مازن سلهب: خصومات الخام العراقي تمنح أدنوك فرصة لتعزيز العوائد
الطه: سعر مربان 127 دولاراً للبرميل مقابل نحو 43 دولاراً لخام البصرة

تمنح مشتريات «أدنوك» من الخام العراقي المخفّض الشركة فرصة لتحقيق قيمة من التكرير والتصدير معاً، عبر معالجة خامات أقل سعراً في مصفاة الرويس، وتوجيه كميات أكبر من خام مربان الإماراتي الأعلى قيمة إلى الأسواق العالمية.
وتستند هذه الاستراتيجية إلى استثمارات رفعت قدرة الرويس على التعامل مع خامات متنوعة، وإلى منظومة تجارية ولوجستية تسمح لـ«أدنوك» باختيار مصادر الإمدادات وتوزيع براميلها بين التكرير والتصدير وفقاً لظروف السوق.
ووفقاً لرويترز، اتفقت أدنوك على شراء 32 مليون برميل عراقي في أغسطس، بخصومات تراوحت بين 24.90 و27 دولاراً للبرميل، و40 مليوناً في سبتمبر، منها 10 ملايين بخصم 18 دولاراً و30 مليوناً بخصم 25 دولاراً.
ولا تعني هذه الاتفاقات وصول جميع الكميات؛ إذ نقلت الوكالة عن مصادر أن الشركة حمّلت نحو 20 مليون برميل في أغسطس، و14 مليوناً حتى منتصف سبتمبر، بسبب قيود تواجه توفير الخام وتصديره.
كما أشارت إلى اعتزام أدنوك تكرير معظم الخام المشترى من منتجين خليجيين آخرين في الرويس، وبيع المزيد من خامها في الخارج.
يقول مستشار الاستثمار مازن سلهب، لـ«إرم بزنس»، إن انخفاض سعر الخامات العراقية مقارنة بمربان يعود إلى عاملين رئيسين: اختلاف المواصفات الفنية، والظروف اللوجستية المحيطة بالنقل والشحن، فالنفط ليس منتجاً موحداً؛ إذ تختلف الخامات في كثافتها ونسبة الكبريت فيها، ما ينعكس على تكاليف معالجتها ونوعية المشتقات المستخرجة منها.
ويوضح سلهب أن خام مربان أخف وأقل احتواءً على الكبريت، بينما تحتاج الخامات العراقية الأثقل إلى وحدات معالجة وتحويل إضافية، وهو ما يمنح الخام الإماراتي أفضلية لدى عدد من المصافي.
ووفقاً لبورصة إنتركونتيننتال إكستشينج «ICE»، تبلغ كثافة مربان نحو 39.9 درجة على مقياس معهد البترول الأميركي «API»، ونسبة الكبريت قرابة 0.78%. وكلما ارتفعت قراءة هذا المقياس كان الخام أخف.
في المقابل، تحدد المواصفات المعيارية المنشورة لدى منصة «بلاتس»، المتخصصة في معلومات الطاقة، كثافة خام البصرة المتوسط بنحو 29 درجة، ونسبة الكبريت بنحو 3%. وتوضح هذه الأرقام اختلاف الخصائص بين الخامين، من دون أن تعني أن جميع الشحنات العراقية التي اشترتها أدنوك من النوع نفسه.
لكن الجودة ليست التفسير الوحيد للخصومات الحالية، ويرى خبير الطاقة والاقتصاد وضاح الطه، في حديثه لـ«إرم بزنس»، أن صعوبات الشحن تمثل عاملاً مؤثراً في اتساع الفارق السعري خلال الأزمة.
ويشير إلى أن الصادرات العراقية الجنوبية تنطلق من موانئ البصرة، ما يربطها بمخاطر الملاحة في الخليج وهرمز، بينما يتيح خط حبشان–الفجيرة للإمارات منفذاً لتصدير الخام خارج المضيق.
وبحسب الطه، فإن محدودية إمكانات العراق في نقل الخام بحراً، وتأخر تطوير بنيته اللوجستية على مدى سنوات، يقللان مرونته عند اضطراب الملاحة، ويدفعان إلى تقديم حوافز سعرية للمشترين القادرين على ترتيب النقل وتحمل مخاطره.
ويقدّر الطه سعر مربان عند التصدير بنحو 127 دولاراً للبرميل، مقابل نحو 43 دولاراً لخام البصرة، عازياً الفارق إلى المواصفات الفنية والظروف اللوجستية.
كما يلفت إلى أن بيع النفط على أساس التسليم على ظهر السفينة، المعروف بـ«FOB»، يترك ترتيب النقل البحري للمشتري، الذي يدخل تكاليف الشحن والتأمين والمخاطر ضمن حسابات الصفقة.
لا تستهدف أدنوك من شراء الخام العراقي إبقاء مصفاة متوقفة قيد التشغيل، بل تحسين العائد من اختيار الخام الذي يدخل الرويس، والكمية التي تُوجّه إلى التصدير.
فبدلاً من استهلاك مربان داخل المصفاة، تستطيع الشركة معالجة خام عراقي أقل سعراً وتحويله إلى مشتقات، ثم بيع كمية أكبر من الخام الإماراتي في الأسواق الخارجية.
ويصف الطه هذا التحرك بأنه استفادة ذكية من قرب مصدر الإمدادات العراقية وخصوماتها، بالتوازي مع قدرة أدنوك على تصدير خامها الأعلى قيمة. فالشركة تحقق قيمة من معالجة الخام المشترى، ومن تحسين توزيع إنتاجها المحلي بين التكرير والأسواق العالمية.
ويقول سلهب إن تقدم مصفاة الرويس يسمح بإنتاج البنزين والديزل ووقود الطائرات وغاز البترول المسال وغيرها، وتحويل جزء كبير من الخام الأثقل إلى منتجات أعلى قيمة.
ويرى أن الخصومات الكبيرة تخلق فرصة اقتصادية مهمة، تتسع مع الكميات التي تستطيع الشركة معالجتها وتسويق مشتقاتها. ويمكن بيع هذه المنتجات داخل الإمارات أو تصديرها بحسب الطلب والعقود، فيما لم يحدد تقرير الصفقة توزيع المنتجات الناتجة عن الشحنات العراقية بين الوجهتين.
ووفقاً لأدنوك، بلغت قيمة مشروع مرونة الخام في الرويس 3.5 مليار دولار، وأتاح معالجة ما يصل إلى 420 ألف برميل يومياً من خامات أثقل وأعلى احتواءً على الكبريت، تشمل زاكوم العلوي وأكثر من 50 نوعاً من أنحاء العالم.
وتقول الشركة إن المشروع يسمح باختيار خامات التكرير على أساس التكلفة وظروف السوق، ويزيد كميات مربان المتاحة للتصدير.
وهذه الاستراتيجية ليست جديدة؛ إذ أفادت بلومبرغ في أبريل 2024 بوصول شحنة عراقية إلى الرويس ضمن توجه لتكرير خامات أقل سعراً وتحرير المزيد من مربان للبيع في الخارج. أما التطور الحالي فيتمثل في حجم المشتريات والخصومات التي أتاحتها اضطرابات السوق.
يرى الطه أن الصفقة تعكس قدرة أدنوك على التحرك بين الإنتاج والتجارة والتكرير والشحن، والاستفادة من تكامل هذه الأنشطة، فالمرونة الصناعية تتيح معالجة خامات مختلفة، بينما تساعد القدرات التجارية واللوجستية على تأمين الإمدادات وتسويق الخام والمشتقات.
لكن الخصم المعلن لا يتحول بكامله إلى ربح صافٍ، فالخام الأثقل والأعلى كبريتاً يحتاج إلى معالجة إضافية، وتدخل في حساب الجدوى تكاليف الطاقة والهيدروجين وإزالة الكبريت، إلى جانب النقل والتأمين والتمويل.
كما تتأثر المكاسب بنوعية المنتجات المستخرجة وأسعار بيعها، وبالسعر الذي تحققه براميل مربان الموجهة إلى التصدير. لذلك، لا تمثل خصومات تتراوح بين 18 و27 دولاراً للبرميل السعر النهائي للخام العراقي، ولا تعكس وحدها هامش الربح الذي تحققه أدنوك.
ويؤكد سلهب أن قيمة الفرصة تأتي من الجمع بين انخفاض تكلفة شراء الخام والقدرة على تحويله إلى مشتقات قابلة للتسويق، بالتوازي مع تصدير الخام الإماراتي الأعلى قيمة.
ويرى الطه أن استمرار صعوبات الشحن العراقية قد يُبقي الخام متاحاً بخصومات جذابة لأدنوك، بينما قد يؤدي تحسن قدرة العراق على التصدير إلى تقلص هذه الخصومات.
ولم تُكشف تفاصيل كافية تسمح بتحديد هامش الصفقة أو مقدار ما تضيفه تحديداً إلى صادرات مربان وإيرادات الشركة.