خبراء: خفض الفائدة يدعم الاستقرار ويحفّز الاستثمار الإنتاجي

أثار قرار البنك المركزي المصري بخفض أسعار الفائدة الرئيسية بمقدار 200 نقطة أساس نهاية أغسطس الماضي موجة من التغييرات في القطاع المصرفي، وأعاد تشكيل استراتيجيات الادخار والاستثمار في مصر.
عقب القرار سارعت البنوك إلى تعديل عوائد شهادات الادخار، في ظل تباطؤ معدل التضخم السنوي إلى 13.9% في يوليو 2025.
والشهادة ذات العائد المتغير هي شهادة ادخار يختلف معدل عائدها مع الوقت، حيث ترتبط بأسعار فائدة معينة مثل سعر الإيداع الخاص بالبنك المركزي المصري بحيث يتغير العائد عليها صعودًا وهبوطًا مع تغير هذه الأسعار.
يقدم 3 شهادات ادخار ثلاثية جديدة ذات عائد متغير، مرتبط بسعر الكوريدور (الإيداع) المعلن من البنك المركزي المصري، وهي كالآتي:
شهادة (3 سنوات):
شهادة (5 سنوات):
تشير الأرقام الحكومية في مصر إلى استمرار النمو في حجم الودائع، فقد سجّل إجمالي شهادات الاستثمار والودائع ذات الأجل 6.593 تريليون جنيه (نحو 135.8 مليار دولار) في يونيو 2025، مقارنة بـ6.502 تريليون جنيه (نحو 134.0 مليار دولار) في مايو.
أما الودائع غير الحكومية بالجنيه المصري، فقد بلغت 8.6 تريليون جنيه في يونيو، مقارنة بـ8.432 تريليون في مايو.
على صعيد الودائع بالعملات الأجنبية، التي يهيمن عليها الدولار الأميركي، سجلت ما يعادل 3.091 تريليون جنيه (حوالي 63.73 مليار دولار) في يونيو 2025، بناءً على سعر صرف متوسط 48.5 جنيه للدولار في أغسطس.
من جانبها، أشادت الخبيرة المصرفية سهر الدماطي في حديثها مع «إرم بزنس» بقرار خفض الفائدة، معتبرة إياه دليلاً على نجاح السياسات النقدية في السيطرة على التضخم، الذي تراجع من ذروته عند 38% في سبتمبر 2023 إلى مستويات أكثر استقراراً في 2025.
أوضحت الخبيرة المصرفية أن العوائد الحالية، رغم انخفاضها، لا تزال جاذبة للأسر المصرية التي تبحث عن أمان مالي، خاصة مقارنة بالمخاطر المرتبطة بالاستثمارات الأخرى.
أضافت أن الخفض يشجع المودعين على استكشاف استثمارات إنتاجية مثل العقارات الإدارية والإيجارية، التي توفر عوائد مستدامة على المدى الطويل.
فيما يتعلق بالذهب، أكدت أنه يبقى استثماراً طويل الأجل لا يقدم عائداً دورياً؛ مما يجعله أقل جاذبية للمودعين الذين يعتمدون على دخل شهري من مدخراتهم.
من جانبه، يوضح رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية رشاد عبده في حديثه مع «إرم بزنس» أن خفض الفائدة أصبح توجهاً عالمياً بعد تزايد التوقعات بخفض الفائدة الأميركية خلال الفترة القادمة، مشيراً إلى اختلاف طبيعة المستثمرين؛ فهناك المتحفظ الذي يفضل شهادات الادخار طويلة الأجل لما توفره من عامل الأمان، بالإضافة إلى المستثمر المخاطر الذي يتجه نحو البورصة لما قد يحصل عليه من أرباح ولكنها عالية المخاطر، والمستثمر المتوازن الذي يجمع بين الاستثمار في الشهادات جنباً إلى جنب مع الاستثمار في الذهب أو العقارات.
مع التراجع الطفيف في عوائد الشهادات الادخارية، قد يتجه المودعون نحو استثمارات بديلة تقدم عوائد أعلى أو استقراراً أكبر. فقد شهد الذهب إقبالاً متزايداً بعد قرار الخفض، حيث ارتفع سعر الغرام عيار 21 إلى 4650 جنيهاً في 29 أغسطس، ثم إلى 4820 جنيهاً في 3 سبتمبر، مع زيادة الطلب بنسبة 20%.
في سوق العقارات، يتوقع المحللون انتعاشاً قوياً بنسبة 15-20% في النصف الثاني من 2025، مدفوعاً بانخفاض تكاليف التمويل نتيجة خفض الفائدة. وقد سجّل سوق العقارات نمواً بنسبة 12% في النصف الأول من العام، ومع الخفض الجديد، يتوقع أن يرتفع النمو إلى 18%، خاصة في المناطق الواعدة مثل العاصمة الإدارية الجديدة ومدن الجيل الرابع.
باعتقاد الخبير الاقتصادي رشاد عبده، فإن تداعيات خفض الفائدة لا تقتصر على القطاع المصرفي، بل تمتد إلى الاقتصاد الكلي والسلوكيات الاجتماعية. فمن ناحية، يقلل الخفض من تكلفة الاقتراض، الأمر الذي يحفز الشركات والأفراد على الاستثمار في مشاريع جديدة، خاصة في القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة.
من ناحية أخرى، قد يؤدي إلى تغييرات في عادات الإنفاق والادخار لدى الأسر المصرية، التي اعتادت على الاعتماد على الشهادات كمصدر دخل ثابت.
بحسب الخبير الاقتصادي، فإن خفض أسعار الفائدة يفتح آفاقاً جديدة لسلوكيات الادخار والاستثمار في مصر، مع توجه ملحوظ نحو الأصول الحقيقية مثل العقارات والذهب. ومع ذلك، يظل الاستقرار الاقتصادي مفتاحاً لتجنب المخاطر المحتملة، مثل ضعف الجنيه أو تقلبات السوق.
في هذا السياق، يحذر عبده من أن التحولات الجيوسياسية في المنطقة قد تمثل ضغطاً على الاقتصاد المصري بسبب عدم الاستقرار الإقليمي، ويؤكد على ضرورة التوازن بين تحفيز الاستثمار والحفاظ على ثبات سعر صرف العملة، لضمان الاستمرار في مؤشرات التحسن الاقتصادي التي تنعكس إيجابياً على أحوال المواطنين.