logo
اقتصاد

فرق أسعار الصرف يقترب من 100%.. لماذا يتسارع انهيار الدينار الجزائري؟

فرق أسعار الصرف يقترب من 100%.. لماذا يتسارع انهيار الدينار الجزائري؟
ورقة نقدية بقيمة 2000 دينار كانت تعادل (20 يورو)، الجزائر، 25 أبريل 2011.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

يواصل الدينار الجزائري انهياره السريع أمام العملات الأجنبية، حيث سجل سعر اليورو في السوق الموازية ارتفاعاً صادماً في تعاملات الجمعة إلى نحو 290 ديناراً والدولار إلى 243 ديناراً مقابل 150 ديناراً و130 ديناراً في السوق الرسمية على التوالي. ما يجعل الفرق بين أسعار الصرف الموازية والرسمية يقترب من 100%.

هذا التراجع الكبير والفرق بين السوقين الرسمية والموازية يزيد الضغوط على العملة المحلية وينذر بعواقب وخيمة على الاقتصاد، إذ إنه ليس مجرد تذبذب عابر في أسعار الصرف، بل هو تجسيد لأزمة هيكلية يعانيها اقتصاد ظل لعقود رهينة لتقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية، وفقاً لخبراء اقتصاد تحدثوا مع «إرم بزنس».

ويأتي تراجع الدينار بعد نحو شهرين من تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الإعلامي الدوري في 26 سبتمبر بأن الحكومة تعمل على اتخاذ جملة من الإجراءات لدعم الدينار وتعزيز استقراره، مشدداً على أن الإصلاحات المالية والاقتصادية الجارية ستُحدث تحوّلاً ملموساً في رفع قيمة العملة الوطنية، كما سبق أن وعد قبل نحو عام بتحسين قيمة الدينار لكنه تراجع بأكثر من 20%.

أخبار ذات صلة

محطة للطاقة الشمسية تابعة لشركة سوناطراك جنوبي الجزائر، 25 نوفمبر 2018.

صحراء الجزائر.. هل تمهد الطريق لاكتفاء كهربائي كامل؟

مؤشرات الأزمة

وتشير أحدث بيانات الصرف في السوق الجزائرية الموازية إلى أن سعر صرف اليورو تجاوز حاجز 290 ديناراً، ويمثل هذا الرقم ارتفاعاً بنسبة تقترب من ضعف الأسعار الرسمية، ما ينعكس سلباً على القوة الشرائية للمواطن والاستقرار الاقتصادي بشكل عام.

وتفيد أحدث بيانات الديوان الوطني للإحصاءات أن الناتج المحلي الإجمالي للجزائر بلغ 224 مليار دولار لعام 2025، مسجلاً انكماشاً بنسبة 2.1% مقارنة بالعام السابق، أما على صعيد التضخم، فقد سجل معدله السنوي 2.2% بنهاية سبتمبر.

وتمثل صادرات المحروقات النسبة الأكبر من إجمالي عائدات الجزائر من العملة الصعبة، حيث بلغت إيرادات صادرات النفط 31 مليار دولار بنهاية سبتمبر، ما يجعل الاقتصاد رهينة لقرارات أوبك وتقلبات السوق النفطية العالمية.

وسجلت أسعار خام برنت انخفاضاً بنسبة 2.9% خلال تعاملات أكتوبر، فيما هبط الخام الأميركي بنسبة 2.23% خلال الشهر ذاته ليواصلا الانخفاض للشهر الثالث على التوالي.

بحسب توقعات أسعار النفط، يُرجّح أن يبلغ متوسط سعر خام برنت أقل من 60 دولاراً للبرميل خلال الربع الرابع من عام 2025، على أن يقترب من 50 دولاراً في عام 2026، وفقاً لتقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

عاملان يمران عبر منشأة حاسي مسعود (ورقلة) للغاز التابعة لمجموعة «سوناطراك» في الجزائر، يوم 22 فبراير 2023
عاملان يمران عبر منشأة حاسي مسعود (ورقلة) للغاز التابعة لمجموعة «سوناطراك» في الجزائر، يوم 22 فبراير 2023. المصدر: (أ ف ب)

أسباب تراجع الدينار الجزائري

وحول أسباب انهيار قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية، يوضح الخبير الاقتصادي فارس مسدور، في حديث مع «إرم بزنس» أن الأسباب الرئيسية لهذا الانخفاض، ترجع إلى سلسلة طويلة من الاختلالات المتراكمة، فالجزائر فقدت نحو 70% من احتياطاتها من النقد الأجنبي منذ 2014.

وتشير أحدث بيانات البنك المركزي الجزائري إلى أن الاحتياطي النقدي الأجنبي بلغ بحو 68 مليار دولار، بعد أن كان عند مستوى 194 مليار دولار في 2014.

تقع أزمة سعر الصرف في سياق اقتصادي يسوده اعتماد اقتصاد الجزائر على عائدات المحروقات دون أن تنجح الدولة في بناء قاعدة إنتاجية بديلة، واتساع السوق السوداء (التي تعرف بسوق السكوار نسبة إلى ساحة في العاصمة الجزائر تحمل هذا الاسم) لتجارة العملات ليعتمد عليها جزء كبير من النشاط الاقتصادي.

وفي ظل اعتماد الاقتصاد الجزائري على صادرات النفط، يساهم قطاع الصناعة التحويلية بحوالي 5.2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تبلغ مساهمة القطاع الزراعي 12.3%، ما يعكس ضعف التنويع الاقتصادي.

ويوضح مسدور أن الهبوط غير المسبوق ارتبط بعمليات استيراد السيارات الجديدة والمستعملة  التي تتم بالعملات الصعبة، والتي لا يستطيع المواطنون الحصول عليها إلا في السوق الموازية، ما خلق نقصاً حاداً في اليورو والدولار ورفع قيمتهما وفقاً لآلية العرض والطلب.

هذا بالإضافة إلى ارتفاع الطلب على العملة الصعبة من طرف المستوردين والمواطنين الراغبين في السفر لأسباب مختلفة، إذ لا تكفيهم حصة المخصصات السياحية الرسمية البالغة 750 يورو فقط لمرة واحدة في السنة، وفق الخبير مسدور.

يضيف هذا الخبير أن أسباب الأزمة الحالية، هي نتاج سياسات اقتصادية غير رشيدة امتدت لعقود، حيث تم إهمال القطاعات الإنتاجية وتهميش الصناعة الوطنية والزراعة، ما جعل البلاد سوقاً استهلاكية للبضائع الأجنبية ولم ننجح في بناء اقتصاد منتج وقادر على الصمود أمام الأزمات.

وسجل الميزان التجاري الجزائري عجزاً في النصف الأول من عام 2025 بقيمة 711.5 مليار دينار (نحو 5.47 مليار دولار)، بعد سنوات من الفائض، ويعود هذا العجز إلى تراجع صادرات المحروقات وزيادة في الواردات.

إصلاحات جذرية

وفي خضم هذه الأزمة الاقتصادية العصيبة، يرى مسدور أن الإنقاذ يبدأ من خلال إصلاح جذري لنظام الدعم الذي يستنزف ما يزيد على 25 مليار دولار سنوياً، حيث يمكن توجيه هذه الأموال الضخمة نحو دعم القطاعات الإنتاجية والاستثمار في البنية التحتية، ما سيمكن من خلق ديناميكية اقتصادية جديدة، فضلاً عن تقليص الواردات والتوسع في الصناعات الإنتاجية والتصدير.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي فريد بن يحيى في حديثه مع «إرم بزنس» أن تحفيز القطاع الخاص يشكل الركيزة الأساسية لأي حل مستدام، حيث يمكن لهذا القطاع أن يكون قاطرة حقيقية لخلق ما لا يقل عن 300 ألف فرصة عمل جديدة، تمتص جزءاً كبيراً من بطالة الشباب.

ودعا «بن يحيى» إلى ضرورة تحويل الشعارات الخاصة بتنويع الاقتصاد إلى واقع ملموس، من خلال تطوير الصادرات غير النفطية التي يُتوقع أن تحقق عائدات تصل إلى 20 مليار دولار سنوياً، عبر التركيز على قطاعات واعدة مثل الزراعة والصناعات الغذائية والسياحة والاقتصاد الرقمي.

ويشدد على أن هذه الحلول يجب أن تسير بشكل متوازٍ مع إصلاح النظام المصرفي الذي ما زال يعاني من بيروقراطية معقدة وتقليدية مفرطة، حيث إن تحسين أداء هذا القطاع سيمكنه من تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تمثل عصب أي اقتصاد منتج.

كل هذه الإجراءات السابقة، بحسب «بن يحيى»، تتكامل معاً لتشكل خريطة طريق تمثل آخر فرصة لإنقاذ الاقتصاد الوطني من الانهيار الشامل.

أخبار ذات صلة

مشهد عام من ميناء وهران في الجزائر، في يوم 5 سبتمبر 2024.

الجزائر تبحث مع صندوق النقد الدولي سُبل دعم الصادرات

مؤهلات هائلة

يعتبر الخبير الاقتصادي عبد القادر سليماني في حديث مع «إرم بزنس» أن الجزائر تمتلك مؤهلات هائلة يمكن أن تجعلها قوة اقتصادية إقليمية، لكنها تحتاج إلى تغيير السياسات وتبني ثقافة الجودة والإنتاجية.

ويضيف سليماني أنه يمكن للقطاعات الاقتصادية المختلفة أن تولد عائدات تصل إلى 15 مليار دولار سنوياً إذا ما تمت استثمارها بشكل صحيح، دون أن يتم الاعتماد بشكل أساسي على إيرادات قطاع النفط المعرضة للتقلبات.

وتتوقع وثيقة مشروع قانون المالية لعام 2026 تراجع صادرات الجزائر من المحروقات في 2026 بنسبة 2%، على أن تواصل الهبوط خلال 2027 بنحو 5%، وأن تنخفض 2.7% في عام 2028.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف