
تسعى تونس إلى فتح آفاق جديدة لاقتصادها الوطني مع إعداد الحكومة للاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الرقمي 2026-2030، وفي ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد يبرز هذا التحول كفرصة تاريخية لتخطي العديد من الاختلالات الهيكلية وخلق محركات نمو جديدة.
وكان وزير تكنولوجيات الاتصال التونسي، سفيان الهميسي، أوضح في حوار سابق مع «إرم بزنس» ملامح الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الرقمي، ورؤية تونس لتعزيز الابتكار والسيادة الرقمية خلال السنوات المقبلة.
الوزير التونسي بيّن أن الاستراتيجية تقوم على 5 محاور كبرى وهي، أولاً: رقمنة شاملة للخدمات العمومية، ثانياً: بنية تحتية رقمية متطورة وشاملة لا تستثني أي فئة اجتماعية أو جهة من جهات الجمهورية، ثالثاً: اقتصاد رقمي قوي مساهم وفاعل في الناتج الوطني، رابعاً: سيادة رقمية وفضاء سيبرني آمن، وأخيراً مناخ ملائم للابتكار وريادة الأعمال.
وتمثل الاستراتيجية خارطة طريق طموحة تهدف إلى وضع تونس في مصاف الدول الرقمية الرائدة إقليمياً، إلا أن هذه الطموحات تواجه واقعاً اقتصادياً يتسم بعجز تجاري بلغ قيمته حوالي 20 مليار دينار (6.8 مليار دولار) عام 2024، وهو ما يزيد الضغط على الاحتياطي النقدي الأجنبي من العملة الصعبة الذي بلغ نحو 25.4 مليار دينار (8.75 مليار دولار) حتى يوم 10 سبتمبر 2025، وتضخم يصل إلى 5.2% في أغسطس الماضي بما يؤدي لتآكل القوة الشرائية للمواطنين ويحد من الاستثمارات.
ومع الكشف عن ملامح الاستراتيجية الجديدة، يرى خبراء تونسيون أن الاستثمار في الرقمنة ليس رفاهية، بل ضرورة لتحسين كفاءة الاقتصاد ككل، وتعزيز الشمول المالي الرقمي، حيث بلغت نسبته نحو 45% من البالغين، مع وجود أكثر من 7 ملايين مستخدم للإنترنت حسب آخر إحصائيات لعام 2024.
ويؤكد أستاذ الاقتصاد التونسي رضا الشكندالي في حديث مع «إرم بزنس» أن الاستراتيجية الجديدة تمثل نقلة نوعية، لكن نجاحها مرهون بقدرتها على معالجة الاختلالات الهيكلية، وأن تحسين الصادرات عبر الرقمنة يمكن أن يخفف من العجز التجاري، ويرفع كفاءة سلاسل التوريد بما يساهم في كبح التضخم ويؤكد على أن الاقتصاد الرقمي يجب أن يكون خادماً للاقتصاد الكلي وليس منعزلاً عنه.
ويؤكد الشكندالي أن الفرصة الذهبية أمام تونس تكمن من خلال ترقية القطاعات التقليدية باستخدام الأدوات الرقمية لتعزيز الإنتاجية والصادرات التي بلغت قيمتها نحو 62 مليار دينار (21.3 مليار دولار) عام 2024.
ويوضح أن تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات يمكن أن تحدث ثورة في القطاع الزراعي الذي يساهم بحوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي عبر استخدام أجهزة الاستشعار والطائرات بدون طيار، ومراقبة صحة المحاصيل، والري الذكي الذي يقلل من هدر المياه بنسبة تصل إلى 30%، والتنبؤ بأسعار السوق.
ويشير الشكندالي إلى أن منتج كزيت الزيتون التونسي يمكنه إثبات عضويته ومنشأه للعميل الأوروبي عبر مسح رمز QR، وهذه الثقة تترجم مباشرة إلى سعر أعلى وطلب أكبر، مما يساهم مباشرة في تقليل العجز التجاري.
وخلال العام الماضي، بلغت قيمة عجز الميزان التجاري التونسي 19 مليار دينار، مقابل 17 مليار دينار في العام 2023.
وفي الصناعة، تُستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحسين خطوط الإنتاج، والتنبؤ بالصيانة الوقائية، والتحكم في الجودة آلياً، مما يخفض التكاليف ويزيد الإنتاجية بنسب تتراوح بين 15-25% حسب دراسات حديثة، وهو ما ينعكس إيجاباً على حجم وقيمة الصادرات.
وارتفعت صادرات القطاع الصناعي في تونس بنسبة 1.9% خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2025 مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024، لتبلغ قيمتها 29.478 مليار دينار (نحو 10.165 مليار دولار)، وفق بيانات وكالة النهوض بالصناعة والتجديد للنصف الأول من العام الجاري.
وفيما يتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي والبلوكتشين في الصناعة يرى الخبير الاقتصادي التونسي جمال العويديدي، في حديثه مع «إرم بزنس» أن ميزة تونس التنافسية لن تكون في السعر فقط، بل في الجودة والمرونة، إذ يرى أن الرقمنة تسمح بإنتاج دفعات ذات جودة عالية ومخصصة حسب طلب الزبون الأوروبي بسرعة قياسية.
ويشير إلى أن القطاع الصناعي يساهم بأكثر من 30% من الصادرات التونسية، بقيمة 18 مليار دينار، ويمكن عبر استخدام الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء (IoT) تحسين كفاءة خطوط الإنتاج، والتنبؤ بأعطال الآلات، والتحكم الآلي في الجودة، مما يخفض التكاليف ويزيد الإنتاجية بنسب تتراوح بين 15-25%.
وباعتقاد العويديدي فإن الاعتماد على البلوكتشين يزيد شفافية سلسلة التوريد للمواد الخام، وهو ما يعزز ثقة المستهلك الأوروبي ويمكن المصنع التونسي من الوصول إلى أسواق ذات قيمة مضافة أعلى.
وباستخدام البلوكتشين، يمكن للمستهلك تتبع رحلة المنتج من المصنع أو المزرعة إلى التاجر، بما يضمن أصله وجودته ويقضي على التقليد، وهو ما يضاعف قيمته التسويقية ويفتح الأسواق الأوروبية الراقية على مصراعيها.
كذلك تسهم الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الرقمي أيضاً في تعزيز عوائد القطاع السياحي التي ارتفعت منذ بداية 2025 وحتى 10 سبتمبر بنسبة 8.7% على أساس سنوي لتصل إلى 5.7 مليار دينار (1.9 مليار دولار) مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، وفق بيانات البنك المركزي التونسي.
وبحسب المدير العام للديوان الوطني التونسي للسياحة، مهدي الحلوي، استقبلت تونس خلال الفترة من يناير وحتى 20 يوليو 2025 نحو 5.297 مليون سائح، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 9.8% مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024.
ويرى خبير الاتصالات التونسي عربي السوسي، أنه يمكن عبر استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتسويق الشخصي لتحليل بيانات وتفضيلات السياح لتصميم حملات تسويقية شخصية «Personalized Marketing» شديدة الدقة.
ويوضح السوسي في حديثه مع «إرم بزنس» أن الواقع المعزز «AR» يستطيع أن يجذب شريحة السياح المهتمين بالثقافة والتكنولوجيا، بالإضافة إلى تأسيس منصات رقمية موحدة «Super App» عبر تطوير منصة شاملة تجمع خدمات الحجز للطيران والفنادق والجولات السياحية والدفع الإلكتروني، لتبسيط تجربة السائح وزيادة إنفاقه.
ويعتقد أن فرص نجاح الاستراتيجية الجديدة يعتمد على عدة مستويات منها العمل على استثمار عاجل في البنية التحتية وتسريع مشاريع نشر الألياف البصرية لتعميم خدمة إنترنت عالي الجودة بأسعار معقولة، وهو استثمار سيؤتي ثماره على المدى المتوسط من خلال زيادة الإنتاجية الرقمية.
ويؤكد أهمية تحديث الإطار التشريعي بإصدار قوانين عصرية للأمن السيبراني وحماية البيانات الشخصية لخلق بيئة آمنة، والاستثمار في الرأسمال البشري عبر تطوير المناهج التعليمية في مجال الذكاء الاصطناعي والبيانات لخلق جيل من الخبراء المحليين القادرين على قيادة هذا التحول.
كما يشدد السوسي على ضرورة العمل على تحفيز القطاع الخاص بتقديم حوافز للشركات التي تستثمر في حلول الذكاء الاصطناعي والبلوكتشين، خاصة الموجهة لتحسين الجودة وزيادة الصادرات.