
تضيق الخيارات أمام واشنطن لتشديد الحصار الاقتصادي على إيران بعد سنوات طويلة من العقوبات التي طالت قطاعات النفط والمصارف والشحن والتجارة، ما يدفع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البحث عن نقاط ضغط خارج الاقتصاد الإيراني نفسه، تستهدف بصورة أساسية الأطراف التي تشتري النفط وتوفر قنوات التسوية المالية والنقل.
ويضع هذا التحول الصين في قلب المرحلة المقبلة من الضغوط الأميركية، باعتبارها السوق الرئيسية للخام الإيراني، فيما تمثل المصافي المستقلة وشبكات الصرافة والوسطاء الماليون وأساطيل النقل حلقات أساسية في منظومة تتيح لطهران تحويل صادرات الطاقة إلى سيولة تستخدم في تمويل الواردات والحفاظ على تدفقات النقد الأجنبي.
وتتركز المساحة المتبقية أمام الإدارة الأميركية، بالتالي، في تضييق القنوات التي تربط صادرات الطاقة الإيرانية بالأسواق الخارجية، سواء عند نقطة شراء الخام أو نقله أو تسوية عائداته، وهي قنوات توسعت طهران في استخدامها مع تراكم القيود المفروضة على تعاملاتها المالية والتجارية.
تبدأ المعادلة من النفط، المصدر الأهم للعملة الأجنبية بالنسبة إلى طهران. وتقدر وزارة الخزانة الأميركية أن الصين تستحوذ على نحو 90% من صادرات النفط الإيراني، ما يجعل المصافي الصينية في صدارة حلقات التجارة التي تستهدفها العقوبات الأميركية.
وتتركز نسبة كبيرة من المشتريات لدى المصافي المستقلة المعروفة باسم «تي بوت» (Teapot Refineries)، التي أصبحت هدفاً متزايداً للإجراءات الأميركية. وفي أبريل، فرضت وزارة الخزانة عقوبات على مصفاة «هنغلي بتروكيميكال» (Hengli Petrochemical) الصينية، إلى جانب شركات وسفن مرتبطة بنقل النفط الإيراني.
ولا يقتصر أثر استهداف المشتري على مشترياته من الخام، إذ يمكن لإدراجه على قوائم العقوبات أن يقيد وصوله إلى التمويل والتأمين والخدمات المصرفية المرتبطة بالتجارة.
وأظهر تحليل نشره «راديو أوروبا الحرة/راديو الحرية» في 15 أغسطس أن العقوبات الأميركية السابقة على مصافٍ صينية امتدت إلى قنوات تمويلها، بعدما تحركت جهات صينية في بعض الحالات للحد من انكشاف بنوك حكومية على مصافٍ خاضعة للعقوبات.
لكن استهداف المشترين يواجه شبكة تجارية أكثر مرونة من تجارة النفط التقليدية، مع اعتماد إيران على وسطاء وشركات واجهة وناقلات ضمن ما يعرف بـ«أسطول الظل»، بما يسمح بتغيير الأطراف المشاركة في الصفقات ومسارات الشحن.
لا يقتصر الضغط الأميركي على حجم النفط الذي تستطيع إيران تصديره، إذ تمثل القدرة على الوصول إلى عائدات تلك المبيعات واستخدامها في تمويل التجارة الخارجية محوراً آخر للعقوبات.
وأدى تقييد وصول البنوك الإيرانية إلى النظام المالي الدولي إلى توسع استخدام شركات الواجهة وبيوت الصرافة والحسابات الخارجية لتسوية التجارة وتحويل إيرادات الطاقة إلى عملات قابلة للاستخدام.
وبحسب وزارة الخزانة الأميركية، تمرر شبكات الصرافة المرتبطة بإيران مليارات الدولارات من العملات الأجنبية سنوياً، فيما تتم تسوية جزء من مبيعات النفط باليوان الصيني قبل تحويل العائدات أو استخدامها في تمويل مشتريات خارجية.
ويزداد تعقيد الضغط المالي مع توسع القنوات البديلة للدولار. ويشير مجلس العلاقات الخارجية الأميركي (CFR) إلى أن نمو المدفوعات العابرة للحدود باليوان، وانتقال جزء منها من شبكة «سويفت» (SWIFT) إلى نظام المدفوعات الصيني «سيبس» (CIPS)، يقلص قدرة العقوبات الأميركية على الوصول إلى بعض المعاملات.
وأظهر المجلس أن استخدام النظام الصيني ارتفع خلال الحرب مع إيران، بالتزامن مع انتقال معاملات من الدولار إلى اليوان، ما يوفر للتجارة المرتبطة بالعقوبات قناة مالية أقل تعرضاً للمنظومة الأميركية.
وخلال الأشهر الماضية، استهدفت وزارة الخزانة شبكات صرافة وشركات قالت إنها حولت مئات الملايين من الدولارات لصالح مؤسسات مالية إيرانية، في محاولة لتضييق قدرة طهران على تحويل إيراداتها الخارجية واستخدامها في تمويل الواردات.
يمتد الضغط الأميركي إلى الخدمات اللوجستية التي تسمح باستمرار حركة الصادرات رغم العقوبات، وفي مقدمتها السفن وشركات الإدارة والوسطاء والكيانات المسجلة خارج إيران.
وكشفت وزارة الخزانة عن شبكات قالت إنها استخدمت شركات واجهة وحسابات مصرفية أجنبية وسفناً ضمن «أسطول الظل» لنقل الغاز البترولي المسال الإيراني إلى أسواق في جنوب وشرق آسيا، مع استخدام هياكل تجارية تهدف إلى إخفاء منشأ الشحنات.
ويتيح استهداف هذه الشبكات توسيع نطاق العقوبات من المنتج الإيراني إلى الخدمات اللازمة لوصوله إلى الأسواق، بما يشمل السفن وشركات الإدارة والوسطاء والجهات التي تسهل المدفوعات.
كما يمتد نطاق الإجراءات المحتملة إلى النقل الجوي، بعدما أكدت وزارة الخزانة إمكانية استهداف شركات أجنبية، بما فيها شركات طيران، إذا قدمت خدمات لأنشطة إيرانية خاضعة للعقوبات.
رغم تعدد الأدوات المتاحة، تواجه واشنطن اقتصاداً تكيف على مدى سنوات مع القيود المفروضة على قنواته التقليدية للتجارة والتمويل، من خلال توسيع الاعتماد على الوسطاء وشركات الواجهة والعملات البديلة وشبكات النقل غير التقليدية.
وتشير دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن استهداف عدد محدود من المصافي الصينية لا يكفي وحده لإحداث تراجع حاسم في صادرات النفط الإيراني، في ظل وجود عدد كبير من المصافي المستقلة وإمكانية انتقال المشتريات بين أطراف مختلفة.
ويضيف توسع استخدام اليوان ونظام «سيبس» بعداً آخر لهذه المعادلة، إذ يقلص اعتماد بعض التدفقات التجارية على الدولار والبنية المالية الغربية، وفق تحليل مجلس العلاقات الخارجية.
لذلك تتحول المرحلة المقبلة من الضغط من توسيع قوائم العقوبات إلى محاولة الوصول إلى الحلقات التي تسمح باستمرار تدفق الإيرادات: مشتري النفط، وقنوات تسوية المدفوعات، وشبكات الصرافة، وخدمات النقل.
وبذلك، يبقى أمام إدارة ترامب مجال لتشديد القيود على الاقتصاد الإيراني، لكن فاعلية الإجراءات الجديدة ستعتمد بصورة أكبر على قدرتها على تعطيل هذه القنوات الخارجية، في وقت تظهر فيه شبكات التجارة والتمويل البديلة قدرة متزايدة على إبقاء جزء من صادرات إيران وعائداتها خارج نطاق النظام المالي الأميركي.