logo
اقتصاد

هل تغيّر حجم الاقتصاد الأردني فعلاً أم تغيّرت طريقة القياس؟

هل تغيّر حجم الاقتصاد الأردني فعلاً أم تغيّرت طريقة القياس؟
منطقة وسط عمّان القديمة، الأردن، 23 أكتوبر 2025المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

أعادت مراجعة الإطار الإحصائي لحسابات الناتج المحلي الإجمالي رسم الخريطة الرقمية لحجم الاقتصاد في الأردن، بعد أن أظهرت الأرقام المحدثة قفزة تجاوزت 5.1 مليار دولار دفعة واحدة، هذه المراجعة لا يمكن التعامل معها كإجراء فني معزول، بل كتحول جوهري في طريقة قراءة الاقتصاد وقياسه، بما يحمله ذلك من آثار مباشرة على السياسات المالية والنقدية، وعلى صورة الاقتصاد الأردني في عيون المستثمرين والمؤسسات الدولية، فالأرقام الجديدة لا تعكس نمواً فعلياً في الإنتاج بقدر ما تعكس توسعاً في إطار القياس ليصبح أكثر شمولاً وواقعية.

وتطرح هذه القفزة الرقمية نقاشاً واسعاً حول الفارق بين التحسن المحاسبي للمؤشرات الاقتصادية وبين الأثر الحقيقي على معيشة المواطنين، ورغم أن ارتفاع الناتج المحلي وتحسن نسب الدين والعجز إلى الناتج يعطي انطباعاً إيجابياً للأسواق والمؤسسات الدولية، إلا أن هذا التحسن لا يترجم تلقائياً إلى ارتفاع فوري في الدخل أو تراجع ملموس في الضغوط المعيشية، غير أن الخبراء يجمعون في حديثهم لـ«إرم بزنس» على أن القيمة الأهم لهذه المراجعة تكمن في توفير قاعدة بيانات أكثر دقة وموثوقية لصناعة القرار الاقتصادي، وهو ما يشكل شرطاً أساسياً لأي إصلاح اقتصادي عميق ومؤثر.

أخبار ذات صلة

جانب من العاصمة الأردنية عمّان يوم 5 فبراير 2025

تحوّل استثماري في الأردن.. صعود التكنولوجيا وتراجع هيمنة العقارات

الإطار المؤسسي والمنهجي للمراجعة

المراجعة التي نفذتها دائرة الإحصاءات العامة بالتعاون مع «صندوق النقد الدولي» و«الإسكوا» جاءت في سياق التزام الأردن بتطبيق أحدث معايير نظام الحسابات القومية المعتمد عالمياً. وقد شملت تحديث سنة الأساس، وتطوير مصادر البيانات، وإعادة بناء سلاسل زمنية طويلة وفق منهجيات أكثر دقة.

كما تضمنت إدخال أنشطة اقتصادية لم تكن محتسبة سابقاً، وتحسين آليات قياس قطاعات أخرى شهدت تحولات هيكلية عميقة خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد جائحة كورونا والتغيرات التي طرأت على أنماط الإنتاج والاستهلاك.

قاعدة صلبة للسياسات الاقتصادية

يرى وزير المالية الأسبق محمد أبو حمور، في حديثه لـ«إرم بزنس» أن الناتج المحلي الإجمالي يمثل حجر الزاوية في منظومة المؤشرات الاقتصادية التي تُبنى عليها القرارات الكبرى والاستراتيجيات التنموية، وأن أي خلل في قياسه ينعكس مباشرة على دقة السياسات العامة.

ويؤكد أن نظام الحسابات القومية، منذ نشأته قبل أكثر من سبعين عاماً، خضع لمراجعات دورية لمواكبة التحولات الاقتصادية العالمية، وأن المراجعة الأخيرة في الأردن تأتي في هذا الإطار العالمي الذي يسعى إلى تحقيق أعلى درجات الموضوعية والمصداقية.

ويضيف أبو حمور أن توسيع التغطية الإحصائية واعتماد مصادر جديدة للبيانات مكّن من احتساب أنشطة اقتصادية كانت خارج الإطار الرسمي، الأمر الذي أفضى إلى قراءة أدق لحجم الاقتصاد الحقيقي.

ويعتبر أن الأثر الأهم لهذه المراجعة يتمثل في تمكين الحكومة والبنك المركزي من بناء سياسات مالية ونقدية أكثر واقعية، قائمة على بيانات تعكس النشاط الاقتصادي الحقيقي لا التقديري.

كما يشير إلى أن تعزيز الشفافية وموثوقية الأرقام يرفع مستوى الثقة لدى المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية، ويمنح الاقتصاد الأردني وزناً أكبر في التقارير الدولية. وفي المقابل، يؤكد أن ارتفاع متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي وانخفاض نسبة الدين العام إلى الناتج يبقيان ضمن الأثر المحاسبي، دون أن يعني ذلك بالضرورة تحسناً فورياً في مستوى معيشة المواطنين.

جانب من اجتماع مجلس الورزاء الأردني، في 24 أغسطس 2025
جانب من اجتماع مجلس الورزاء الأردني، في 24 أغسطس 2025 المصدر: بترا

رسائل إيجابية للأسواق والمستثمرين

وزير الدولة الأسبق للشؤون الاقتصادية يوسف منصور، أوضح في تصريح مشابه لـ«إرم بزنس»،  أن إعادة احتساب الناتج المحلي الإجمالي وفق المنهجيات الدولية الحديثة أعادت تقييم حجم الاقتصاد الأردني إلى نحو 57.1 مليار دولار، مقارنة بنحو 51.4 مليار دولار في التقديرات السابقة.

ويشير إلى أن هذه الزيادة جاءت نتيجة إدخال أنشطة إنتاجية حقيقية لم تكن محتسبة سابقاً، لا سيما في قطاعات العقارات والإنشاءات والزراعة، إلى جانب أنشطة أخرى في قطاع الخدمات.

ويحلل منصور الأثر الاستثماري لهذه الأرقام الجديدة، موضحاً أن تحسن المؤشرات الكلية يعطي إشارات إيجابية مباشرة للأسواق المالية والمستثمرين، ويُسهم في تحسين التصنيف الاستثماري للأردن وجاذبيته للاستثمارات الأجنبية المباشرة.

ويؤكد أن قراءة الاقتصاد بحجم أكبر تعني أن مخاطر الاستثمار تنخفض نسبياً، ما ينعكس على تكلفة الاقتراض، وأسعار الفائدة، وتدفقات رؤوس الأموال. لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن التحسن في المؤشرات لا يعني تحسناً فورياً في دخل المواطنين، بل ينعكس أساساً على مستوى التخطيط الكلي، وعلى قدرة الدولة في إدارة الإنفاق العام والاستقطاعات الضريبية بصورة أكثر كفاءة واستهدافاً.

تحديث البنية القطاعية للاقتصاد

وزيرة الاستثمار الأسبق خلود السقاف ترى أن المراجعة تمثل خطوة أساسية في تحديث المنظومة الإحصائية بما يعكس التحولات العميقة التي طرأت على بنية الاقتصاد الأردني خلال السنوات الأخيرة.

وتؤكد أن إدخال قطاعات حديثة كالتكنولوجيا والخدمات الرقمية والطاقة المتجددة أسهم في إعادة تشكيل الأوزان القطاعية داخل الناتج المحلي، بحيث أصبحت مساهمات بعض القطاعات أقرب إلى واقعها الحقيقي.

وتوضح السقاف أن هذه التغييرات ستنعكس على قراءة المؤشرات الكلية، وعلى نسب الدين والعجز إلى الناتج، التي من المتوقع أن تنخفض نسبياً نتيجة كبر المقام. إلا أنها تحذر من أن هذا الانخفاض يبقى ذو طابع محاسبي لا يخفف فعلياً من أعباء خدمة الدين التي تبقى على حالها من حيث الأقساط والفوائد. وترى أن القيمة الكبرى للمراجعة تكمن في تعزيز شفافية الأرقام أمام المستثمرين والمؤسسات الدولية، وفي تمكين الحكومة من التخطيط الاقتصادي والمالي وفق بيانات محدثة ودقيقة، بما ينسجم مع توجهات التحديث الاقتصادي حتى عام 2033.

أخبار ذات صلة

ميناء العقبة على البحر الأحمر في الأردن، يوم 28 يونيو 2022

صادرات الأردن للاتحاد الأوروبي ترتفع 39% إلى 615 مليون دولار في 9 أشهر

الانعكاسات المالية والنقدية للمراجعة

من زاوية مالية ونقدية، ينعكس ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي مباشرة على تقييم الاستدامة المالية للدولة، إذ تتحسن نسب الدين والعجز إلى الناتج، والذي بدى واضحا في ارقام  وزارة المالية الأردنية الاخيرة، والتي اظهرت  أن الدين العام للمملكة، بعد استثناء ما يحمله صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، بلغ بنهاية سبتمبر 2025 نحو 51.2 مليار دولار أميركي، وبنسبة 82.8 %من الناتج المحلي الإجمالي وفق بيانات سنة الأساس 2023، مقارنة بـ 83.3 % في شهر اغسطس، مسجلاً انخفاضاً طفيفاً في النسبة،ما يعطي انطباعاً أفضل للمؤسسات الدولية ووكالات التصنيف الائتماني كما أن تحسن هذه النسب يعزز قدرة الحكومة على التفاوض بشأن شروط التمويل الخارجي، ويخفض نسبياً كلفة الاقتراض.

وعلى المستوى النقدي، فإن قراءة أكثر دقة لحجم الاقتصاد والنمو الحقيقي تساعد البنك المركزي في ضبط أدوات السياسة النقدية بصورة أكثر توازناً، سواء فيما يتعلق بأسعار الفائدة أو إدارة السيولة في السوق.

في المحصلة، تمثل مراجعة الإطار الإحصائي لحسابات الناتج المحلي الإجمالي في الأردن تحولاً نوعياً في أدوات قياس الاقتصاد وصناعة القرار، وتمنح الدولة صورة أكثر دقة وشفافية عن حجم اقتصادها الحقيقي. إلا أن القيمة النهائية لهذه المراجعة لن تقاس بحجم الزيادة الرقمية في الناتج، بقدر ما ستقاس بقدرة السياسات الاقتصادية على استثمار هذه البيانات في تحقيق نمو مستدام، يخفض البطالة، ويعزز الاستثمار الإنتاجي، وينعكس في نهاية المطاف على تحسين مستوى معيشة المواطنين بصورة ملموسة. 

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف