تهديدات ترامب تبقي الإمدادات تحت الضغط
الصين قد تنزلق للتصعيد بسبب النفط

انخفضت أسعار النفط خلال تعاملات اليوم الجمعة، لكنها تظل متجهة لتحقيق مكاسب للأسبوع الثاني على التوالي، مع استمرار الجمود بين الولايات المتحدة وإيران وتعطل جزء كبير من إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط.
يأتي ذلك، في وقت زادت تهديدات واشنطن بفرض «حرب اقتصادية» وعقوبات غير مسبوقة على طهران والدول الداعمة لها مخاطر التصعيد في سوق الخام، مع استمرار حركة تعثر الملاحة في مضيق هرمز.
ويواجه سوق النفط معادلة أكثر تعقيداً، ففشل واشنطن وطهران في استئناف المحادثات يبقي المخاطر الجيوسياسية مرتفعة، بينما قد يؤدي توسيع العقوبات الأميركية إلى الضغط على مشتري النفط الإيراني، وفي مقدمتهم الصين، ما يفتح جبهة اقتصادية جديدة قد تزيد اضطراب أسواق الطاقة.
عزز من صعود الأسعار هذا الأسبوع مخاوف استمرار القيود على الملاحة عبر مضيق هرمز واحتمال بقاء ملايين البراميل من إمدادات المنطقة خارج الأسواق لفترة أطول.
انتهت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران هذا الأسبوع، من دون أن يبدأ الطرفان جهوداً جديدة لاستئناف المحادثات، ما أبقى احتمالات استمرار اضطراب الإمدادات مفتوحة أمام السوق.
وقال محلل الأسواق لدى «آي جي»، توني سيكامور: «يتمسك كل طرف بموقفه، لكنهما لا يملكان رفاهية ممارسة لعبة الانتظار في ظل ارتفاع أسعار النفط الخام».
أضاف سيكامور في مذكرة للعملاء: «تزداد الضغوط بعد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن «حرب اقتصادية» وفرض عزلة غير مسبوقة على إيران، وحذر الدول التي تقدم أي نوع من الدعم لطهران من عواقب اقتصادية».
تتجلى مخاطر التصعيد بوضوح في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، إذ أظهرت بيانات أولية تراجع عدد سفن البضائع العابرة للممر المائي أمس الخميس إلى سبع سفن، مقابل 14 سفينة في اليوم السابق، بحسب بيانات شركة تتبع حركة السفن «كيبلر».
قالت «كيبلر»: «دخلت أربع سفن إلى المضيق وغادرت ثلاث، بينما لم تشمل الحركة ناقلات عملاقة للنفط أو الغاز الطبيعي المسال، في إشارة إلى استمرار حساسية حركة الطاقة عبر الممر الحيوي».
قبل اندلاع الحرب، كانت تمر عبر مضيق هرمز شحنات تعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط، أو ما يقرب من 140 ناقلة، ما يجعل أي انخفاض مستمر في حركة الناقلات مصدر خطر مباشر على الإمدادات والأسعار.
قالت شركة «ريتربوش آند أسوشيتس» للاستشارات في تداول النفط، في مذكرة: «من المستبعد أن تدفع هذه التهديدات الجديدة إيران إلى التخلي عن مصدر نفوذها الرئيس، وهو السيطرة على المضيق، ما لم تقدم الولايات المتحدة تنازلات كبيرة».
أضافت الشركة: «تستمر الأمور على حالها من دون أي حل يلوح في الأفق من شأنه أن يدفع أسعار النفط إلى تراجع كبير نحو مستويات قريبة مما كانت عليه قبل الحرب».
وتابعت «ريتربوش آند أسوشيتس» أن هذه الرؤية تعني أن السوق لا يتعامل مع تهديدات واشنطن باعتبارها طريقاً سريعاً لإنهاء الأزمة، بل كعامل قد يطيل فترة اضطراب الإمدادات إذا ردت طهران باستخدام هرمز كورقة ضغط.
تأتي التهديدات الأميركية في وقت أعلنت فيه واشنطن استعدادها لتشديد الضغط الاقتصادي على إيران، مع تعهد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بالكشف عن تفاصيل العقوبات المرتقبة الأسبوع المقبل.
قال محللو «ريتربوش آند أسوشيتس»: «تزداد حساسية هذه الخطوة بالنسبة لسوق النفط، لأن تشديد العقوبات قد يستهدف القنوات التي تسمح لإيران ببيع خامها، ما يرفع تكلفة التجارة ويهدد جزءاً من الإمدادات التي تجد طريقها إلى الأسواق رغم العقوبات السابقة».
في المقابل، فإن نجاح واشنطن في خفض صادرات إيران قد يرفع أسعار النفط إذا لم تستطع الإمدادات من المنتجين الآخرين تعويض البراميل المفقودة، خصوصاً مع استمرار اضطراب الملاحة في المنطقة.
قد تنتقل تداعيات الحرب الاقتصادية من طهران إلى بكين، إذ تعد الصين أكبر مستورد للنفط الخام الإيراني، ما يجعل الشركات الصينية عرضة لخطر العقوبات إذا قررت واشنطن استهداف المشترين أو الوسطاء المرتبطين بتجارة الخام الإيراني، بحسب «ستون إكس» لأبحاث الطاقة.
وقال محلل أسواق الطاقة لدى «ستون إكس»، أليكس هودز، في مذكرة: «تهديدات ترامب للدول التي تدعم إيران (قد تصبح قضية حساسة في العلاقات الأميركية الصينية)»، مشيراً إلى أن بكين أكبر مستورد للنفط الخام من طهران.
تضيف هذه المعادلة بعداً جديداً لسوق النفط، إذ قد يؤدي الضغط على الصين لخفض مشترياتها من الخام الإيراني إلى تقليص صادرات طهران، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح مواجهة اقتصادية مع بكين ويزيد مخاطر الردود المضادة.
لم تقتصر تداعيات الحرب على النفط الخام، إذ أدت اضطرابات الإمدادات إلى الضغط على أسواق الوقود المكرر وانخفاض المخزونات.
وقالت إدارة معلومات الطاقة الأميركية إن مخزونات نواتج التقطير، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، انخفضت للأسبوع الثالث على التوالي، بينما ارتفعت مخزونات الخام الأميركية بشكل مفاجئ بمقدار 4.4 مليون برميل.
«ستون إكس» قالت: «تكشف هذه البيانات أن تأثير اضطراب الإمدادات يمتد إلى المنتجات النفطية، ما قد يزيد الضغوط على هوامش التكرير وأسعار الوقود إذا استمرت قيود تدفق الخام والمنتجات من الشرق الأوسط».
يقف النفط أمام اختبار حاسم مع اقتراب برنت من 94 دولاراً، إذ قد يؤدي استمرار الجمود بين واشنطن وطهران إلى إبقاء علاوة المخاطر مرتفعة، بينما يمثل مضيق هرمز نقطة الاختناق الأكبر أمام أي عودة سريعة للإمدادات إلى الأسواق.
في المقابل، قد يؤدي نجاح الضغوط الاقتصادية الأميركية في دفع طهران إلى تسوية سياسية وفتح المضيق إلى تراجع سريع في علاوة المخاطر، لكن توسيع العقوبات لتشمل مشتري النفط الإيراني، خصوصاً الصين، قد يخلق أزمة جديدة تتجاوز حدود المواجهة مع إيران.
وهكذا لم يعد اتجاه النفط رهناً بالحرب وحدها، بل أصبح مرتبطاً بثلاثة أسئلة متشابكة: هل يعود التفاوض بين واشنطن وطهران، وهل يبقى هرمز مفتوحاً أمام ناقلات الطاقة، وهل تستطيع واشنطن تشديد الخناق على النفط الإيراني من دون إشعال مواجهة اقتصادية مع الصين؟