
تتزايد في إفريقيا مبادرات تقليص الاعتماد على الدولار الأميركي، الذي يهمين على التجارة العالمية منذ أكثر من 80 عاماً، في وقت تراجعت فيه حصة العملة الأميركية من الاحتياطيات العالمية من أكثر من 70% في مطلع الألفية إلى نحو 58% حالياً.
ولاحظ تقرير لمجلة «جون أفريك» الفرنسية أن هذه الاتجاه يترافق مع تقارب اقتصادي ومالي متزايد بين عدد من الدول الإفريقية والصين، واستخدام أكبر لليوان في التجارة والتمويل. خصوصاً منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع 2021.
وتبرز زامبيا وكينيا و«أفريكسيم بنك» بين أبرز الأمثلة على هذا التحول، فمنذ أكتوبر 2025، أصبح بإمكان شركات التعدين العاملة في زامبيا دفع ضرائبها بالدولار أو الكواشا أو اليوان، في خطوة تعد من أوضح مؤشرات تنامي استخدام العملة الصينية في الاقتصاد الإفريقي.
وفي كينيا، جرى تحويل قروض صينية بمليارات الدولارات إلى ديون مقومة باليوان، ما ساعد على تقليل التعرض لتقلبات الدولار. ما أتاحت لحكومة البلاد توفير نحو 170 مليون دولار من خلال عملية تحويل العملة المرتبطة بقروضها.
كما أصدر «أفريكسيم بنك» (البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد) أول سندات «باندا» له، وهي سندات مقومة باليوان ومصدرة في السوق الصينية، في مؤشر على اتساع خيارات التمويل أمام المؤسسات الإفريقية.
وأكد التقرير أن هذا المسار لا يقتصر على العلاقات مع الصين، فدول مجموعة «بريكس» تسعى بدورها إلى تطوير أدوات دفع بديلة تتيح إجراء وتسوية المعاملات بالعملات المحلية، بما يقلل الحاجة إلى الدولار ويحد من تأثير النظام المالي الأميركي.
وفي نيجيريا، قدّم الرئيس بولا تينوبو نموذجاً آخر لهذا التوجه، مؤكداً خلال منتدى الرؤساء التنفيذيين الأفارقة في قمة بالعاصمة رواندا، كيغالي، في مايو الماضي، أن بإمكان مصافي النفط المحلية شراء الخام بالنايرا، بدلاً من الاعتماد على الدولار والعملات الأجنبية.
ورغم هذه التحولات، فإن الحديث عن نهاية هيمنة الدولار لا يزال مبكراً، حيث ترى وكالات التصنيف أن التخلي عن العملة الأميركية لا يمثل سيناريو مرجحاً في الوقت الراهن، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من تجارة السلع الأولية العالمية لا يزال مسعراً بالدولار.
من جهتها، قالت سميرة منساه، مديرة الدراسات والأبحاث لمنطقة إفريقيا لدى وكالة «إس آند بي»، إن الاستغناء عن الدولار يبدو صعباً طالما بقيت السلع الأولية والمعاملات الدولية مقومة بالعملة الأميركية.
ويحتفظ الدولار بمزايا كبيرة، أبرزها عمق الأسواق المالية الأميركية وسيولتها، إضافة إلى ثقة المستثمرين به كملاذ آمن خلال فترات الأزمات، وعدم وجود عملة واحدة حتى الآن تمتلك القدرة على تقديم بديل متكامل يضاهي الدولار من حيث السيولة والموثوقية وحجم المعاملات.
وشدد التقرير على أن عملية «إزالة الدولرة» ستكون بطيئة وتدريجية، لكنها قد تمنح إفريقيا فرصة لإعادة التوازن في تجارتها وتمويلها الخارجي.
ويتمثل التحدي الأكبر أمام القارة بتجنب استبدال تبعية مالية بأخرى، فخفض الاعتماد على الدولار لا يعني بالضرورة زيادة الارتهان لليوان، بل يتطلب تعزيز المؤسسات المالية الإفريقية وتطوير أسواق رأس المال الإقليمية وتوسيع استخدام العملات المحلية.
ويُعد نظام الدفع والتسوية الإفريقي «بابس» (PASS) أحد أبرز الأدوات في هذا المسار، إذ يستهدف تسهيل المدفوعات العابرة للحدود داخل القارة باستخدام العملات المحلية.