ليبيا تعيش على الدخل الريعي من عائدت النفط
«السوق الموازي» تلتهم الدينار وتشعل التضخم

في أحدث تقديراته، وضع «صندوق النقد الدولي» ليبيا في صدارة الدول العربية من حيث النمو الاقتصادي لعام 2025 بنسبة 17.3%، مع معدل تضخم متوقع لا يتجاوز 2.3%، ما يجعل هذه الأرقام لافتة في بلد يعيش انقساماً سياسياً عميقاً ويعتمد اقتصاده بشكل شبه كامل على النفط.
لكن هذه المؤشرات، رغم قوتها الظاهرية، تطرح تساؤلات حول طبيعة النمو المرتقب: هل يمثل بداية لتعافٍ اقتصادي مستدام، أم أنه مجرد ارتفاع إحصائي ناتج عن انخفاض قاعدة الإنتاج في عام 2024؟
البيانات الرسمية تدعم رواية الصندوق: المؤسسة الوطنية للنفط أعلنت وصول الإنتاج إلى 1.37 مليون برميل يومياً بنهاية 2024، ثم ارتفع إلى 1.388 مليون برميل في سبتمبر 2025، مع خطط لرفع الطاقة الإنتاجية إلى مليوني برميل يوميًا في السنوات المقبلة.
في الوقت نفسه، كشف مصرف ليبيا المركزي أن الإيرادات النفطية بلغت 9.43 مليار دولار في النصف الأول من 2025، وقفزت إلى 13.9 مليار دولار بحلول يوليو. هذه المؤشرات، إذا استمرت، تجعل رقم 17.3% ممكناً حسابياً.
لكن وحدة الأبحاث في «إرم بزنس» ترى أن الصورة أعقد مما تعكسه الجداول. فالنمو المتوقع يأتي من «ارتداد» بعد سنة ضعيفة في 2024 شهدت اضطرابات في الشرارة والهلال النفطي. وبعبارة أخرى، «القفزة ليست نتاج تنويع اقتصادي أو إصلاح هيكلي، بل نتاج تحسن جزئي في ضخ النفط».
هذا ما يذهب إليه أيضاً الباحث في المركز الأفرواسيوي للدراسات الاستراتيجية في لندن، عبدالعزيز أغنية، الذي قال لـ«إرم بزنس» إن «المشهد السياسي الليبي يلقي بظلاله على الاقتصاد، وإن النمو الذي أشار له صندوق النقد ليس قيمة حقيقية لما يحدث داخل السوق».
برأيه، الصندوق يتعامل مع بيانات صادرات النفط المرسلة من المصرف المركزي، لكنها لا تعكس تضخماً متصاعداً، ولا انهيار الدينار الليبي أمام الدولار، ولا اتساع السوق الموازية للعملة الذي صار أكبر مهدد للاستقرار المالي.
يعتمد الاقتصاد الليبي بنسبة تفوق 90% على النفط. هذه الحقيقة تجعل من أي استقرار في الحقول والموانئ عنصراً كافياً لإحداث قفزة في الناتج المحلي الإجمالي.
لكن كما يوضح أغنية، فإن هذه القفزة لا تمثل تحولاً في الاقتصاد، بل «انعكاساً لمعادلة رقمية مرتبطة بالبرميل وسعر الدولار».
وهو يحذر من أن الاعتماد على شركات أجنبية أوروبية في تشغيل الحقول قد يضعف قدرة ليبيا على إدارة إنتاجها بشكل سيادي، خاصة أن تلك الشركات «تسعى إلى تعظيم أرباحها في المدى القصير، بينما يبقى الاستثمار طويل الأمد معلقاً على الاستقرار السياسي».
رغم التقديرات المتفائلة حول التضخم عند 2.3%، يرى أغنية أن الواقع مختلف تماماً: «ليبيا تشهد تضخماً كبيراً وانهياراً للعملة المحلية. الأسعار في السوق الموازية ترتبط مباشرة بالدولار، ومع غياب كفاءة مصرف ليبيا المركزي وفرض قيود على العملات الأجنبية، يتآكل دخل المواطن بسرعة». ويضيف أن المشاريع التي تُعلن بأرقام فلكية في البنية التحتية أو الإعمار تُترجم فعلياً إلى تكاليف باهظة بسبب ضعف الدينار ووجود عمولات وسماسرة يستنزفون القيمة المضافة.
التقديرات الدولية تفترض استمرار الاستقرار التشغيلي للموانئ والحقول. لكن الانقسام المؤسسي بين حكومتي الشرق والغرب يهدد هذه الفرضية. وفق أغنية، «هناك اتفاق غير معلن بين الحكومتين على اقتسام إيرادات النفط، لكن هذا الترتيب هش ويمكن أن ينفجر مع أي أزمة سياسية جديدة».
ويضيف أن الفساد المستشري في المؤسسات، والمحاصصة على المناصب، يقوضان أي إمكانية لبناء اقتصاد متماسك، في حين أن إعلان «القوة القاهرة» أصبح أداة سياسية تُستخدم لرفع سقف المطالب، أكثر من كونه حدثاً ميدانياً فعلياً.
على الورق، يمكن أن يتحول قطاع الإعمار إلى رافعة ثانية للنمو بجانب النفط، خصوصاً مع تدفق شركات مصرية وغربية إلى الشرق الليبي بحثاَ عن عقود.
لكن بحسب أغنية، فإن «المنطقة الغربية، وخصوصاً طرابلس، ما زالت تعيش قلقاً دائماً من انفجار الصراع في أي لحظة، ما يقلل من جاذبيتها للاستثمار الأجنبي». ويضيف أن غياب وحدة مؤسسية حقيقية يعيق أي مشروع وطني شامل، ويجعل الإعمار فرصة مقسمة بين مناطق بدل أن يكون مساراً جامعاً.
الجواب يتوقف على زاوية النظر: صندوق النقد الدولي يتعامل مع مؤشرات كلية مرتبطة بالنفط والإيرادات الرسمية، وهذا يبرر توقعه %17.3. لكن من منظور السوق الداخلية، كما يشدد أغنية، فإن الاقتصاد الليبي يعيش تضخماً متسارعاً، وديناراً منهاراً، وفساداً مؤسسياً، واعتماداً شبه كامل على الاستيراد. في هذه البيئة، النمو الرقمي لا يعني تحسنًا في حياة المواطن أو استدامة في النشاط الاقتصادي.
بالتالي، يمكن القول إن ليبيا ستقود نمو المنطقة رقمياً في 2025، لكن «المعجزة» قد تبقى حبيسة الجداول والإحصاءات، بينما الواقع على الأرض يروي قصة أخرى عن اقتصاد هش، مهدد بالانقسام السياسي، ومعتمد على برميل نفط يظل عرضة للقوة القاهرة.
ولتحويل القفزة الرقمية إلى قصة نجاح، تحتاج ليبيا إلى استقرار إنتاج النفط 12–18 شهراً دون «قوة قاهرة»، وإصلاحات مؤسسية مثل توحيد السياسة المالية والرقمنة الكاملة لمدفوعات الرواتب، مع ضبط الدعم. أغنية يرى أن الاستقرار السياسي وحده كفيل بإعادة ثقة الشركات الكبرى وعودة الاتفاقيات التي كانت تحد من نفوذ الشريك الأجنبي. أما استمرار الانقسام فسيعني بقاء ليبيا رهينة صفقات مؤقتة وبيئة استثمارية عالية المخاطر.