logo
اقتصاد

ما بعد واشنطن.. كيف يفتح مسار الطاقة والرقمنة باب التعافي أمام سوريا؟

يقدّر البنك الدولي تكلفة إعادة الإعمار بأكثر من 216 مليار دولار

ما بعد واشنطن.. كيف يفتح مسار الطاقة والرقمنة باب التعافي أمام سوريا؟
الرئيس الأميركي دونالد ترامب مستقبلاً الرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض، العاصمة واشنطن، يوم 10 نوفمبر 2025.المصدر: حساب الرئاسة السورية على «فيسبوك»
تاريخ النشر:

شكّلت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض تحولاً لافتاً في مسار العلاقات بين دمشق وواشنطن، إذ تجاوزت رمزية اللقاء الطابع السياسي لتفتح الباب أمام تصوّرات جديدة للتعافي الاقتصادي في سوريا.

فالخطوات التي سبقت الزيارة، مثل تعليق العقوبات لمدة 180 يوماً، أتاحت قراءة أوضح لمرحلة يُعاد فيها إدماج سوريا تدريجياً في المنظومة الاقتصادية الدولية. ويأتي ذلك في سياق تقديرات حديثة لـ«البنك الدولي» تشير إلى احتمال تحقيق نمو متواضع بنسبة 1% في عام 2025 بعد انكماش بلغ 1.5% عام 2024، مع تأكيد على أن التعافي سيظل هشاً ما لم تترافق الانفراجات السياسية مع إصلاحات اقتصادية أعمق.

كما يقدّر البنك تكلفة إعادة الإعمار بأكثر من 216 مليار دولار، أي ما يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي المتوقع، ما يعكس حجم الفرصة والمهمة في آنٍ معاً.

أخبار ذات صلة

حقل الرميلان النفطي في شمال شرق سوريا، بالقرب من الحدود مع تركيا، يوم 8 يناير 2025.

وزير الطاقة: سوريا تنشئ مصفاة نفط جديدة بقدرة 150 ألف برميل يومياً

من الإشارة السياسية إلى الالتزام المالي

التحول السياسي الذي عكسته الزيارة ترافق مع موجة صفقات استثمارية حملت مؤشرات على رغبة بعض الشركات في اختبار السوق السورية. ففي عام 2025، أعلنت دمشق عن اتفاق بقيمة 7 مليارات دولار لتطوير قطاع الكهرباء عبر إنشاء محطات غازية وطاقة شمسية بقدرات كبيرة، في محاولة لإعادة بناء قطاع تدمرت بنيته الأساسية خلال السنوات الماضية.

كما أُبرمت مذكرة تفاهم مع شركة أميركية متخصصة بالطاقة المتجددة لتنفيذ محطات شمسية بقدرة 200 ميغاواط، في خطوة تُعد من أوائل مؤشرات دخول رأس المال الأميركي، ولو بشكل محدود، إلى قطاع الطاقة السوري المتعثر.

ورغم إثارة هذه المشاريع اهتماماً واسعاً، فإنها كشفت أيضاً مجموعة من العقبات التي ما تزال تعرقل دخول استثمارات أكبر، ومنها بعض القيود المصرفية والعقوبات المرتبطة بعمليات التحويل، وغياب خطة اقتصادية وطنية شاملة تستطيع توجيه هذه الاستثمارات نحو القطاعات الأكثر إنتاجية، إضافة إلى مخاطر عدم الاستقرار التي أشارت إليها تقارير مراكز بحث دولية في أكثر من مناسبة.

ومع ذلك، يرى مراقبون أن التغيير في المزاج السياسي الأميركي بعد الزيارة وما رافقه من تخفيف جزئي للعقوبات، قد شجّع مناخاً جديداً للتمويل، خصوصاً بعد تسديد سوريا جزءاً من التزاماتها للمؤسسات الدولية بدعم من دول خليجية.

منظر عام لمنتجع الشاطئ الأزرق في اللاذقية، سوريا، بتاريخ 12 يونيو 2025.
منظر عام لمنتجع الشاطئ الأزرق في اللاذقية، سوريا، بتاريخ 12 يونيو 2025. المصدر: (أ ف ب)

الاقتصاد الرقمي مسار للتعافي السريع

إحدى أكثر النقاط اللافتة في المشهد الاقتصادي السوري هي أن الاقتصاد الرقمي بات يُنظر إليه كأسرع مسار يمكن أن يختصر سنوات من إعادة الإعمار التقليدية. فالأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية تجعل من «القفز إلى الرقمنة» خياراً عملياً، لا ترفاً.

وتشير بيانات «التقرير الرقمي لسوريا 2024» (Digital 2024: Syria) إلى توسّع مستمر في استخدام الإنترنت والهواتف الذكية رغم ظروف الحرب، ما يتيح قاعدة جاهزة لإطلاق خدمات الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية وتطوير التجارة الإلكترونية وأسواق العمل عن بُعد.

من الناحية التنظيمية، بدأت سوريا العمل على تحديث الإطار القانوني المتعلق بالمدفوعات الرقمية وشركات التكنولوجيا المالية، وفق تحليل شركة «جينيريس غلوبال» (Generis Global) حول البيئة التنظيمية للقطاع المالي الرقمي، لكنه ما يزال مقيداً بتأثير العقوبات على النظام المصرفي.

كما أظهرت دراسات دولية أن التقنيات المالية مثل «البلوكتشين» يمكن أن تلعب دوراً في تعزيز الشفافية وإعادة بناء النظام المالي السوري بطرق تتجاوز قصور البنوك التقليدية.

وترتبط الزيارة الأميركية بهذا المسار عبر فتح نافذة تعاون تقني بين الشركات الأميركية والسوق السورية، حيث تمتلك الولايات المتحدة شركات رائدة في مجالات البرمجيات والحوسبة السحابية والعمل عن بُعد.

وقد رصدت تقارير إعلامية غربية عودة محدودة لروّاد أعمال سوريين في قطاع التكنولوجيا، مستفيدين من المناخ السياسي الجديد ومن روابطهم التقنية في الولايات المتحدة. ولهذا يُنظر إلى إمكانية إنشاء «مركز خدمات رقمية» مشترك يشبه نماذج الهند والفلبين، لكن بحجم أصغر، كخطوة واقعية قد توفر وظائف وتُعيد وصل السوق السورية بالاقتصاد الأميركي.

أخبار ذات صلة

حاكم مصرف سوريا المركزي السابق، عبد القادر الحصرية، في مقابلة مع «إرم بزنس».

مقابلة- مصرف سوريا المركزي يستهدف الترخيص لـ15 بنكاً جديداً بحلول 2030

اقتصاد الطاقة الصغيرة

على الجانب الآخر من قطاع الطاقة، برزت مشاريع الطاقة اللامركزية الصغيرة (Micro-Energy) كحل عملي يلائم واقع البلاد الراهن. فالشبكات الكهربائية الصغيرة (Micro-grids) التي تعمل بالطاقة الشمسية وتغذي أحياء أو منشآت صغيرة أصبحت موضوعاً متكرراً في الدراسات المتخصصة حول مستقبل الطاقة في سوريا، حيث تُعتبر أقل تكلفة، أسرع تنفيذاً، وأكثر قدرة على مواجهة ضعف الشبكة التقليدية.

وتوثّق تقارير محلية ودولية انتشاراً متسارعاً لمشاريع الطاقة الشمسية المنزلية والتجارية في دمشق وريفها، مدعومة بإطار قانوني بدأ يتبلور تدريجياً لتنظيم القطاع وتشجيع الاستثمار الخاص فيه.

أما اللافت في هذا المجال فهو أن عدداً من مبادرات الطاقة الصغيرة دُعم من مؤسسات أميركية وأوروبية أو عبر تمويل من الجاليات السورية في الخارج. وقد أشارت تقارير إلى مبادرات لإنشاء محطات شمسية متوسطة الحجم بقدرات تصل إلى 100 ميغاواط، في إطار توجه نحو تبنّي طاقة موزعة ولا مركزية يمكن تمويلها بمبالغ صغيرة مقارنة بالمشاريع الكبرى. ويُعدّ التعاون مع الشركات الأميركية تحديداً من بين الخيارات الأكثر سهولة في هذه المرحلة، نظراً لكون عدد من هذه الشركات بدأ فعلياً باستكشاف السوق السورية منذ مطلع عام 2025.

زيارة بأثر اقتصادي متعدد المستويات

ما برز بعد زيارة الرئيس الشرع للبيت الأبيض لا يقتصر على فك عزلة سياسية، بل يشير إلى معادلة اقتصادية تتشكل ببطء: انفتاح سياسي أولي، ثم تخفيف في القيود المالية، ثم دخول استثمارات نوعية، ثم توسع في الاقتصاد الرقمي والطاقة الصغيرة، وأخيراً تمهيد لتسارع التعافي.

فبين الصفقات الكبرى في قطاع الطاقة، وتحوّل الرقمنة إلى فرصة عملية للتعافي السريع، وظهور نموذج الطاقة اللامركزية كمسار قابل للتطبيق، يتضح أن زيارة البيت الأبيض فتحت سلسلة تحولات اقتصادية لا تتعلق بالمشهد السياسي وحده، بل بقدرة سوريا، بدعم أميركي محدود، ولكن مؤثر، على الانتقال من اقتصاد الصدمة إلى اقتصاد التعافي.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف