أبطأ وتيرة نمو منذ ما يقرب من عامين
قوة الطلب المحلي تحدد وتيرة التعافي

أظهر مسح خاص أن نشاط الخدمات في الصين نما بأبطأ وتيرة له منذ ما يقرب من عامين، حيث أصبحت الشركات أكثر حذراً بشأن اقتصاد يظهر بشكل متزايد علامات على المزيد من الضعف، وتراجعاً ملحوظاً في الاستهلاك المحلي، مع تجذر أزمة العقارات التي ظهرت بوادرها عقب جائحة كورونا.
تزيد البيانات التي صدرت صباح اليوم الأربعاء من توقعات أن تنفذ الحكومة إجراءات إضافية لتوسيع الطلب المحلي في النصف الثاني من عام 2026، في وقت يركز فيه صناع السياسات على تعزيز الاستهلاك، وتسريع الاستثمار في البنية التحتية، وتحسين التنسيق بين السياسات المالية والنقدية.
ويرى اقتصاديون أن تباطؤ قطاع الخدمات يثير قلقاً خاصاً، لأنه يعكس ضعف الطلب المحلي، في وقت تراهن فيه بكين على الاستهلاك ليقود المرحلة المقبلة من النمو، بدلاً من الاعتماد على الصادرات والاستثمار الصناعي.
انخفض مؤشر مديري المشتريات للخدمات الصينية الصادر عن «ريتنغ دوج» إلى 50.4 نقطة من 54.1 نقطة في يونيو، وفقاً لبيان نُشر يوم الأربعاء.
ورغم أن القراءة جاءت أقل بكثير من متوسط توقعات الاقتصاديين، التي رجحت تسجيل 53.7 نقطة، فإنها ظلت أعلى من مستوى 50 نقطة الذي يفصل بين التوسع والانكماش.
ويعد هذا الرقم الأدنى منذ سبتمبر 2024، وقد توافق تقريباً مع نتائج مسح مؤشر مديري المشتريات الرسمي، الذي أظهر انكماش قطاع الخدمات الشهر الماضي للمرة الأولى منذ أبريل، مسجلاً أكبر تراجع له منذ عامين ونصف العام تقريباً.
قال مؤسس «ريتنغ دوج» ياو يو: «في حين من المتوقع أن يكون مؤشر الخدمات في منطقة توسعية على المدى القريب، فإن وتيرة التعافي ستعتمد على قوة الطلب المحلي وثقة الأعمال».
وأضاف يو في بيان: «توقعات قطاع الأعمال للعام المقبل، وإن كانت لا تزال إيجابية، فقد تراجعت إلى أدنى مستوى لها منذ فبراير 2020».
وتابع: «ارتبطت الثقة بخطط التوسع التجاري، والمشاريع الجديدة، والحملات الترويجية، رغم أن بعض الشركات اتخذت موقفاً أكثر حذراً بشأن التوقعات الاقتصادية».
تزايدت المخاوف بشأن صحة ثاني أكبر اقتصاد في العالم منذ أبريل، مع تراجع النمو وازدياد عدم توازنه؛ ما دفع كبار المسؤولين، خلال اجتماع سياسي مهم الأسبوع الماضي، إلى التعهد بتطبيق سياسات جديدة فعالة في الوقت المناسب، لكنهم لم يقدّموا أيّ إجراءات تحفيزية جديدة.
وكتب محللو «نومورا» في مذكرة: «يتطلع المستثمرون الآن إلى إجراءات التحفيز الاقتصادي، حيث تستهدف بكين معدل نمو اقتصادي يتراوح بين 4.5% و5% هذا العام».
قال كبير الاقتصاديين في «كوميرزبانك إيه جي» هنري هاو: «يعكس الانخفاض الحاد في مؤشر مديري المشتريات الرئيسي تراجعاً حاداً في الطلب المحلي، لكن المحرك الأساسي للاقتصاد لم يتوقف».
وأضاف هاو: «يظهر النشاط التصديري القوي، ونمو الطلبات المتراكمة على المدى الطويل، واستمرار خلق فرص العمل، أنه رغم أن قطاع الخدمات الصيني يبطئ وتيرة نموه، فإنه لا يزال يتوسع».
وتابع: «قد تشمل المبادرات الجديدة دعم فوائد القروض، وتسهيلات الإقراض من البنك المركزي، وبرامج استبدال السلع الاستهلاكية»، ومن المتوقع أيضاً التركيز بشكل أكبر على تحسين الخدمات، ودعم الرعاية الاجتماعية، والتمويل المشجع للاستهلاك لتحفيز الإنفاق الأسري، وفقاً لهاو.
أظهرت بيانات رسمية تباطؤ نشاط القطاع الصناعي في الصين خلال يوليو، مع عودة مؤشر مديري المشتريات الصناعي إلى منطقة الانكماش، في إشارة إلى استمرار الضغوط على ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وسجل مؤشر مديري المشتريات الصناعي 49.2 نقطة، منخفضاً من 50.3 نقطة في يونيو، وجاء دون توقعات الأسواق البالغة 50.0 نقطة، ليهبط مجدداً دون مستوى 50 الفاصل بين النمو والانكماش.
كما تراجع مؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات والأنشطة غير الصناعية إلى 49.0 نقطة، مقارنة مع 50.2 نقطة في الشهر السابق؛ ما يعكس ضعفاً في وتيرة النشاط الاقتصادي خارج القطاع الصناعي أيضاً.
ورغم البيانات الاقتصادية المخيبة للآمال، شهدت الأسهم الصينية، خاصة شركات التكنولوجيا والروبوتات، مكاسب ملحوظة بدعم من تقارير عن احتمال طرح شركة «يوني تري» المتخصصة في الروبوتات للاكتتاب العام، وهو ما عزز شهية المستثمرين تجاه أسهم التكنولوجيا الصينية.
ويرى اقتصاديون أن أيّ تحسن في الصادرات وحده لن يكون كافياً لدعم النمو إذا استمر ضعف الطلب المحلي، وهو ما يجعل سياسات تحفيز الاستهلاك أولوية بالنسبة لصناع القرار في بكين خلال النصف الثاني من العام.
ويرى محللون أن الصين خرجت من عام مضطرب من الحرب التجارية في وضع أفضل مما كان متوقعاً، مع انخفاض الرسوم الأميركية مقارنة بالعام الماضي، رغم استمرار بعض الرسوم التي فرضت خلال الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب، واحتمال فرض قيود إضافية مستقبلاً.
ووفقاً لتقرير صادر عن «نومورا»، بدأت بعض الشركات الأميركية إعادة جزء من إنتاجها إلى الصين، بعد أن خفضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرسوم الجمركية على الواردات الصينية إلى 12.5%، وهو مستوى بات قريباً من الرسوم المفروضة على عدد من الدول الآسيوية، مثل: تايلاند، وفيتنام.
وقال محللو «نومورا»: «جاء هذا التحوّل بعد موجة واسعة من نقل سلاسل الإمداد خارج الصين العام الماضي، عندما بلغت الرسوم الجمركية على الواردات الصينية 145%؛ ما دفع الشركات إلى البحث عن بدائل إنتاج أقل تكلفة».
وقال الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة «أليانز كونسيومر غروب» الأميركية، فيل لاستر، في مكالمة الأرباح الفصلية، إن شركته أوقفت التوسع في نقل الإنتاج إلى تايلاند، بعدما أصبحت تكلفة التصنيع في الصين أكثر تنافسية مع تقلص الفجوة في الرسوم الجمركية.
وقال المحللون لدى «نومورا»: «تراجع الرسوم أعاد للصين جزءاً من ميزتها التنافسية، خاصة في ظل بنيتها الصناعية المتكاملة وكفاءة سلاسل التوريد».
ويشير ذلك إلى أن العديد من الشركات قد تتجه إلى موازنة إستراتيجياتها بين تنويع سلاسل الإمداد والاستفادة من القدرات التصنيعية الكبيرة التي لا تزال تتمتع بها الصين.