
مافرصفي أعقاب اتفاق غزة التاريخي الذي أبرم في شرم الشيخ المصرية، تبرز عملية إعادة إعمار القطاع كفرصة ذهبية للاقتصاد المصري، ممهداً الطريق لمشاريع إعمار ضخمة تقودها القاهرة بخطة شاملة، قد تصل تكاليفها إلى نحو 70 مليار دولار، مما يفتح آفاقاً واسعة للشركات المصرية في قطاعات البناء، والطاقة، والمرافق مستفيدة من خبراتها في إعادة الإعمار وقربها الجغرافي من قطاع غزة.
ويؤكد خبراء تحدثوا مع «إرم بزنس» أن مصر من أكبر الأطراف العربية المؤهلة لتولي إعادة إعمار قطاع غزة حيث تملك مؤهلات وأدوات متتنوعة، منها توفّر العمالة الماهرة، وخبرات فنية متقدمة، وعلاقات قوية مع الحكومة الفلسطينية، بالإضافة إلى القرب الجغرافي، وحاجة الشركات المصرية للعمل خارج الحدود، وضعف المنافسين للدولة المصرية في المنطقة العربية.
وكانت مصر قد سبق وأنشأت حتى أغسطس 2023 ثلاث مدن جديدة في غزة على 3 مناطق من القطاع وهي: «دار مصر1» في منطقة الزهراء جنوب مدينة غزة، و«دار مصر 2» غرب جباليا شمال القطاع، و«دار مصر 3» في بيت لاهيا بعدد 117 عمارة سكنية، وقرابة 2500 وحدة سكنية ومحال تجارية مجهزة بالبنية التحتية، بجانب المرافق العامة.
وقبل إعلان اتفاق السلام في غزة، وضعت مصر خطة متكاملة لإعادة إعمار القطاع، تمتد على مدة 5 سنوات وتركز على الإغاثة الطارئة، وإعادة البناء، والتنمية المستدامة، وأقرت هذه الخطة في القمة العربية الطارئة بالقاهرة في مارس 2025.
وتعتمد الخطة على إنشاء صندوق ائتماني دولي بالتعاون مع السلطة الفلسطينية والأمم المتحدة لضمان الشفافية، مع خطط لاستضافة مؤتمر وزاري في نوفمبر 2025 لجمع الدعم من الدول المانحة والقطاع الخاص، لتمويل عمليات إعادة إعمار قطاع غزة.
ويقول رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية رشاد عبده في تصريح لـ«إرم بزنس» إن الخطة المصرية ستبدأ فور التوصل إلى توافقات مع الدول الضامنة للاتفاق بما فيها الولايات المتحدة الأميركية وتركيا ومصر.
ويؤكد عبده أن مصر لديها العديد من شركات المقاولات الكبرى مثل المقاولون العرب والمقاولات المصرية، وأوراسكوم، وأبناء سيناء، وهي شركات لديها خبرات سابقة في إعادة الإعمار في دول عربية أخرى مثل العراق وليبيا، بالإضافة إلى العمالة الماهرة ووفرة مواد البناء الأساسية، مما يمنحها ميزة نسبية فضلاً عن قربها الجغرافي من القطاع.
ويشير عبده إلى أن مصر تعد من كبار الدول المنتجة والمصدرة لمواد البناء، حيث ارتفعت صادراتها من هذه المواد بنسبة 57.8%، خلال النصف الأول من العام 2025، لتصل إلى 7.4 مليار دولار، مقابل 4.7 مليار دولار عن الفترة نفسها من العام الماضي.
وتشير التقديرات إلى أن غزة تحتاج إلى إعادة بناء شاملة بعد دمار طال 200 ألف وحدة سكنية، وشبكات كهرباء ومياه معطلة، ووفقاً لمركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (يونوسات) فقد تضرر حوالي 83% من إجمالي المباني هناك. كما يتطلب المشروع استصلاح 20 ألف فدان زراعي وبناء موانئ ومطار لتعزيز الاستقلال الاقتصادي.
ويقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تكلفة إعادة الإعمار بـ 70 مليار دولار، مشيراً إلى وجود أكثر من 55 مليون طن من الأنقاض في القطاع، فيما سبق وقدر البنك الدولي في تقرير له في فبراير الماضي تكلفة الإعمار بنحو 53 مليار دولار.
وبحسب تقرير البنك الدولي، فإن قطاع الإسكان يمثل حوالي 30% من احتياجات إعادة الإعمار، أي 15.2 مليار دولار، ثم التجارة والصناعة 6.9 مليار دولار، والصحة 6.9 مليار دولار، والزراعة 4.2 مليار دولار، والحماية الاجتماعية 4.2 مليار دولار، والنقل 2.9 مليار دولار، والمياه والصرف الصحي 2.7 مليار دولار، والتعليم 2.6 مليار دولار.
ويشير التقرير أيضاً إلى أن التكاليف المرتفعة المتوقّعة للقطاع البيئي بشكل خاص والتي تصل إلى 1.9 مليار دولار، بسبب الكمية الكبيرة من الأنقاض التي تحتوي على ذخائر غير منفجرة والكلفة العالية المرتبطة بإزالة الركام.
وتنقسم الخطة المصرية إلى ثلاث مراحل لضمان الكفاءة، تبدأ المرحلة الأولى، المخصصة للتعافي المبكر، بتكلفة 3 مليارات دولار على مدى ستة أشهر، وتشمل إزالة الأنقاض من محور صلاح الدين ومناطق أخرى، وتوفير 200 ألف وحدة سكن مؤقتة تستوعب 360 ألف فرد، إلى جانب ترميم 60 ألف وحدة مدمرة جزئياً، وتشمل هذه المرحلة أيضاً إنشاء سبعة مواقع إيواء لأكثر من 1.5 مليون شخص.
وتمتد المرحلة الثانية حتى عام 2027 بتكلفة 20 مليار دولار، وتركز على بناء المرافق، الشبكات، والوحدات السكنية الدائمة، إلى جانب استصلاح الأراضي الزراعية. أما المرحلة الثالثة، التي تستمر حتى 2030 بتكلفة 30 مليار دولار، فتهدف إلى إنشاء مناطق صناعية، ميناء صيد، ميناء بحري، ومطار لتعزيز الاقتصاد المحلي.
وفي هذا السياق، يوضح المهندس محمد صالح رئيس مجلس إدارة شركة مقاولات في حديث مع «إرم بزنس» أن مصر تحظى بخبرات كبيرة في عمليات البناء والتشييد، سواء البنية التحتية أو المنشآت السكنية، خصوصاً بعد التوسع في إنشاء المدن الجديدة خلال السنوات الماضية.
ويشير صالح إلى أن إعادة إعمار غزة يوفر فرصاً غير مسبوقة للشركات المصرية، خاصة العاملة في البناء، والأسمنت، والطاقة حيث تمتلك مصر أكثر من 17 ألف شركة في غرفة التطوير العقاري، مؤهلة للمشاركة في بناء الوحدات السكنية والشبكات، متوقعاً ارتفاع الطلب على مواد البناء بنسبة 30% مع بدء عمليات الإعمار.
بدوره، يؤكد النائب السابق لرئيس غرفة صناعة مواد البناء باتحاد الصناعات المصرية مدحت اسطفانوس، في حديثه مع «إرم بزنس» أن إعادة إعمار غزة فرصة لتعزيز صادرات مواد البناء المصرية، خاصة الأسمنت والحديد، بفضل القرب الجغرافي والخبرة في مشاريع البنية التحتية.
وبحسب بيانات المجلس التصديري لمواد البناء والحراريات والصناعات المعدنية، فقد سجلت صادرات الحديد خلال النصف الأول من العام الجاري، 971 مليون دولار، والأسمنت 423 مليون دولار، والمواد المحجرية إلى 304 ملايين دولار، والرخام والجرانيت 144 مليون دولار، فى حين بلغت صادرات الأدوات الصحية 79 مليون دولار، والسيراميك47 مليون دولار.
ويرى أسطفانوس أن التحدي الأكبر الذي يواجه قطاع غزة هو توفير التمويل اللازم لتكاليف إعادة الإعمار، فضلاً عن عقد شراكات دولية ومؤتمرات لجذب المانحين، كما يشير إلى أهمية دور المؤسسات الدولية في توفير التمويلات اللازمة لإعادة بناء قطاع غزة.
إلى ذلك، تستعد دول الاتحاد الأوروبى لبدء مرحلة جديدة من المشاركة فى إعادة إعمار قطاع غزة، بعد اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، معلنة عن خطة دعم تمتد لثلاث سنوات بقيمة 5 مليارات يورو، كما يدرس الاتحاد زيادة تمويله للمساعدات الإنسانية وإعادة إعمار البنية التحتية، إلى جانب توسيع دعمه لبرامج الإصلاح والحوكمة في السلطة الفلسطينية.
وتقوم الخطة الأوروبية على إنشاء صندوق خاص لإعمار غزة بإدارة مشتركة بين الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، مع مساهمات من الدول العربية والأمم المتحدة.
كما سيتم توجيه نحو 1.5 مليار يورو لدعم الاقتصاد المحلي من خلال مشاريع صغيرة ومتوسطة، وتشجيع الزراعة والصناعات الخفيفة، فيما يخصص الباقى لدعم التعليم وبرامج إعادة الإعمار السكني، خاصة فى شمال القطاع الذي شهد دماراً واسعاً.
وأشارت المفوضية الأوروبية إلى أنه سيتم تخصيص ما يقارب من 2 مليار يورو للمرحلة الأولى التي يتم توجيهها إلى البنية التحتية الحيوية بما في ذلك الكهرباء والمياه والصرف الصحى والمستشفيات على أن يتم البدء في أعمال الترميم خلال الربع الأول من عام 2026.