وتذبذب التيار الكهربائي وعدم تعميمها في كل مدن ليبيا وتركزها على المدن الرئيسة».

ويؤكد أن أهم الحلول لهذه الأزمة هو التوعية المصرفية المكثفة بوسائل الإعلام، والتوسع في التحول الإلكتروني والرقمي وانتظام الخدمات الرقمية، والرقابة المصرفية الصارمة، وثبات سعر الدولار.

وأكد أن عدم استقرار الدولار يشكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد والسيولة رغم دعم إيرادات النفط، خاصة وليبيا تعتمد على استيراد أغلب السلع بالخارج بالدولار، فضلاً عن تحويلات دولارية لأكثر من 3 ملايين عامل بليبيا عبر السوق الموازية، موضحاً أن تقلب سعر الدولار بسبب المضاربة عليه وحجم العرض والطلب وهذا يؤثر على عوامل جذب المستثمرين.

وقال مصرف ليبيا المركزي، في بيان الخميس، إن إيرادات النفط التي تشكل 90 % من اقتصاد البلاد بلغت 79.4 مليار دينار ليبي (14.65 مليار دولار) في الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، بعدما بلغت 9.43 مليار دولار في النصف الأول من 2025، ثم قفزت إلى 13.9 مليار دولار بنهاية يوليو.

التحول الرقمي منقذ

وفي ظل أزمة السيولة، قال رجل الأعمال الليبي، حسني بي، في حديث لـ«إرم بزنس»: «نحن بشركاتنا لا نعاني من الأزمة، حيث إنه لا يقل عن 90% من مبيعاتنا حوالات مصرفية وصكوك ودفع إلكتروني، وكل ما تبقى من تسويات نقدية لا يتعدى حسب الأسبوع الماضي 5%، ونخطط لتبني سياسة (Zero Cash) ودفع إلكتروني 100%»، موضحاً أن من لا يعتمد على التحول الرقمي بالتأكيد سيعاني من تقلبات الدولار ونقص السيولة خلال الستة أشهر المقبلة.

وأوضح أن أزمة نقص السيولة النقدية في المصارف التجارية ليست ناتجة عن ندرة في إجمالي العرض النقدي، بل عن خلل في توزيع السيولة بين عملة لدى الجمهور وأرصدة لدى المصارف واحتفاظ باحتياطيات لدى البنك المركزي، مشيراً إلى أن هذا الأمر كان لافتاً منذ 2014.

ويتوقع أن ضخ عملة إضافية بقيمة 14 مليار دينار قبل نهاية 2025، و21 ملياراً خلال الربع الأول 2026، يُرجّح أن يعيد التوازن وينهي الأزمة مع رجوع الثقة بالمصارف مع نمو الدفع الإلكتروني.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف