تعاون مع الصين عبر اتفاقيات بلغت 2.1 مليار دولار
400 مليون دولار.. مساهمة من صندوق أبوظبي للتنمية

في عمق الصحراء الجزائرية، يتشكل سباق جديد على الطاقة يعيد توجيه بوصلة البلاد بعيداً عن إرث النفط والغاز، فمع امتداد آلاف الأفدنة من الشمس الساطعة ومشروعات قيد التطوير، تتحرك الجزائر لاقتناص فرصة تاريخية لبناء منظومة كهرباء نظيفة.
ويؤكد خبراء طاقة واقتصاد تحدثوا مع «إرم بزنس» أن توسّع الجزائر في الطاقة الشمسيّة يعزّز مكانتها العالمية كمصدر للطاقة المتجددة، ويدعم الاقتصاد الكلي حيث لايهدف التحول فقط إلى تأمين احتياجات السوق المحلي، بل يسعى أيضاً لخلق فائض طاقي يمكن أن يتحول إلى مصدر دخل جديد.
ويوضح الأكاديمي الجزائري مراد كواشي في حديثه مع «إرم بزنس» أن الجزائر تمتلك أكبر إمكانات للطاقة الشمسية في حوض المتوسط، حيث تصل شدة الإشعاع الشمسي إلى 2,650 كيلوواط ساعي/المتر المربع سنوياً، وهي من أعلى النسب عالمياً، وهو ما يمنحها أفضلية تنافسية في سوق الطاقة النظيفة.
واستطاعت الجزائر استغلال أشعة الشمس وتحويلها إلى طاقة بمشروع مجمع سونلغاز، الذي يستهدف بناء 15 محطة شمسية كبرى في الصحراء، وإنشاء شبكة نقل ذكية، وتطوير مراكز أبحاث متخصصة.
ويشمل المشروع أيضاً تصدير الفائض إلى أوروبا عبر كابل بحري جديد، وإنشاء مصانع محلية لإنتاج الألواح الشمسية، وتدريب 10 آلاف تقني في مجال الطاقات المتجددة.
ويوفر المشروع 50 ألف فرصة عمل، ويخفض انبعاثات الكربون بـ20 مليون طن سنوياً، ويحقق اكتفاءً ذاتياً من الكهرباء بنسبة 100%.
وفقاً لبيانات وزارة الطاقة والمناجم الجزائرية، يستهدف المشروع إنتاج 15,000 ميغاواط بحلول عام 2035، وهو ما يعادل 40% من القدرة الكهربائية الإجمالية الحالية للبلاد.
ولتحويل هذه الخطط إلى واقع، يشير كواشي إلى أن الجزائر تسير وفق جدول زمني محكم، فمنذ مطلع عام 2024، انطلقت المرحلة التجريبية التي ستستمر حتى 2026، وتركز على إنشاء محطات الطاقة الأولى بقدرة 2,500 ميغاواط.
ويوضح الأكاديمي مراد كواشي أنه مع إطلالة عام 2027، ستدخل الجزائر مرحلة التوسع الكبير حتى 2030، لبناء المحطات الرئيسية بقدرة 6,000 ميغاواط، ومع بداية العقد الجديد 2031، تبدأ مرحلة الاكتمال حتى 2035 لتحقيق كامل القدرة المستهدفة.
وخلال العام الجاري، شهدت الجزائر طفرة غير مسبوقة بقطاع الطاقات النظيفة، عبر إبرام عدد من الاتفاقيات خلال الأشهر الـ9 الأولى من العام 2025، ما يعد مؤشراً واضحاً على تسارع الجهود الحكومية لجذب الاستثمارات وتوطين التكنولوجيا.
وتُظهر البيانات الرسمية أن الجزائر نجحت خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2025 في توقيع عدد من الاتفاقيات التي وُصِفت بأنها من أكبر صفقات الطاقة المتجددة في الجزائر خلال سنوات، نظراً لحجم الاستثمارات المخصصة لها وطبيعة الشركاء الأجانب المنخرطين فيها، فضلاً عن ارتباطها بخطط التنمية المستدامة ورؤية 2035.
وجاءت أول وأكبر صفقات الطاقة المتجددة في الجزائر خلال العام 2025 من خلال اتفاق مع شركة «لونغي» الصينية، التي تعدّ من أكبر الشركات العالمية في صناعة الخلايا والألواح الشمسية.
واتفقت الجزائر مع الشركة على دراسة جدوى توطين صناعة الخلايا الكهروضوئية في الجزائر، وهو ما يعكس رغبة البلاد بالتحول إلى مركز إقليمي لإنتاج وتصدير معدّات الطاقات المتجددة.
ويعتبر خبير الطاقة الجزائري أحمد طرطار، في حديث مع «إرم بزنس»، أن الجزائر تسعى إلى تحقيق نقلة حقيقية للتقنية، وليس مجرد استيراد للمعدات، وهذا يتطلب استثماراً كبيراً في البحث العلمي وتدريب الكوادر.
وتمضى الحكومة الجزائرية بخطى ثابتة نحو تحقيق أهدافها في التحول الطاقي، مدعومةً بشراكات استراتيجية مع دول كبرى مثل الصين وتركيا والكويت ودول الاتحاد الأوروبي، وفق طرطار.
وتتعاون الجزائر مع الصين عبر اتفاقيات بلغت 2.1 مليار دولار مع شركة «باندا غرين إنرجي»، مدعومة بقروض ميسرة من البنك الصيني للتصدير والاستيراد.
وغرباً، يتدفق الدعم عبر منحة من بنك الاستثمار الأوروبي بقيمة 1.2 مليار دولار، وبرامج دعم تقني من الوكالة الفرنسية للتنمية بقيمة 500 مليون دولار، وشراكة مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي بقيمة 350 مليون دولار.
ومن الجوار العربي، يقدم الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي دعماً بقيمة 600 مليون دولار، بينما يساهم صندوق أبوظبي للتنمية بـ400 مليون دولار.
كما يؤدي القطاع الخاص دوراً محورياً عبر شراكات مع تحالف «إينيل غرين باور» الإيطالي باستثمار 1.1 مليار دولار، و«أكوا باور» السعودية باستثمار 850 مليون دولار.
ويوضح طرطار أنه من بين الاستثمارات البالغة 12 مليار دولار، يأتي جزء كبير من تحالفات متنوعة تجمع بين القطاعين العام والخاص، والمؤسسات المالية الدولية، وشركات الطاقة العالمية.
وتظهر البيانات الرسمية أن استثمارات الطاقة الشمسية تصل إلى 12 مليار دولار وتنقسم إلى عدة محاور رئيسية، حيث خُصص 4.5 مليار دولار لبناء المحطات الشمسية، بينما توجه 3.2 مليار دولار لتطوير شبكات النقل والتوزيع الذكية.
كما خصص 1.8 مليار دولار لإنشاء مصانع محلية لإنتاج المعدات، و1.5 مليار دولار للبحث العلمي وتدريب الكوادر، بينما خصص مليار دولار لأنظمة التخزين والمحولات.
وفي هذا السياق، يقول الأكاديمي الجزائري مراد كواشي، إن وزارة الطاقة والمناجم تعمل على تطوير الجيل الجديد من الخلايا الشمسية التي تصل كفاءتها إلى 25%، مقارنة بـ 18% في التقنيات التقليدية.
وأطلقت الجزائر في أبريل الماضي مشروع «طاقاتي 2» بالتعاون بين وزارة الطاقة والمناجم وبعثة الاتحاد الأوروبي وألمانيا، بتمويل قدره 28 مليون يورو (32.45 مليون دولار) لتمويل مبادرات الهيدروجين الأخضر ونشر الطاقة المتجددة.
وباعتقاد خبير الطاقة أحمد طرطار، فإن هذا المشروع يعد أحد أهم محاور الدعم الأوروبي في إطار أكبر صفقات الطاقة المتجددة في الجزائر، ضمن برنامج طموح يمتد حتى عام 2029.
ويرى طرطار أن المشروع يسهم في توسيع الشراكات التقنية بين الجزائر وأوروبا، خاصة في ظل اهتمام بروكسل المتزايد بضمان إمدادات مستدامة من الطاقة النظيفة من دول جنوب المتوسط.