
شهدت أزمة الأصول النقدية المجمدة لليبيا بالخارج، انفراجة مع قرار أممي يسمح بإدارتها لحمايتها من التآكل لأول مرة، بعد 15 عاما من فرض عقوبات دولية على البلد الغني بالنفط بعد الإطاحة بمعمر القذافي في 2011.
تلك الأصول التي تتزامن مع عجز مالي ليبي بلغ 9 مليارات دولار، تتراوح قيمتها بشكل أولى قابل للتعديل بين 150 و200 مليار دولار بحسب تقديرات مسؤول ليبي رقابي وخبير اقتصادي تحدثا لـ«إرم بزنس».
ولا تزال هذه الأصوال خاضعة لقيود التجميد من حيث الاستخدام، ولا يمكن توجيهها نحو الإنفاق العام أو برامج التنمية، لكن الأثر البارز هناك في صون هذه الأصول وتعزيز الثقة الدولية في قدرة المؤسسات الليبية على إدارتها بكفاءة وشفافية، بحسب التقديرات ذاتها.
وغداة قرار لمجلس الأمن، يتيح لليبيا، بمراجعة الأصول النقدية المجمدة، رحبت المؤسسة الليبية للاستثمار (صندوق سيادي) في بيان أواخر الأسبوع الماضي بذلك الاستثناء الذي جاء مع تمديد نظام العقوبات حتى أغسطس 2027، مؤكدا أنه يعزز فرص متابعة أصولها وحمايتها من التآكل وفقدان قيمتها، دون تقدير حجمها.
كما رحبت لجنة التحقق من الأموال الليبية المجمدة بالخارج بمجلس النواب الليبي في بيان يوم 16 أبريل الجاري بالقرار الأممي، مؤكدة أن القرار يتضمن تكليف شركة تدقيق مستقلة ومعترف بها دولياً لإجراء مراجعة شاملة لكافة الأصول المجمدة، بما يشمل التحقق من أي شبهات إساءة استخدام أو مخالفات محتملة من قبل البنوك أو المؤسسات المالية التي تحتفظ بهذه الأصول.
وبرى وزير الدولة لشؤون الاقتصاد السابق ورئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار الليبي الحالي، سلامة الغويل، في حديث لـ«إرم بزنس»، أنه فيما يتعلق بحجم الأصول الليبية المجمدة في الخارج، لا توجد حتى الآن تقديرات رسمية نهائية وموحدة معتمدة دوليا، نظرا لتوزع هذه الأصول عبر عدد من الدول والمؤسسات المالية، وتنوعها بين ودائع نقدية واستثمارات مالية وأصول ثابتة.
ومع ذلك، «تشير التقديرات المتداولة إلى أن قيمتها تتراوح بين 150 و200 مليار دولار، وهي أرقام تظل تقديرية إلى حين استكمال أعمال الحصر والتدقيق الشامل»، بحسب الغويل.
أما بشأن إمكانية رفع التجميد واسترداد هذه الأصول، أوضح الغويل، أنه «لا يوجد إطار زمني محدد في الوقت الراهن، إذ يرتبط هذا الملف ارتباطاً وثيقاً بالمسار السياسي العام، ومدى تحقق الاستقرار المؤسسي، وصدور قرارات ذات صلة عن مجلس الأمن الدولي».
وعليه، فإن التعامل مع هذا الملف يُعد مساراً تدريجياً يتطلب توافر ضمانات واضحة تعزز الثقة في آليات الإدارة والحوكمة داخل الدولة الليبية، بحسب تقديرات المسؤول الليبي الرقابي.
وفيما يخص الاستثناء الأخير الذي أتاح للمؤسسة الليبية للاستثمار إدارة أرصدتها النقدية المجمدة، يرى رئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار الليبي الحالي، سلامة الغويل، أن هذه الخطوة تمثل تطوراً إيجابياً مهماً، من حيث تمكين المؤسسة من حماية أصولها من التآكل، وتحسين كفاءة إدارتها وفق أفضل الممارسات الدولية، بما يعزز من الحفاظ على القيمة الاستراتيجية لهذه الأصول».
غير أن هذا الاستثناء، رغم أهميته، لا ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الليبي في المرحلة الحالية، بحسب الغويل، موضحا أن هذه الأموال لا تزال خاضعة لقيود التجميد من حيث الاستخدام، ولا يمكن توجيهها نحو الإنفاق العام أو برامج التنمية، ويبقى الأثر غير المباشر في صون هذه الأصول وتعزيز الثقة الدولية في قدرة المؤسسات الليبية على إدارتها بكفاءة وشفافية.
وأكد أن هذا الملف يظل في جوهره ملفاً اسيادياً يرتبط بثقة المجتمع الدولي في استقرار الدولة الليبية، وهو ما يتطلب استمرار العمل على ترسيخ مؤسسات موحدة، وتعزيز مبادئ الحوكمة الرشيدة، بما يمهد الطريق مستقبلاً لاستعادة هذه الأصول والاستفادة منها في دعم مسار التنمية الوطنية.

ومنذ سنوات، تسعى الحكومات الليبية لاسترجاع أموال البلاد في عدد من الدول تم تجميدها بموجب القرار 1973 الصادر في مارس 2011، عن مجلس الأمن الدولي في إطار العقوبات التي فرضها على نظام القذافي.
وفي 2017، قال رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني آنذاك، فائز السراج، إن عدم تمكين ليبيا من إدارة أصولها المجمدة بالخارج بطريقة صحيحة يحملها خسائر سنوية تقدر بمليار دولار.
ووسط ذلك الجمود بهذا الملف، قال رئيس بعثة «صندوق النقد الدولي» إلى ليبيا آنذاك ديمتري غيرشنسون، في يونيو 2023، إن حجم الأصول المجمدة بلغ 70 مليار دولار منذ العام 2011، ولم تعلق السلطات الليبية على تلك الأرقام بالتأكيد أو النفي.
وجاء هذا الاستثناء الدولي بعد أيام من تطورات اقتصادية داخل ليبيا، حيث كشف مصرف ليبيا المركزي، قبل نحو أسبوع، أن مجلس النواب والمجلس الأعلى الليبيين وقعا الملحق رقم (1) للاتفاق التنموي الموحد (الموقع في نوفمبر 2025).
ويعد ذلك «أول توافق على إنفاق موحد على مستوى البلاد منذ أكثر من 13 عاماً»، فيما قال عبدالجليل الشاوش ممثل المجلس الأعلى للدولة في طرابلس لـ«رويترز» بحسب بيان المجلس إن المجلسين اتفقا على 190 مليار دينار ليبي (29.95 مليار دولار) للميزانية.
ويعتقد رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية المحلل الاقتصادي، خالد بوزعكوك، في حديث لـ«إرم بزنس» أن القرار الأممي بشأن الأصول المجمدة يحمل في طياته ميزة وعيبا في آن واحد.
وأوضح أن الميزة تتمثل في أن تجميد هذه الأموال لفترة طويلة يؤدي إلى تآكلها، إذ تفقد النقود بمرور الزمن قيمتها السوقية في حال بقائها مجمدة، على عكس ما تحققه عملية الاستثمار وإعادة ضخ هذه الأموال في الشركات وفي الأسواق المالية، وبالتالي القرار يقلل من تلك الخسائر.
أما فيما يخص الجانب السلبي، أعرب بوزعكوك عن تخوفه من أن تتآكل هذه الأموال، نتيجة لحالة عدم الاستقرار السياسي والانقسام المؤسساتي الذي تشهده الدولة، بوجود حكومتين تتنازعان الاختصاصات وضعف الرقابة.
وعن طبيعة تلك الأصول، أشار إلى أن مبلغ الـ200 مليار المتداول ليس كله في صورة نقدية وإنما هو مبلغ مقيم بالأصول والمستندات المالية والأوراق المالية المنقولة وغير المنقولة، كذلك المساهمات الليبية في الشركات والمصارف المشتركة، وليس هناك رقم رسمي بعد.
ويأتي ذلك التطور المالي، وسط أرقام اقتصادية تشهد عجزاً بليبيا، ورغم تحقيق 22 مليار دولار من بيع النفط العام 2025، بزيادة تخطت 15% على العام السابق، إلا أن البلاد تعاني من عجز في العملات الأجنبية بلغ 9 مليارات دولار، وفق المصرف المركزي بالبلد الذي يمتلك أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا (48.4 مليار برميل)، وتنتج نحو 1.5 مليون برميل يومياً، ويشكل النفط قرابة 96% من الصادرات، ويساهم بنحو 98% من إيرادات خزينة الدولة.
وفي 18 يناير الماضي، خفّض البنك المركزي قيمة العملة (الدينار)، للمرة الثانية خلال 9 أشهر، بنسبة 14.7% بهدف «الحفاظ على الاستقرار المالي».