فاتورة الرواتب والمعاشات الشهرية تتراوح بين 5.3 إلى 6.1 مليار دولار

تخطو الحكومة العراقية نحو التوسع في المعاملات المالية الرقمية بعدما بدأت في منع التعامل النقدي في المؤسسات الحكومية بدءاً من يوليو الماضي، محققة نقلة استراتيجية لا تقتصر على تسهيل عملية الدفع الإلكتروني فحسب، بل تمثل إصلاحاً جوهرياً يهدف إلى إعادة هندسة البيئة المالية العراقية، وتجفيف منابع الفساد، وبناء أسس متينة للاقتصاد الرقمي.
يأتي هذا التحول العملي في سياق اقتصاد لا يزال يعاني من الهيمنة الكبيرة لقطاع النفط، الذي يشكل، وفقاً لأحدث التقارير الصادرة عن وزارة التخطيط والبنك المركزي العراقي، ما نسبته أكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة للدولة، ويساهم بما يقارب 65% من الناتج المحلي الإجمالي الذي يقدر بحوالي 267 مليار دولار لعام 2023.
وشهد الناتج المحلي الإجمالي نمواً متفاوتاً، حيث سجل ارتفاعاً بنسبة 2.9% خلال العام الماضي، مدفوعاً بشكل رئيسي بارتفاع أسعار النفط عالمياً، بينما تراجعت مساهمة القطاعات الإنتاجية غير النفطية، حيث لم تتجاوز مساهمة القطاع الزراعي 3%، والقطاع الصناعي غير النفطي حوالي 5%، بينما استأثر قطاع الخدمات، بما فيه الخدمات المالية والتجارة، بنسبة 27% من الناتج الإجمالي.
ومن جانبه، أوضح المستشار المالي والاقتصادي لرئيس الوزراء العراقي مظهر محمد صالح، في تصريحات صحفية، أن إعلان البنك المركزي العراقي عن توديع الدفع النقدي في جميع المؤسسات الحكومية والمرافق يمثل خطوة إستراتيجية نحو بناء اقتصاد رقمي متكامل.
صالح أوضح أن هذا التحوّل يهدف إلى تعزيز الشفافية وتقليل الفساد ويشجع الشمول المالي، مشيراً إلى أن الانتقال إلى المدفوعات الإلكترونية يشكل بداية لعصر جديد من الحداثة المالية في العراق.
وأضاف أن السياسة المالية ستستفيد بشكل مباشر، إذ ستصبح المدفوعات الحكومية، بما فيها روات 4.5 مليون موظف، والمعاشات والقروض والدعم، بالإضافة إلى تحصيل الرسوم والضرائب، أسرع وأكثر دقة، وهو ما يعزز سيولة الموازنة العامة وحوكمة الإنفاق.
البيانات الصادرة عن البنك المركزي العراقي تشير إلى إنجاز نوعي ملموس، تمثل بإصدار أكثر من 6.5 مليون بطاقة مصرفية من نوعي «فيزا» و«ماستركارد» مرتبطة بشكل مباشر بحسابات الموظفين والمتقاعدين، مع وجود خطة طموحة لرفع هذا العدد إلى 8 ملايين بطاقة مع نهاية العام المقبل.
وتعمل هذه البطاقات عبر شبكة موسعة من ماكينات الصراف الآلي التي تجاوز عددها 1200 جهاز في عموم المحافظات، بالإضافة إلى انتشار أجهزة نقاط بيع (POS) في الأسواق والمحال التجارية، الأمر الذي يعكس حركة تحول نقدي واسعة.
أما من الناحية المالية، فإن إجمالي فاتورة المرتبات والمعاشات الشهرية، التي تتراوح بين 7 إلى 8 تريليونات دينار عراقي (من 5.3 إلى 6.1 مليارات دولار)، لم تعد مجرد تدفق نقدي عابر، بل تحولت إلى سيولة مالية منتظمة تدعم الاستقرار المصرفي وتعزز قدرة البنوك على منح الائتمان للقطاعات الإنتاجية، حيث تشير التقديرات إلى أن حجم الودائع في القطاع المصرفي ارتفع بنسبة 15% منذ بداية تطبيق البرنامج.
ويرى خبراء اقتصاديون، أن هذه السياسة تمثل أكثر الإصلاحات المالية جرأة في العقد الأخير، كما يصفها رئيس مجلس بغداد للتحول الرقمي والدفع الإلكتروني حيدر العمران، في حديث مع «إرم بزنس» بأنها تضع حاجزاً صلباً أمام عمليات الاستنزاف التاريخية للمال العام، والتي كانت تقدر بخسائر سنوية بسبب الرواتب الوهمية والاستقطاعات غير القانونية بما لا يقل عن 3-4 تريليونات دينار عراقي سنوياً، وفقاً لتقديرات ديوان الرقابة المالية.
كما يوضح الخبير المالي رئيس رابطة المصارف الخاصة العراقية وديع الحنظل خلال حديثه مع «إرم بزنس» أن هذا التحول يمنح البنك المركزي رؤية بانورامية واضحة لحركة السيولة النقدية في الاقتصاد، مما يمكنه من إدارة السياسة النقدية بفاعلية أعلى، والتحكم بمعدلات التضخم التي سجلت 1% خلال أغسطس الماضي.
وفي الأفق الأبعد، يرى رواد الاقتصاد الرقمي، مثل حيدر العمران أن هذه القاعدة الجماهيرية الضخمة من المستخدمين، التي تمثل أكثر من 10% من إجمالي السكان، تشكل رأس حربة لانطلاق قطاعات اقتصادية واعدة، مثل التجارة الإلكترونية التي يتوقع أن يتجاوز حجمها 500 مليون دولار هذا العام.
بيد أن هذه الصورة المشرقة للتحول إلى المعاملات المالية الرقمية لا تخلو من بعض التحديات، أولها الفجوة الرقمية، حيث يحذر الحنظل من أن فئات كبار السن، الذين تزيد أعمارهم على 60 عاماً والبالغ عددهم أكثر من 1.5 مليون متقاعد، والأقل تعليماً، وسكان المناطق النائية في محافظات مثل المثنى والأنبار، حيث لا تتجاوز نسبة التغطية المصرفية 40%، قد يواجهون صعوبات حقيقية في التعامل مع هذا النظام الجديد.
ويضيف أن ثاني هذه التحذيرات يتعلق بالأمن السيبراني، حيث تُطالب الجهات التقنية، كما يؤكد الحنظل ضرورة تعزيز البنية التحتية للأنظمة الرقمية، حيث سجل العراق أكثر من 5000 هجمة إلكترونية على قطاعاته الحيوية خلال العام الماضي فقط، مما يستدعي استثمارات عاجلة في أنظمة الحماية قد تتجاوز 100 مليون دولار.
كما يشير محللو القطاع المصرفي إلى أن البنوك، رغم تطورها، قد تواجه ضغوطاً على قدرتها الاستيعابية، حيث تشير بيانات اتحاد المصارف العراقية إلى أن 30% فقط من الفروع مجهزة بالكامل للتعامل مع هذه الأعداد الهائلة، مما قد يؤدي إلى اختناقات وتأخير في الصرف، خاصة في الأيام الأولى من كل شهر.
ويؤكد رئيس مجلس بغداد للتحول الرقمي والدفع الإلكتروني حيدر العمران، أن خطوة الدفع الإلكتروني فرصة تاريخية للعراق لتحقيق قفزة نوعية، فهي لا تقتصر على تخفيض التكاليف التشغيلية الهائلة لطباعة النقود ونقلها وتأمينها، والتي كانت تتجاوز 150 مليار دينار سنوياً، فحسب، بل تمهد الطريق لبناء قاعدة بيانات وطنية دقيقة تساعد في تخطيط السياسات الاجتماعية والاقتصادية.
كما تفتح الباب على مصراعيه لتحول حكومي رقمي أشمل يشمل كافة الخدمات والضرائب. وقد تساهم بشكل مباشر في تحسين تصنيف العراق في مؤشرات الحوكمة العالمية، حيث يحتل العراق، حالياً، المرتبة 157 من أصل 180 دولة في مؤشر مدركات الفساد، مع إمكانية تحسين هذا الترتيب بما لا يقل عن 20 مركزاً خلال السنوات الثلاث المقبلة في حال استمرار الإصلاحات.