
شهد الاقتصاد العالمي وعواصم الطاقة صدمات غير مسبوقة جراء القفزات الهائلة في تكاليف شحن النفط. ولم تعد الأزمة مرتبطة فقط بأسعار الخام ذاته، بل تحولت أجور النقل البحري واللوجستيات إلى جدران عازلة تعطل تدفق الإمدادات مما هدد الأمن الطاقي العالمي وأشعل فتيل موجات تضخمية عاتية.
بينما تتجه الأنظار نحو العقود الآجلة للنفط الخام، فإن سوق النفط الخام الفعلي (المادي) يشهد حالة من عدم السيطرة، وتشير تقديرات بنك جي بي مورغان إلى أن مخزونات النفط العالمية ستصل إلى حدها التشغيلي الأدنى البالغ 6.8 مليار برميل هذا الشهر في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز.
ودون هذا المستوى تعجز خطوط الأنابيب عن الحفاظ على الضغط اللازم وتبدأ المصافي في التوقف عن العمل بغض النظر عن سعر تداول النفط.
تشهد تكاليف شحن النفط الخام ارتفاعاً هائلاً بمعدلات غير مسبوقة تقريباً، ولقد ارتفعت تكلفة شحن مليوني برميل من النفط الخام من غرب أفريقيا إلى الصين لتصل الآن إلى 23.59 دولار للبرميل.
ولوضع هذا الأمر في سياقه الصحيح نجد أن تكلفة الشحنة نفسها في شهر يوليو كانت تبلغ نحو 6.50 دولار للبرميل، وهذا يعني زيادة بنسبة 258% في تكاليف الشحن خلال شهرين فقط، وبهذا يشهد العالم حالياً واحدة من أكبر صدمات الطاقة العالمية المسجلة.
يعاني العالم من نقص في ناقلات النفط العملاقة مما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة نقل النفط، وأصبح شحن النفط الخام من هيوستن إلى آسيا يضيف الآن نحو 26 دولاراً إلى تكلفة البرميل بحسب بيانات بلومبرغ، وهو ما يعادل تقريباً ربع سعر خام غرب تكساس الوسيط نفسه.
استوردت أوروبا 577 ألف برميل يومياً من النفط الخام السعودي في شهر يونيو،في حين ستكون الكمية صفراً في الشهر التالي، وذلك وفقاً لبيانات بلومبرغ.
وسيمثل هذا المرة الأولى في التاريخ المسجل التي يضطر فيها العالم للقلق بشأن توفر النفط الفعلي، وليس مجرد سعره.
الارتفاع الضخم في تكاليف الشحن انتقل سريعاً إلى المستهلك في العديد من دول العالم ففي أميركا تجاوز سعر الديزل حاجز الـ 6 دولارات للغالون لأول مرة على الإطلاق.
ويأتي هذا رغم سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الداعية لتعزيز شركات الطاقة والتي أعلنها خلال حملته الرئاسية تحت شعار «احفر عزيزي احفر»، وهذا بالإضافة إلى توسع أميركا في استيراد النفط من فنزويلا.
وفي فرنسا نجد صورة أكثر قتامة، إذ تشير تقديرات إلى أن نحو 11% من محطات الوقود في أنحاء البلاد تعاني من نقص في نوع واحد على الأقل من الوقود، وتصل نسبة النقص إلى 16% في بعض المناطق.
ويواجه السائقون صعوبة في العثور على البنزين أو الديزل في ظل اتساع نطاق اضطرابات الإمداد وارتفاع أسعار الوقود، وقد قفز سعر الديزل ليصل إلى حوالي 2.41 يورو للتر، في حين تجاوز سعر البنزين 2.16 يورو للتر.
استمرار الوضع الحالي يعني انتقال تكاليف الشحن المرتفعة كالنار في الهشيم لترفع أسعار السلع والخدمات والنقل العام عالمياً، ليواجه العالم موجة تضخم جديدة بينما بعض الاقتصادات مازالت تتعافى من موجة التضخم التي صاحبت أزمة فيروس كورونا قبل بضع سنوات.