logo
اقتصاد

الصين والخليج.. من التبادل التجاري إلى هندسة النفوذ الاقتصادي

الصين والخليج.. من التبادل التجاري إلى هندسة النفوذ الاقتصادي
منظر عام لمدينة أبوظبي، عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، في 15 ديسمبر 2009.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

أعادت دول مجلس التعاون الخليجي خلال العقدين الماضيين صياغة موقعها في الاقتصاد العالمي؛ فانتقلت من اقتصادات ريعية تعتمد تصدير الطاقة واستيراد السلع إلى اقتصادات إنتاجية تمتلك أدوات التأثير في التجارة والتكنولوجيا معاً.

ومع اتساع سلاسل القيمة العالمية وتحوّل مركز الثقل الصناعي نحو آسيا، برزت الصين بوصفها الشريك الأكثر قدرة على تلبية احتياجات المرحلة الجديدة من التحوّل الخليجي: مرحلة تتطلّب التصنيع، التكنولوجيا، والاستثمار طويل الأجل.

ولم تعد العلاقة بين الجانبين علاقة تبادلٍ تقليدي بين موردٍ ومستهلك، بل تحوّلت إلى شراكة متبادلة المصالح تقوم على التخصّص والاعتماد المتوازن: الخليج كمصدرٍ للطاقة ورأس المال، والصين كمزوّدٍ للقدرة التصنيعية، والتقنيات، والبنى التحتية الصناعية والرقمية.

أخبار ذات صلة

عامل لدى الهيئة السعودية للمياه، المملكة العربية السعودية

87 مليار دولار.. استثمارات إماراتية سعودية في الأمن المائي الخليجي

إعادة تعريف قواعد الشراكة الاقتصادية

اعتمدت دول الخليج في رؤاها التنموية الحديثة على مبدأ تنويع الشركاء وتوطين المعرفة بدل الارتهان لمحورٍ تجاري واحد. فالشركات الصينية أصبحت جزءاً من منظومات صناعية تُدار من داخل المنطقة وتخضع لمعايير خليجية في الكلفة والجودة والتوطين.

وبحسب تقريرٍ لـ«مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي» (Carnegie Endowment for International Peace)، فإنّ تعمّق الترابط الاقتصادي بين الصين ودول الخليج «يعيد تعريف موازين النفوذ في الشرق الأوسط عبر الاقتصاد لا الأمن»، إذ تتحوّل المنطقة إلى مركزٍ لتقاطعات الطاقة والتكنولوجيا والتصنيع بدلاً من كونها هامشاً لصراعات القوى الكبرى.

من سوقٍ «مستهلك» إلى سوقٍ «مُحدِّد»

تنامت واردات الخليج من الصين منذ 2008 بوتيرةٍ تعكس انتقال المنطقة من الاستيراد إلى بناء منظوماتٍ صناعية محلية تعتمد مورّدين متعدّدين. ويتجاوز حجم التبادل التجاري بين الجانبين اليوم 200 مليار دولار سنوياً، لكن الأهم أن دول الخليج تدير هذا الانفتاح عبر مناقصاتٍ تنافسية واشتراطاتٍ للمحتوى المحلي، ما يجعلها لاعباً منظِّماً للتجارة لا متلقّياً لها.

على المستوى الكلي، يتوقّع «البنك الدولي» و«صندوق النقد الدولي» نمو اقتصادات الخليج بنحو 3.2% في 2025 و4.5% في 2026، مع استمرار مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي، وهو ما يؤكد أن التجارة والتصنيع يخدمان رؤية التنويع لا التبعية.

كما تشير «منظمة التجارة العالمية» إلى أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل أنماط التجارة في السلع الرأسمالية، من خوادم وشرائح ومعدات اتصالات، ما يضع الخليج كمركزٍ لوجستي واستثماري قادرٍ على تحديد اتجاه الطلب العالمي بدل الاكتفاء بتلبيته.

سفينة نقل الحاويات «إيبا» التابعة لشركة ميرسك تبحر في مياه الخليج العربي، 4 يونيو 2022
سفينة نقل الحاويات «إيبا» التابعة لشركة ميرسك تبحر في مياه الخليج العربي-4 يوينو 2022 المصدر: أ ف ب

من «اقتناء السيارات» إلى بناء سلسلة قيمة

يشكّل قطاع السيارات نموذجاً مصغّراً للتحوّل الصناعي في الخليج. فبينما كانت العلامات اليابانية والأوروبية تهيمن على السوق، تمكّنت الشركات الصينية مثل «سايك» (SAIC) و«غوانغتشو» (GAC) و«جيانغهواي» (JAC) من الاستحواذ على نحو 14 % من واردات السيارات في عام 2024.

لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في حجم الواردات بل في توطين الخدمات والتصنيع الجزئي داخل السعودية والإمارات؛ حيث أُنشئت مراكز توزيع وصيانة ومختبرات لاختبار المركبات الكهربائية.

بهذا التحوّل، لم تعد السيارات سلعة استهلاكية فقط، بل نقطة دخول إلى سلسلة قيمة محلية تشمل المكوّنات الإلكترونية، والبطاريات، والمواد المتقدمة، مما يفتح آفاقاً جديدة للتوظيف ونقل المهارات وتعميق التصنيع المرتبط بالتقنيات النظيفة.

من «شراء العتاد» إلى تشغيل المنصّات الرقمية

أسهمت شركات الاتصالات الصينية في بناء جزءٍ كبير من شبكات الجيل الخامس (5G) في دول الخليج، غير أن المرحلة التالية تمثّلت في التحوّل نحو التشغيل المحلي للمنصّات الرقمية، وهو تحوّلٌ تُترجمه مشاريع إنشاء مراكز بيانات ضخمة، وتوسيع الخدمات السحابية، وربط الطاقة منخفضة الكلفة بأحمال الحوسبة عالية الكثافة.

وتُظهر بيانات «الوكالة الدولية للطاقة المتجددة» (IRENA) زيادةً قدرها 3.3 غيغاواط في القدرات المتجددة بالشرق الأوسط خلال 2024، كانت السعودية مسؤولة عن أكثر من نصفها. ويخدم هذا النمو في الطاقة النظيفة مباشرةً اقتصاديات الحوسبة السحابية ويُتيح تعاقداتٍ طويلة الأجل تقلّل الانبعاثات وتخفض تكلفة تشغيل البنية الرقمية.

ومع تحوّل الشبكات إلى أصولٍ إنتاجية (Data as Infrastructure)، أصبحت البيانات والبنية الرقمية أصولاً اقتصادية لدول الخليج تُولِّد دخلاً متكرّراً من خدمات التشغيل والأمن السيبراني والصيانة التقنية، ما يُرسّخ استقلالها التشغيلي ضمن منظومة الاقتصاد الرقمي العالمي.

بناء نظامٍ بيئي لأشباه الموصّلات

ارتفعت واردات الخليج من الشرائح والمكوّنات الإلكترونية منذ 2020، مع تزايد الاعتماد على الشركات الصينية في الرقائق المتوسطة المستخدمة في الصناعة والطاقة. إلا أن دول الخليج تتجه إلى ما هو أبعد من الشراء: تجميع النظام البيئي الكامل الذي يضم سلاسل توريد، وخدمات تصنيع تعاقدي، واختباراً وتغليفاً محلياً للرقائق.

وتشير ورقة حديثة لـ«صندوق النقد الدولي» إلى أن صناديق الثروة السيادية الخليجية أصبحت من أبرز المستثمرين في قطاعات التكنولوجيا وأشباه الموصّلات عالمياً، ما يجعلها لا تستورد التكنولوجيا فحسب بل تصدّر رأس المال والمعايير، وتوجّه تدفقات الاستثمار نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.

كفاءة رأس المال والميزة التفاوضية للطاقة

تتفوّق الشراكات الخليجية–الصينية في القطاعات التي تتطلّب تمويلاً ميسّراً وسلاسل توريد متكاملة وقدرة تنفيذٍ عالية السرعة، من تطوير المناطق الصناعية إلى مشاريع الطاقة الشمسية والسكك الحديدية. غير أن المعيار الحاسم يظل خليجياً، قائماً على المفاضلة الدقيقة بين تكلفة رأس المال ومخاطر الجدول الزمني ومتطلبات المحتوى المحلي.

ويُظهر تقرير «الوكالة الدولية للطاقة» (IEA) أن أنماط الإمداد والتكرير البترولي تتغيّر حتى عام 2030، ما يمنح دول الخليج قوة تفاوضية غير مسبوقة في عقود الطاقة طويلة الأجل مع آسيا وأوروبا. فعندما تُسعّر الشركات الخليجية الكهرباء الصناعية ومياه التبريد واتصال الألياف على مدى 10–15 عاماً، تصبح المنطقة موقعاً أمثل لسلاسل الخدمات الرقمية والتجميع الإلكتروني، وتتحوّل العلاقة مع المورّدين إلى تنافسٍ على تلبية المواصفات الخليجية لا العكس.

أخبار ذات صلة

يمشون قرب لافتة لشركة «سافيون» لرقائق الذكاء الاصطناعي بمؤتمر «موبايل وورلد كونغرس» في مدينة برشلونة الإسبانية يوم 27 فبراير 2024.

هل تتحول مراكز البيانات إلى «نفط» الخليج في العصر الرقمي؟

قيادة مبنية على الإنتاجية والابتكار

تؤكّد تقارير المؤسسات الدولية أن التحوّل الاقتصادي في الخليج يكتسب طابعاً هيكلياً مدفوعاً بإصلاحات الإنتاجية، وتحسين بيئة الابتكار، وتوسيع قاعدة ريادة الأعمال.

وتشير «الوكالة الدولية للطاقة المتجددة» إلى أن النمو المتسارع في الطاقة المتجددة يوفّر أساساً لتكاملٍ أعمق بين الصناعات التقليدية والتقنيات الجديدة، فيما تُظهر بيانات «منظمة التجارة العالمية» أنّ السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أصبحت المحرك الرئيسي لتجارة التكنولوجيا العالمية.

عند تقاطع هذه الاتجاهات، يتبدّى الخليج كمحورٍ استثماري قادرٍ على قيادة دورة صناعية رقمية جديدة تربط الطاقة بالبيانات، ورأس المال بالتقنية، والإنتاجية بالابتكار.

الخليج يضع القواعد

لم تعد العلاقة الاقتصادية بين الخليج والصين قصة اعتمادٍ أو اصطفافٍ، بل تحوّلت إلى معادلة نفوذ متبادل يصوغ فيها الخليج قواعد اللعبة الإنتاجية، من الكلفة والجودة إلى المحتوى المحلي والجدول الزمني، بينما يتنافس المورّدون العالميون، صينيون وغيرهم، على تلبية هذه المواصفات.

وبينما تؤكد تقارير المؤسسات الدولية أنّ هذا التحوّل يعيد رسم خريطة التجارة والطاقة والتكنولوجيا حتى عام 2030، فإنّ الخليج يرسّخ مكانته كمركزٍ هندسي واقتصادي مستقلّ، يبني منصّته الصناعية والرقمية، ويجعل من الشراكات أدوات تنفيذٍ لرؤيته التنموية لا بدائل عنها.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف